• الأربعاء 21 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر05:22 ص
بحث متقدم

جلد الذات من القمة إلى القاع

مقالات

عدة مدارس شكلت جوهر العلوم السياسية منها مدرسة "توماس هوبز"، الذي رأى أن من حق الدولة فرض أدواتها القمعية لتحويل الدولة من الحالة الطبيعية "بلا قانون" إلى حالة الدولة، ولن يتم ذلك إلا باحتكار العنف وأدوات القمع، وإلا نشأ خطر حرب الإنسان ضد أخيه الإنسان، واختفاء فكرة المواطنة بالتبعية.
واستسلم المواطنون لهذه الفكرة لعقود طويلة، فيما أساء استخدامها حكام دول عدة على مدار عقود طويلة، فرفل المرضي عنهم في أحضان الدولة ببهجة الحياة محاطين بكل سبل الراحة، فيما حُرم أبناء هذه الشعوب من مقدرات بلدانهم وحتى إلى الحق في التطلع إلى ما في أيادي هؤلاء الأسياد، تحت حكم الحديد والنار.
واستمر الوضع على هذا المنوال، إلى أن انكشفت ألاعيب الديكتاتوريين، إما بسبب إهدار الموارد الذي كان النتيجة الطبيعية للطمع البشري والفساد، أو إما بسبب الزيادات السكانية  المتتالية، وتأثير ذلك على استهلاك  الفتات الذي تركه الحكام لشعوبهم.
وكنتيجة طبيعية كان لابد لها وأن تطفو على السطح، انفجرت ثورات العالم الثالث كبركان حمل في أعماقه الكثير من العذاب والشقاء، ولم يخرج غاضبًا فقط ليصرخ، ويطفح بأمراضه وفقره وجهله إلى الخارج، بل كان مدمرًا لكل ما تمتع به الأسياد وحرموا منه.
ولأن هناك علمًا ظهر منذ فترة بعيدة، يُعنى بالسيطرة على الجموع، انبرى العديد من المفكرين مثل "نعوم تشومسكي" في تنبيه الشعوب إلى هذه الألعاب، والتي مُورست فيها الألعاب النفسية بشناعة، مثل علم السيطرة على الشعب، وهرم ماسلو، الذي وضع حاجة الإنسان إلى الأمن في سلم هرم الاحتياجات البشرية، قبل غذائه الذي جاء في قاع الهرم!
لذا كان من الطبيعي، أن تسمع من يحثك على الصبر على الجوع في سبيل سلامتك وأمنك، وإن أدى ما يدعون إلى هلاكك الشخصي، تحت وطأة الجوع والعوز.
وتتحول المجتمعات من الاهتمام بالثقافة والبحث عن معنى الذات والكون وإعمار الأرض، إلى مجتمعات بدائية، لا تتوانى عن اتخاذ أي سبيل في رحلة البحث عن لقمة العيش، ولو جاءت فاتورة الحساب خالية من الكرامة الإنسانية.
 
عدة مشاهد مؤلمة شهدتها مصر في الأيام السابقة؛ عززت من صحة هذه النظريات، والتي لم يبخل الإعلام الموجه في بلورتها في اتجاه واحد وهو جلد الذات؛ عوضًا عن محاسبة المتسبب في إفقار الشعب وتجهيله.
فكيف نلوم العامل الريفي، الذي لم يجد في قريته أماكن آدمية لإخراج فضلاته البشرية بكرامة وآدمية، من التبول على تمثال لأجداده الفراعنة؟
وكيف نعاتب الجاهل الذي لم يجد أي غضاضة في استخراج تمثال رمسيس "باهظ القيمة" الذي هُتكت أبعاده ببلدوزر، وهو لم يرَ في حياته أو يفهم الأساليب الحديثة في استخراج الآثار، في حين بات مطمئنًا إلى أن الدولة لن تعيره أي اهتمام، طالما أن المهمة تمت بنجاح، بغض النظر عن نتائجها، في دولة ترى أن التعليم لا فائدة مرجوة منه.
ولعل من أبرز المشاهد المؤلمة التي بكيت أنا شخصيًا وكل من كان يشاهد معي التلفاز حينها، هي تلك العجوز التي افترشت تراب الأرض، تبكي وتبث لها حزنها بصوت نحيب كالأطفال، لعلها تكون أكثر رقة من القلوب التي تحجرت، تبكي الحياة التي ضنت عليها حتى بكسرة الخبز، بفعل اعتياد رؤية مشاهد الموت اليومية، ولغياب العدل والاقتصاص من الظالم.
في ذات التوقيت الذي أخرج فيه طارق عامر لسانه إلى المصريين، وذهب ليقضي شهر العسل في ألمانيا، تاركًا من ولى عليهم يتساءلون فيما بينهم عن الكيفية العبقرية التي سيتكفل بها مبلغ 300 دولار شهري "هو حد السحب الدولاري الشهري من بطاقات اللائمان المصرفية"، من تغطية مصاريف إقامته وتنقلاته على أقل تقدير، وقد تحول الزواج لملايين الشباب إلى مجرد حلم، في ظل الارتفاعات الرهيبة في الأسعار التي نجمت عن تعويم سعر الصرف.
أما على الصعيد الأمني، فما استخدم من أدوات قمعية رحب بها مؤسسو  العلوم السياسية لبسط الأمن على ربوع الوطن، لم يجد نفعًا، بل واستخدم فشل الدولة في توفير الشيء الوحيد الذي وعدت به مقابل تحمل نقص الغذاء والدواء والحياة القاسية وهو الأمن، في التعلل بترك حقوق الإنسان، بل والانتشاء من ضياع حقوق الأقلية والتلويح بها مقابل إغلاق هذا الملف الكريه الذي تبغضه كل الأنظمة السلطوية.
 
إذًا المحصلة أضاعت هرم ماسلو من قمته إلى قاعه، ولم يبقَ للمصريين شيء يتمسكون به، غير تبرير عجزهم وقلة حيلتهم، بلجوئهم إلى حيلة من حيل الدفاع النفسي الشهير، إلا وهي جلد الذات وطأطأة الرءوس عن الحقيقة الوحيدة الباقية.
"من يتخلى عن حريته من أجل تحقيق الأمن فهو لا يستحق حرية ولا يستحق أمنًا". "بنيامين فرانكلين"

 

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • شروق

    06:32 ص
  • فجر

    05:05

  • شروق

    06:32

  • ظهر

    11:46

  • عصر

    14:39

  • مغرب

    16:59

  • عشاء

    18:29

من الى