• الثلاثاء 25 يوليه 2017
  • بتوقيت مصر08:36 م
بحث متقدم

العالم الذي تحدى رأس الدولة !

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

أخبار متعلقة

تهم

قتال

العالم

المسلمين

مواطن

من عادة الساسة والمستبدين أن يحرصوا كل الحرص على ضم العلماء الذين لا ضمير لهم في صفوفهم ،حتى يجذبوا الناس إليهم ، ويظهروا لهم أنهم على الحق وأن العلماء في جنابهم يؤيدونهم ويقرونهم فيما يذهبون إليه من سياسات باطلة وأحكام جائرة..
وأمثال هؤلاء الذين صاروا مطية في ركاب الساسة وحذاءً في أقدامهم يوجهونه حيث يريدون من مواطن الإفك والزيف والافتراء .! هؤلاء هم أحقر الناس وأشرهم وأخبثهم.. لأنهم يخدعون الجماهير بما يظهرون من العلم.. ويضلون الشعوب بما يعلنون من الورع .. وتأبى حقيقتهم السافلة إلا أن تُرضي أربابهم وسادتهم على حساب الحق والحقيقة.. وتُعلي قولهم على قول الله ورسوله ...!
ولعل هذه العناصر اللعينة من علماء السوء تكثر نماذجهم في عصرنا الحاضر فنشاهد أحدهم يخاطب الناس مرتديًا عمامة الإسلام وعباءة شيخ الإسلام وهو في حقيقته أفاك ضال مضل يُحل الحرام ويحرم الحلال، ويحارب أهل الله ويقف عقبة في وجه الحق وأهله ، نصيرًا للباطل وحزبه..
وإذا كان حكام الزمان قد وجدوا الكثير من أمثال هؤلاء الحقراء ، فإن عبد الملك بن مروان قديمًا عمد إلى سيد التابعين (سعيد بن المسيب) ليضمه إلى حاشيته ويجعل منه لسانا من ألسنته ليقنع الناس بما يريد ويأطرهم على طاعته ويلزمهم بأمره ..وبرغم ذكاء عبدالملك ودهائه الفريد إلا أنه لم يحسن الاختيار والتقييم حينما عمد لابن المسيب  ظنا منه أنه يمكن أن يكون من أهل الدنيا والراغبين فيها والطالبين لغرورها ..! فيضعف أمام العطاء ويسيل لعابه أمام السلطان ووالجاهة ، ويهرول نزولا على رغبة الحاكمين الكبار .. ولكن كيف يمكن لسعيد أن يكون من أهل الدنيا وهو التقي النقي العابد الزاهد الذي قال يومًا : إذا رأيتم العالمي يغشى الأمراء فاحذروا منه فإنه لص.!
وقال يوم أن دُعي إلى نيف وثلاثين ألف ليأخذها : لا حاجة لي فيها ولا في بني مروان حتى ألقى الله تعالى فيحكم بيني وبينهم ..؟!وإذا كان السلطان لا يغريه والمال لا يطويه ، فليكن أسلوب آخر لعله يخضع به أو يلين ..لقد تقدم إليه عبدالملك يخطب ابنته لولده الوليد حين استخلفه من بعده ، لكنه رضي الله عنه رفض هذه المصاهرة وفر منها حتى لا يركن وابنته إلى الدنيا وأهلها..رفض هذا النسب لأعلى رتبة في الدولة رأسها الكبير وحاكمها المطاع لأنه الأبي العزيز الذي يبغض مظاهر الجاه وكبرياء السلطان ، رفضه وهو يعلم ما قد يجره الرفض عليه من عنت وإيذاء ..لكنه لم يكن ليخاف أو يضعف ..لأن العلم الذي حمله بين ضلوعه علمه أن لا يخاف غير الله سبحانه.. فكان يتحرك في قوة.. ويتكلم في عزة ..ويصدح بالحق في شموخ وإباء ..وانطلق سريعا ليزوج فتاته من (أبي وداعة) مجرد طالب علم فقير..! فضّله وميزه على ولي عهد الخلافة وملك المستقبل.! 
يقول الدكتور البيومي : (كان سعيد بن المسيب رجل يعرف قدر نفسه ويحترم العلم الذي يحمله في صدره، ولهذا عاش حياته كريمًا لا يرهب أحدًا ولا يخشى شيئًا كان عنيدًا مع الجبارين وحملا وديعًا مع المساكين)
ولم يكن لعبد الملك أن يسكت على ما حدث أو يستكين أمام هذا الرفض الذي يعد إهانة كبيرة لشخصه..وجاءت ساعة المحنة ولحظة البلاء التي صمد فيها سعيد صمود الجبال ، فلم تخر عزيمته أو ينخلع فؤاده حتى ضرب أروع الأمثلة في الصبر والثبات الذي أذهل خصومه وأعيا قرائحهم..!
