السبت 31 أكتوبر 2020
توقيت مصر 05:36 ص
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

ADS
 

في الصحافة والحياة..

ماذا بعد السلام الخليجي الإسرائيلي؟

 
يغريني استكشاف ماذا حصل خلال دقيقة أو دقيقتين على الطاولة التي شهدت توقيع اتفاقي السلام بين كل من الإمارات والبحرين وبين إسرائيل. ماذا كان يسأل عبدالله بن زايد عندما مال بالاتفاقية نحو نتيناهو قبل أن يشير ترامب الجالس بينهما إلى موضع في الوثيقة وهو ما فعله نتيناهو معه ثم مع عبداللطيف الزياني وزير الخارجية البحريني.
نقلت كاميرات السي إن إن فقط المشهد دون أن نسمع الصوت، كما نقلت مشهد صعود ترامب درجات السلم جنبا إلى جنب نتنياهو وخلفهما بن زايد والزياني.
فضول الصحفيين لم تشبعه إجابة في الإعلام الأمريكي الذي وصف ما حصل بأنه اختراق، لكن التخيل وحده جعلهم يظنون أن بن زايد يسأل عن موضع توقيعه وهو ما أشار إليه ترامب ونتيناهو. أما ماذا قال ترامب لنتنياهو في سيرهما المنفرد فذلك لم تجد به قريحة التخيل.
دقيقتان لا أكثر تبينان الفدادين الشاسعة بين توقيع السادات ومناحم بيجن على اتفاقية كامب ديفيد وبين التوقيع الأخير.
السادات كان يمشي كزعيم عظيم بجانب  الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ورئيس الوزراء الإسرائيلي بيجن. ما قام به صنع تاريخا جديدا بين القوة العسكرية الأكبر في العالم العربي وبين إسرائيل، انسحبت بموجبه الأخيرة من سيناء التي تزيد مرة ونصفا عن مساحة فلسطين. كان تتويجا لحرب انتصر فيها السادات كاسرا الغرور الإسرائيلي.
اتفاق السلام المصري مثل نهاية للحروب النظامية ضد إسرائيل، فبدون مصر يستحيل على أي دولة عربية أن تحارب، غير أنها دولة مواجهة رئيسية مع سوريا وأحيانا الأردن منذ تأسيس إسرائيل إلى حرب 73.
كان الفريق الدبلوماسي المرافق للسادات على أعلى درجة من المناورة والوعي. تحدث بيجن فيما بعد عن شراستهم في المفاوضات وقدرتهم على الظفر بما يريدون. لقد توصلوا إلى بنود اتفاقية كامب ديفيد بعد مفاوضات صعبة، وعندما وقع السادات كان حافظا ما سيوقع عليه ناهيك عن الموضع الذي سيضع عليه توقيعه.
السلام الخليجي الإسرائيلي جاء مختلفا، فدول الخليج ليست دول مواجهة من الصف الأول أو حتى الثالث، ولم تخض حروبا مباشرة ضد إسرائيل. لم تقدم تضحيات ولم تخسر أرضا، بل اغتنت من حرب 73 عندما ارتفعت أسعار النفط.
التوقيع الخليجي يؤذن بدخول فكرة الشرق الأوسط الجديد التي أطلقها شيمون بيريز مرحلة التنفيذ.
لم يكن هناك تطبيع مصري إسرائيلي حقيقي عقب توقيع اتفاقية الكامب، بل ظلت إسرائيل هي العدو الأول والأكبر في الوجدان الشعبي والثقافي والإعلامي.
التطبيع الخليجي مختلف. سيمضي سريعا جدا على أكثر من صعيد كما رأينا في اتفاقية موانئ دبي مع إسرائيل والحديث عن تسيير خط ملاحي لنقل البضائع إلى ميناء إيلات والعكس، واتفاقية بورصتا الألماس الإماراتية الإسرائيلية.
ستكون هناك اتفاقيات أمنية وتكنولوجية واجتماعية واقتصادية. القاطرة ستستقلها دول خليجية أخرى بما فيها قطر ودول عربية من خارج الخليج.
ما فكرت فيه إدارة ترامب حول الشرق الأوسط الجديد هو ما يحدث الآن. استبدال إسرائيل بإيران كعدو، ووضع إسرائيل كقوة صديقة وحليفة في المنطقة وقد يصبح لها قواعد عسكرية في المستقبل.
تزامنا مع ذلك ستنسحب الحماية الأمريكية ويتضاءل الاهتمام الغربي مع تضاؤل أهمية النفط والاعتماد على الطاقة البديلة.
القربان الذي سيقدم للفلسطينيين لن يكون بالضرورة حل الدولتين، وإنما توفير فرص عمل جيدة في الخليج وتيسيرات للفلسطينيين في الدخول والخروج والاستثمار والمناطق الحرة.
المجتمعات الخليجية لا تحمل مشاعر عدائية لإسرائيل لأنها كما أسلفت لم تخض ضدها حروبا مباشرة ولم تخسر شيئا، وبالتالي سنرى اندماجا سريعا مع المجتمع الإسرائيلي. زيارات وسياحة متبادلة وبرامج تعليمية وثقافية ورياضية مشتركة.
أقصى ما يمكن الوصول إليه بشأن المسجد الأقصى هو السماح للمسلمين بزيارته والصلاة فيه كما جاء في الاتفاقيةين.
تغيير استراتيجي خارق كانت ستصل إليه عجلة التاريخ حتما، وقد استشفت عبقرية السادات ذلك قبل أكثر من 4 عقود فاستعاد سيناء باتفاقية كامب ديفيد وكان سيستحيل ذلك لو سبقنا القطار إلى اللحظة الراهنة.