• الإثنين 24 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر01:03 م
بحث متقدم

معارك الحجاب.. المغزى والأهداف!

مقالات

فجأة تجددت معركة الحجاب فى الفترة الأخيرة وزحفت إلى قلب المشهد المصرى العام بقوة وجلبة ضخمة، على أثر قيام الممثلة المعتزلة "حلا شيحة"، بخلع حجابها بصورة مفاجئة، واستعادة حضورها للمشهد العام مجددًا، مع ما صاحب ذلك من زفات ومواكب مفتعلة، تعمد كثيرون من الإعلاميين تضخيمها لتصبح "فقاعة هواء" كبيرة، تغطى على ما سواها من المستجدات والأزمات، وهنا بيت القصيد، فقد تدحرج "حجاب حلا المنزوع" _ ككرة الثلج _ ليغطى على مبادرة السفير معصوم مرزوق، وتوالى الأزمات الاقتصادية التى وصلت بالدين الخارجى _ بحسب بعض التقديرات _ إلى ثمانية وثمانين مليار دولار! فضلًا عن ضفيرة متلاحمة محكمة من الأزمات السياسية والاقتصادية البالغة الخطورة، التى سعى بعض الإعلاميين إلى إخفائها وسترها _ من باب الحجب والتعمية _ بـ"غطاء الرأس" أو "حجاب حلا شيحة" سيد المشهد الآن! وقاد كورال التضبيب والحجب والتعمية، بنشاط ملحوظ الكاتب والسيناريست "محمد الغيطى"، الذى اندفع من خلال الشاشات بـ"كلام غير مسئول" يمس الإسلام والزى ويزايد على قضية "حجاب حلا شيحة" المنزوع، بضوضاء غوغائية "متعمدة"، حيث كانت الفرصة سانحة لإثارة الضباب على أزمات المشهد الهيكلية وتصدعاته الخطيرة، وفقًا للنظرية الشعبية الخالدة: "بص العصفورة"!.
أستطيع أن أحصى لك على هذه المساحة _ بمجرد إيراد العناوين العامة _ ما يشارف خمسمائة عنوان عريض لأزمات خطيرة يمر بها الوطن المصرى، بصورة حرجة غير مسبوقة، وهى فى التصور الأخير، أكثر أهمية من ارتداء هذه المرأة أو تلك للحجاب، أو نزعه والتطويح به، فالإسلام العظيم _ خاتم الأديان _ لن يزيد بهاؤه قبسًا من ضوء أن ترتدى "شخصية عامة" الحجاب، ولن ينقص من ضيائه المتوهج المشع، خيط ضوء صغير، حين تقرر هذه الشخصية العامة أن تنزع الحجاب، فى فضاء مفتعل من زفة مصطنعة، لا هدف لها إلا "الإلهاء والتشتيت" وحرف مسارات الضوء عن قضايا المصريين الحالة / الضرورية التى شارفت سن الخطر، أو عانقت _ فى حقيقة الحال _ الخطر الحقيقى.
لم تكن "حلا شيحة" فى السابق (داعية) يذيب أمامها المريدون مناديلهم بدموع العظة، ولم تدع لنفسها ذلك فى أى موقف من المواقف، كما أنها لم تكن "الإسلام الصحيح الكامل" _ بصورة احتكارية _ لنصدر إلى المشهد العام هذه الأطنان من الإحباط، لمجرد قرارها أن تعاود دخول "بلاتوهات" السينما، أو تمثيل مزيد من الأدوار فى سباق الدراما التليفزيونية دون حجاب، ولم يكن يعنينا أن تخلع "الحجاب" أو تطوح به من النافذة، ولكنها هى التى لفتت الأنظار بـ"قنبلة صوت" حينما أرادت أن تنزع الحجاب وتظهر بصورتها الجديدة "النيولوك" أمام الكاميرات، بـ"شو" إعلامى ضخم متعمد و(مقصود) من باب لفت أنظار المنتجين السينمائيين إلى حضورها الجديد بعد أن انقطعت عنهم أحد عشر عامًا! كما أن مساحات صحفية مضت _ بمسلك الصحافة الصفراء _ فى المزايدة والرقص الإكروباتى فى فرح العمدة، كصحيفة "اليوم السابع" التى بادر محررها بفرض صورته "الباسمة" _ بافتعال _ أمام أعيننا إلى جوار "حلا شيحة" _ دون حجاب _ وكأنها "العائدة" من ممالك طالبان وداعش إلى أحضان الاستنارة والرقى اللذين يمثلهما المشهد المصرى الآن، فيما يعرف القاصى والداني داخل مصر وخارجها، أن المشهد الآن فى مصر أبعد ما يكون عن الاستنارة أو الرقى أو التسامح أو الحريات، وأن تقارير المنظمات الأممية الكبيرة تقول عن الشأن المصرى كلامًا آخر شديد الإحراج، وأن أكثر من يشاركون فى زفة الحجاب المنزوع وكأنهم "جون لوك" أو أنبياء الاستنارة، كانوا منذ فترة قريبة يرقصون بابتذال على جثمان الحريات، وقضايا العدالة الاجتماعية التى خذلوها عند كل منعطف وزقاق!.
