• الخميس 15 نوفمبر 2018
  • بتوقيت مصر01:45 ص
بحث متقدم

أوهام التضحية بجيل

مقالات

ورثنا _ من أسف _ من أدبيات ثورة يوليو 1952 وهمًا عريضًا، وأسطورة خرافية لا وجود لها فى واقع التاريخ الإنسانى، لكن لها وجود متمكن فى أذهان بعض الناس في مصر منذ الخمسينيات من القرن الماضى، أو فى أدبيات الخطاب الإعلامى _ منذ عقود _ أعنى العبارة المثيرة للاستفزاز: ".. يتعين التضحية بهذا الجيل، أو بعدة أجيال، لتتمكن الأجيال القادمة من الأحفاد من العيش برفاهية وكرامة!"، وهى عبارة (ناصرية أساسًا!) مغرقة فى التعسف و"المكارثية" والادعاء ( الإعلامى)، ولم تعرفها دولة واحدة نجحت اقتصاديًا وتنمويًا. 
ولا تمثل هذه العبارة الهلامية، فى ميزان الرؤية العادلة الموضوعية، سوى "محض أوهام"! فالناس لا يأتون بـ"سلطة" _ أيًا ما كان توجهها السياسى والإيديولوجى، أو برامجها الإصلاحية _ لتزهق أنفاسهم من الجوع والعطش والأزمات المعيشية الضارية المتوحشة القاصمة للظهور، بأمنية أن تكون "حياة الأبناء والأحفاد" أفضل! قد يصدق هذا فى الحروب _ دون شك _ لأن تجربة المعركة العسكرية لدى الأمم والشعوب، تقتضى أن يتصدر جيل بسلاحه صفوف المواجهة ضد الخصوم المتربصين على الحدود، ومن ثم يضحى هذا الجيل فعليًا بالأرواح والمال والأيام السعيدة الرغيدة، كما فعل الروس مثلًا فى مواجهتهم مع النازى، لينعم الأبناء بأرض نظيفة مطهرة من دنس العدو وتخريبه وتهديده، التضحية بجيل فى هذه الحال أمر "مشروع"، ولا شائبة فيه ولا بديل عنه. 
لكن العمل الاقتصادى والتنموى شيء آخر غير الحروب العسكرية بين الدول، فمهارة "العملية الإصلاحية الاقتصادية" _ خصوصًا فى حالة وجود الأزمات المالية الخطيرة_  تقتضى إحداث التوازن بين "الإجراء الإصلاحى الاقتصادى" المتبع للتصدى لأزمات الخزانة والسلع والموازنة العامة وعمليات القروض، وبين "الضريبة" أو "الكلفة" أو "الثمن" الذي يتعين على الشعب دفعه وتحمله  للوصول إلى هذه المحطة الإصلاحية المفترضة! فمقبول أن يتحمل أي شعب كلفة الإصلاح، شريطة أن يتقاسم الجميع _ أكرر "الجميع"! _ أعباء الإصلاح دون تمييز أو محاباة، ولكن ليس مقبولًا هرس الناس تحت عجلات الأزمات، دون رحمة، ليصبح أحفادهم مؤهلين للرفاهية، فهذا وهم كبير، ومن يضمن، في هذه الحالة، ألا تتسبب أزمات المجتمع الاقتصادية الرهيبة، وفي صدارتها التطاحن الأهلي والانقسامات المجتمعية الخطيرة والقلاقل المفتتة لوحدة المجتمع بسبب الغلاء وتدني المستوى المعيشي والانفجار الفوضوي لهبات الشارع  الصارخة من الألم و الجوع، أقول من يضمن في هذه الحالة أن نسلم لأبنائنا وأحفادنا "مجتمعًا متعايشًا" قابلًا للاستمرار بعد أن طحنته هذه الضفيرة الرهيبة من الأزمات وتمكن منه _ فى العمق _ الحقد الطبقى الأسود؟! وبوضوح فإن الرهان الذى تجرعناه مع الموجة الأولى من ثورة يوليو كان "كذبًا ثقيلًا" لم يصدق فى تاريخنا المصرى مرة واحدة! والحاصل أن أجيالًا كانت تضحى وتنزف من الوريد، لتأتي بعدها أجيال أخرى لا ترث غير المعاناة مضاعفة، والنزيف مميتًا!.
وتحتفظ لنا لقطات ثورة يوليو بلقطة شهيرة للرئيس الراحل "أنور السادات" وهو يقف إلى جوار زميله في التجربة الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر"، ويقرأ من ورقة، حيث يشير _ في مجاملة فجة لـ"ناصر" _ إلى أن الجيل الحالي يتعين أن يضحي _ دون أية حقوق تقريبًا _ ليعيش الجيل اللاحق مرفوع الرأس، وبالفعل ضحى الجيل من لقمة خبزه وحريته وكرامته، ليتلقف المصريون _ من الأجيال اللاحقة تحديدًا _ كارثة الهزيمة في الخامس من يونيو 1967، فلا الجيل الحاضر تنفس ولا الجيل اللاحق نعم أو سعد بأية منجزات!.
فى هذه الأيام، يعاد تدوير العبارة نفسها بالتأكيد على فكرة "التضحية بجيل أو جيلين"، لتعيش الأجيال القادمة فى رفاهية، وهى عبارة تخاصم علم الاقتصاد، وتضاد لحركة التاريخ الإنسانى، فالإصلاح الاقتصادي الدافع إلى مستقبل متوهج لأية أمة، هو الإصلاح ذو "الكلفة المعقولة المتوازنة" التى تراعى "الحد الأدنى" من مطالب الجماهير الاجتماعية والاقتصادية فلا تضع رقاب الناس تحت تروس العجلة دون تحسب لآلامهم. 


