• الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر11:01 م
بحث متقدم

"الأردوغانية" .. كيف جنى العسكر على الدولة التركية (5/13)

مقالات

العام 1970 ، وفي ظل فوران المجتمع وانكشاف أحشائه على نزعات جديدة ، يسارية ودينية وكردية وقومية ، شهد حالة فريدة ، عندما أعلن البروفيسور نجم الدين أربكان ، عضو البرلمان عن مدينة "قونيه" عصب التيار المحافظ في تركيا ، عن تأسيس حزب "إسلامي" باسم "حزب النظام الوطني" ، وكان تحديا كبيرا في ذلك الوقت ، وبعد تسعة أشهر أصدر قائد الجيش الجنرال "محسن باتور" تحذيرا ، فانعقدت المحكمة الدستورية ـ التي يملك الجيش سطورة كبيرة عليها ويشارك في عضويتها أيضا ـ وقررت حل الحزب .
بعد عامين تقريبا أعاد "أربكان" الكرة ، وأسس "حزب السلامة الوطني" ، ثم شارك في أول انتخابات بعد تأسيسه ، ليحقق فوزا مفاجئا وإن كان غير كبير بحوالي خمسين مقعدا ، لكنها كانت كافية لكي يدخل حكومة ائتلافية بالمشاركة مع "حزب الشعب الجمهوري" عام 1974 ، وكان ذلك حدثا فريدا ، أن تتشكل الحكومة من ضدين عقائديين ، وهو ما جعل هذا الائتلاف لا يعيش طويلا ، ولم تكمل تلك الحكومة عاما واحدا ، غير أن نجم "أربكان" كان قد برز بوضوح ، وشغل الشارع ، حتى بعد خروجه من الحكومة فقد قدم حزبه مشروع قانون إلى البرلمان في صيف عام 1980 يدعو الحكومة التركية إلى قطع علاقاتها مع إسرائيل، وأتبع ذلك مباشرة بتنظيم مظاهرة ضخمة ضد القرار الإسرائيلي بضم مدينة القدس، كانت المظاهرة من أضخم ما شهدته تركيا في تاريخها المعاصر، الأمر الذي اعتبر استفتاء على شعبية الإسلام السياسي بزعامة أربكان .
بعد أيام قليلة من تلك المظاهرة الضخمة ، وفي صباح 12 أيلول \ سبتمبر عام 1980 قاد الجنرال "كنعان ايفرين" رئيس أركان الجيش انقلابا عسكريا ـ هو الثالث في تركيا ـ وهو الأكثر دموية في تاريخ البلاد قتل فيه عشرات الآلاف ، واعتقل نحو 650 ألفا، وأخضع 230 ألفا منهم لمحاكم عسكرية، بينما هرب عشرات الآلاف من تركيا ، وتولى "ايفرين" الحكم بنفسه ، وقرر حل البرلمان والأحزاب السياسية، ونصّب نفسه رئيسا للبلاد في 7 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1982، وألغى الحريات المدنية وأي ضمانات لحقوق الإنسان، وتعرض في عهده الآلاف من كل التيارات والتوجهات الأيديولوجية والسياسة للتعذيب والقتل في السجون بسبب معتقداتهم السياسية ، وقد سجن "أربكان" ثلاث سنوات ، كما صدر قرار بحل حزبه الجديد .
بعد عام من تنصيب "ايفرين" نفسه رئيسا للبلاد ، عادت الحياة السياسية للحركة التدريجية ، في تلك الأثناء أسس الأكاديمي والسياسي المغمور وقتها "تورجوت أوزال" حزب الوطن الأم عام 1983، وأوزال كان أحد أعضاء حزب السلامة الإسلامي الذي أسسه أربكان ووقع عليه الانقلاب الثاني ، انفصل عن أربكان وأسس حزبه الجديد ، وكانت وجهته الأساسية هو علاج شرخ "الهوية" ، الذي عصف بتركيا ووجودها ، فكان "أوزال" يتقدم بوصفه المقرب من الصوفيين ، ومن الإسلاميين ، وفي نفس الوقت يعلن تمسكه بعلمانية الدولة وميراث مصطفى كمال ، والمفاجأة أنه في أول انتخابات خاضها الحزب حقق فوزا كبيرا ومفاجئا ، أتاح له تشكيل الحكومة منفردا في العام 1983 ، وفي الانتخابات التالية نجح أيضا باكتساح في العام 1987 ، وتولى "أوزال" رئاسة الحكومة الجديدة ، بينما كان قائد الانقلاب "كنعنان ايفرين" رئيسا للدولة ، وفي العام 1991 مع نهاية ولايته كرئيس للوزراء تولي رئاسة الجمهورية ، وشهد عصر "أوزال" تناميا واضحا للتيارات الإسلامية ، التي يبدو أن أجواء الحرية الجديدة أتاحت لها حيوية العمل والاندماج في المجتمع الجديد ، فظهرت لهم صحف ومجلات ومراكز أبحاث وقنوات تليفزيونية ، وبدأ المجتمع يستعيد ميراثه التاريخي بهدوء وتدرج وانتشرت المدارس الدينية ، وللمرة الأولى يظهر رئيس الوزراء في صلاة الجمعة وكان حدثا فريدا ، كما ظهر في احتفالات الصوفيين بالمولد النبوي ، وظهر في عهد "أوزال" تحسن اقتصادي واضح ، ورغم أن حزب الشعب الجمهوري ورموز العلمانية المتشددة في تركيا هاجموه كثيرا وحرضوا عليه ، إلا أن العسكر لم يتدخلوا بسهولة هذه المرة ، ربما بسبب مرارة تجاربهم السابقة ، كما أن حرب أفغانستان ورغبة الولايات المتحدة ـ زعيمة حلف الأطلنطي ـ في عدم الصدام مع التيارات الإسلامية في المنطقة ، ربما ساعد "أوزال" أو حماه من الانقلابات العسكرية في تلك المرحلة .
وفي ربيع 1993 توفي "تورجوت أوزال" بصورة مفاجئة وغامضة ، قيل أنها أزمة قلبية ، ثم تسربت معلومات بعد ذلك تتحدث عن "تسميمه" بفعل فاعل ، أو بمعنى آخر إزاحته من السلطة بدون الحاجة إلى الانقلاب هذه المرة ، وفي حوار تليفزيوني مع نجله بث مؤخرا قال أن والده كان قد لمح في نهايات فترة ولايته بروز نجم وحماسة سياسي جديد اسمه "رجب طيب أردوغان" كان عضوا في حزب أربكان ، وأن "أوزال" عرض على "أردوغان" أن يأتي مديرا لمكتب رئيس الوزراء ، إلا أن "أردوغان" رفض العرض احتراما لولائه لنجم الدين أربكان .


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:23 ص
  • فجر

    04:22

  • شروق

    05:46

  • ظهر

    11:54

  • عصر

    15:23

  • مغرب

    18:02

  • عشاء

    19:32

من الى