• الإثنين 24 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر12:10 ص
بحث متقدم

أخشى أن نأكل الماء!

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم ابراهيم سلامة

في عالم القراءة.. لا تظن أنها المتعة الحقيقية لمن يهوونها، فللأسف تجر عليهم هذه الهواية أحيانًا بعضًا من الآلام والأمغاص والأوجاع والسطور المؤرقة.
 وكان مما مر علي وأتعبني وأصابني بالهم الثقيل، صورة مؤلمة للشعب المصري الذي هو شعبي، ووطنه وطني، أيام الحرب العالمية الأولى التي اكتوى الجميع بنارها، وعلى رأسهم مصر حيث صدرت لها الفقر والجوع والغلاء، وأنهكت شعبها بالبؤس والضنك والحرمان والتقشف، فصار ضحاياها من الجوع في مصر، لا يقلون عن ضحاياها في الميدان، حيث يروي الراوي حينما أرسله والده يوما إلى النجار في تلك الأيام البئيسة، ليجري بعض الاصلاحات في بيتهم، وهو غلام صغير، فلما ذهب إليه وجده جالسا في أهله يأكلون، وكانوا ستة أشخاص قد تحلقوا حول قصعة سوداء فيها كومة من فتات الخبز إدامه الماء، تتسابق أيديهم إليه في نهم كأنما يخشى كل واحد أن تعود يده إلى القصعة بعد فوات الأوان فلا يجد اللقمة الثانية..!
ثم يكمل الراوي فيقول: هكذا كان يعيش نصف الشعب في تلك الأيام السود، مما فعل الغلاء والقحط، لأن أقوات الشعب قد حملت إلى الميدان لتخزن في دار المؤن وقتًا ما ثم تقذفها من بعد قنابل المحاربين رمادًا في الهواء.!
وأما هذه النص المؤلم، لا أعرف لماذا سرت في جسدي خشية كبيرة، وصرت كاللص الذي يتلفت حول نفسه يمينًا وشمالا، يخشى أن يعثر على هذا النص أفاق من المنافقين، الذين يطالبوننا ليل نهار أن نصبر على الجوع، ويحثوننا على التجرد والتقشف، ويلزموننا الحجة قائلين بملء فيهم: انظروا للمصرين قديمًا انظروا لأجدادكم، كيف كانوا رجالا أبطالا وقت المحن؟! كانوا يأكلون الماء بدلا من الطعام، وتحملوا وصبروا بينما أنتم جازعون نافرون غاضبون.. اصبروا كما صبر آباؤكم وكلوا الماء، حتى نتجاوز محنتنا ونتخطى آلامنا وعثراتنا، ويصر هؤلاء الأغبياء أن يتجاهلوا الفرق بين ذلك القوت الذي كان يذهب إلى الميدان، وقوت اليوم الذي يذهب إلى جيوب اللصوص الفاسدين.! ألا إن معارك الميدان تنتهي وتكتفي، بينما جيوب الجشعين الطامعين لا تشبع ولا تكتفي.
يالله.. كانوا ستة يلتفون حول قصعة لا تمتلئ باللحم والإدام، وإنما تمتلئ بالماء الذي يغمسونه فيه خبزهم ويتسابقون عليه.. يا لها من صورة مرعبة دهمت هذا الوطن في يوم من الأيام، وأخشى لو صرنا فيما نحن فيه من الغلاء والفقر أن يأتي ذلك اليوم الذي يكون فيه الماء هو الإدام الذي نلتف حوله.
لا شك أن الأمانة حينما تسود، يتبعها الغنى والعز والسؤدد، وحينما تسود الخيانة لا يتبعها ولا تجلب على أصحابها سوى الفقر والجوع والخراب.. وأسفاه على مصر حينما نرثي تاريخها وماضيها، الذي يتنكر اليوم لحاضرها، حينما كانت كما قال فيها ابن الكندي نقلا عن أبى العلاء المصرى:"وأجمع أهل المعرفة على أن أهل الدنيا مضطرون إلى مصر يسافرون إليها، ويطلبون الرزق بها، وأهلها لا يطلبون الرزق من غيرها، ولا يسافرون إلى بلد سواها، وحتى لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا، لغنى أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا". 
إنني أحب الماء، ولا أحيا إلا بالماء، ولكني أخاف منها كثيرا وأخاف أن أبغضها لو صارت في يوم من الأيام طعامي وإدامي.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:26 ص
  • فجر

    04:26

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:54

  • عشاء

    19:24

من الى