وهو الإصلاح نفسه الذى تتوزع فيه أعباء الإصلاح على الطبقات والفئات المختلفة، ويستقل بالحصة الكبيرة من الأعباء "القادرون" أساسًا.


في أدبيات الفكر الإسلامى نماذج رائدة لهذا التوجه الإصلاحى، ذي الكلفة المتوازنة المعقولة، ففي حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم" (أبو داوود في سننه)، عقب "أبو سليمان الخطابى" فى كتابه: "معالم السنن"، بالقول: ".. معناه أنه كره إفناء أمة من الأمم، وإعدام جيل من الخلق.. فاقتلوا شرارهن (أي الكلاب) وهي السود البهم (التى تبادر بالهجوم والإيذاء) (معالم السنن ج4 ص 132 ،133)  بوضوح _ كما يظهر لنا _  كره الإسلام "إعدام جيل من الخلق _ جيل كامل! _ إذا  تعلق الأمر بـ"الكلاب"، فما بالك ببشر من لحم ودم، لهم حق الحياة والسكنى والكرامة ولقمة الخبز؟!.


وفى "الغنية" _ عن مالك _ أن "عمر بن الخطاب" أمير المؤمنين نزع فى السوق، من فوق ظهر حمار يحمل لبنًا (أي طوبًا لبنًا) "طوبتين" رفقًا بظهره أن يتحمل المزيد، إنها شفقة على الحمار من "الأعباء غير المحتملة" فما بالك بأناس، فرض الله لهم الكرامة والرأس المرفوعة والحياة؟!.


وفى أدبيات السياسة الحديثة يحكى المؤرخون عن السياسى البريطانى الشهير "ونستون تشرشل"، أن نجاحاته المتنوعة فى الحياة السياسية، كانت _ فيما يحكى _ مأخوذة من نصح والده "اللورد راندولف تشرشل" له: "لا داعى مطلقًا _ إلا للضرورة _ لأن تضيف لأعباء الشعب عبئًا جديدًا!.." آن الأوان لأن تنتهى من حياتنا خرافة "التضحية بجيل" من أجل الأجيال القادمة _ وقد رددها "مبارك" نفسه كثيرًا _ فللجيل الحاضر حقوق اجتماعية واقتصادية مقدسة فى أعناقنا، لا تسقطها أية مبررات أو حسابات!.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من المسؤول عن خسارة الأهلي للقب الأفريقي؟

  • فجر

    05:01 ص
  • فجر

    05:01

  • شروق

    06:27

  • ظهر

    11:44

  • عصر

    14:41

  • مغرب

    17:02

  • عشاء

    18:32

من الى