لقد رفض سعيد أن يُعلن البيعة للوليد وأخيه سليمان ولدي عبد الملك لأنها في نظره لم تعد بيعة لخلافة راشدة بإجماع الأمة ورضاها وإنما صارت ملكا عضودا يجبر الناس عليه بالسيف، ولما أبلغ عبد الملك برفضه وتعنته ..أمر واليه على المدينة أن يُرهبه على السيف ويجلده خمسين جلدة ، ويطوف به في أسواق المدينة ..ولما جاء الكتاب أسرع إليه بعضهم ليحذره من هذا الوعيد والهول الذي ينتظره والذي قد يفضي بذهاب حياته ، ويعرض عليه أمورا أملاها عليه والي المدينة وخيره فيها حتى يتجنبوا هذه الفتنة وهذا الصدام وهي : أن يسكت حينما يقرأ الوالي كتاب البيعة فلا يقول نعم أو لا ، أو أن يظل في بيته ولا يأتي المسجد حتى تنتهي البيعة ، أو أن ينتقل من مكانه بالمسجد فلا يشهد شيئًا.. وانتظر الجميع جواب سعيد عله يجيب واحدة من هذه الثلاث ويرضى بها فيرحم نفسه ويوفر عليهم عناء التحدي وشطط المواجهة، ولكن سعيد يصر على رفض كل الخيارات التي لا تمثل إلى حقيقة واحدة وهي العجز والتحايل والتخاذل والهروب من الحق فقال لمحدثه : إني أخشى أن أصمت فيظن الناس رضاي ببيعتكم ، كما أنني لا أقدر على سماع الأذان ولا ألبيه ولا أرضى لنفسي أن أنتقل من مكاني في المسجد خوفًا من مخلوق..!
ولم يجد والي المدينة أمام هذا الرفض العنيد العتيد إلا أن ينفذ أمر الخليفة فجردوه من ثيابه وضربوه (50) سوطًا وطافوا به في أسواق المدينة وقال له بعضهم جهلاً و شماتة واستهزاء : هذا مقام الخذي.. فكان رده الحديدي على هذه الحماقة : بل من مقام الخذي فررنا ..!
وتنتهي المحنة بانتصاره عليهم بعد أن أعياهم صموده ولم يزده التعذيب الا إصرارا على مبادئه وتمسكا برأيه ..ويشعر عبد الملك بالندم، فيقدم يوما للمدينة ويقف على باب المسجد ويرسل رجلا يدعوا سعيد بن المسيب، فذهب الرجل وقال له : إن أمير المؤمنين بالخارج يريد رؤيتك، فقال سعيد: مالي إليه من حاجة وما به حاجة إلي ، فرجع الرسول وأخبر عبد الملك فقال له: قل له إن أمير المؤمنين يريدك فكرر سعيد قوله ولما رأى الحرج باديًا على الرسول قال له : يابُني اذهب فإن كان يريد خيرا فهو لك، وإن كان يريد شرا فليقض ما هو قاض ، ويرجع الرسول بالإجابة المحرجة التي لم يجد عبدالملك حيالها إلا أن يصمت ويكظم غيظه لأنه يعرف قدر الرجل ومقامه بين الناس الذين يريد أن يرتكب فعلا آخر يزيد من سخطهم عليه ..
كان سعيد رضي الله عنه من أعلام التابعين الذين ضلعوا في العلم والفقه بأحكام الشريعة ..شهد له بذلك العارفون السابقون فكان عبدالله بن عمر إذا سئل مسألة أشكلت عليه يقول: سلوا سعيدًا فإنه جالس الصالحين..
وقال علي بن الحسن: سعيد بن المسيب أعلم الناس بما تقدم من الآثار وأفقهم في زمانه 
وقال قتادة : ما رأيت أعلم بالحلال والحرام منه 
وقال مكحول : طفت الارض فما وجدت أعلم منه ..وكان الأئمة الأربعة الكبار يتناولون فتاويه ويأخذون بأقواله..لقد كانت معالم الإباء واضحة أصيلة في نفس سعيد وهي التي لا يُعيينا البحث عن أسبابها حينما نعلم أنه رضي الله عنه تلقى العلم من أفذاذ الصحابة وأبطال الإسلام الأول..فسمع من علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وأبي الدرداء وأبي هريرة وأم المؤمنين عائشة ..وهؤلاء كلهم ما كان لهم أن يعلموا العلم مجردا مبتورا أو يلقنوه جافا فاترًا وإنما يلقنون في روع المتعلم شمائل الفروسية وما تضمه من عناصر الإباء والشمم التي تؤهله ليكون عالمًا قائدًا في حياة الناس، يدفع عنهم أذى الدنيا كما يدفع عنهم بهديه أذى الآخرة. 
وأبى رضي الله عنه أن يطوي صفحة حياته حتى يكتب نفسه في سجل المجاهدين ، فقد كان المجاهد الذى لا يقعده عجز أو مرض... وكان إذا سمع منادى الجهاد يحمل متاعه ويخرج وقد ذهبت إحدى عينيه ..!
فيقال له: "إنك عليل" فيرد قائلا : "استنفر الله الخفيف و الثقيل، فإن لم يمكنني القتال كثّرت سواد المسلمين و حفظت المتاع".

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

الزيادات الجديدة في أسعار شرائح الكهرباء

  • فجر

    03:37 ص
  • فجر

    03:36

  • شروق

    05:12

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:46

  • مغرب

    19:00

  • عشاء

    20:30

من الى