وقد تكون "حلا شيحة" امرأة نقية السريرة، فياضة بالخير، فلسنا منقبين فى الضمائر، ولا مفتشين فى النيات ولا يحق لنا ذلك، لكن تسطيح الإعلام المصرى المفتوح كالصنبور المنفلت، أراد أن يقول لنا الآن بوضوح، وبحصص إعلامية زاعقة  موسعة "ممنهجة"،  إن "غير المحجبات" أكثر إخلاصًا، وأوفر نقاءً، وأقرب إلى الله من المتخفيات خلف "غطاء الرأس"، وهن يخفين الحقد الأسود، والشر الشيطانى، والنية المبيتة لتدمير العالم! وهذه رسالة "سياسية" _ فى جوهرها _ مفعمة بالحقد الموتور، ملتحمة بتعقيدات المشهد المصرى وأزماته المتجذرة العميقة، رسالة قائمة على التضليل وإرباك الأوراق لخدمة "سردية" محددة ودعوى مطروحة لجناح فاعل داخل الإدارة المصرية، تبهجه هذه المعزوفة، ويشجيه هذا اللحن!.
لا أعرف عن "حلا شيحة" إلا أخبار مشاركتها فى عدد محدود من الأفلام والمسلسلات أو تقاسمها دور البطولة مع آخرين، ومن ثم فقرار ارتداء حجابها، أو نزعه، مسلك فى الزى يخصها فى دائرة فردية محدودة كان يتعين أن تبقى فى نطاقها ولا  تتعداها لتصبح شأنًا عامًا، يهم ملايين المصريين، الذين "يضربون" فعليًا فى الخلاط دون رحمة! لا أعرف حلا شيحة إلا فى هذا الإطار، لكننى أعرف المفكرة الكندية العظيمة "كاثرين بولوك"، التى اعتنقت الإسلام مؤخرًا وارتدت الحجاب _ فى صمت دون ضوضاء _  وردت على عشرات حملات الإسلاموفوبيا فى "تورنتو" بقوة وصلابة ونبل و"ثبات" (أركز على قيمة الثبات فى مواجهة محيط اجتماعى ضاغط)، وقد سجلت مواقفها المشرفة فى كتابها الممتع: "نظرة الغرب إلى الحجاب"/ دراسة ميدانية موضوعية" (ترجمة د/ شكرى مجاهد/ مكتبة العبيكان 2011 الرياض ط 1) وحصدت "كاثرين" _ بحجابها ومؤلفاتها معًا _ إعجاب الملايين فى كندا وخارجها، فباتت أيقونة للعفة والاعتداد بالكرامة وقوة المعتقد الشخصى فى غير تشنج.
لا أعرف "حلا شيحة" إلا فى هذا النطاق الضيق، لكننى أعرف المستشرقة الألمانية العظيمة الراحلة "زيجريد هونكة" (1913 _ 1999)، التى ربطت فى كتبها عمومًا بين الفكرة الإسلامية، وخلق العفة والتسامح، وخصوصًا فى كتابيها: "الله ليس كذلك" و"قوافل عربية فى رحاب القيصر"، ورأت فى "الحجاب الإسلامى" صورة حضارية نابضة بالعفة، ممانعة للابتذال، غير ما يرى "إعلام العار" و"قنوات الدفع الرباعى"، التى سممت كل الأجواء.


حديث الغيطى ورفاقه فى موضوع حجاب "حلا" وسجالاته ومناقشاته الساخنة، كشف فى واقع الحال عن حالة التطرف العلمانى/ اللالكائى المتشنج المتنامى فى مصر، بما يجاوز حدود الأمان، (أكرر التطرف اللادينى لا التطرف الدينى) وإذا كان "الغيطى" _ صاحب أسطورة أسر قائد الجيش الأمريكى الشهيرة _ يرى أن "حلا" _ بخلعها الحجاب _ تعود من "التطرف" إلى "الاعتدال"، بما يعنى أن الحجاب كلمة تساوى التطرف، وأن نزعه كلمة تساوى الاعتدال، فإن حديث الغيطى _ بهذا المنطق الفج المتحدى لعقائد ملايين ومشاعرهم _ يبقى مؤشرًا كاشفًا على تطرف العلمانية المصرية المتصاعدة، القائمة على الإقصاء والبتر وتأميم الرؤى الأخرى، وهو مرض مستفحل لم ننتبه بعد لآثاره الكارثية القادمة! الإسلام المصرى يا سادة متين البنيان، أمتن من أن يهزه نزع حجاب هنا أو هناك، وأعظم من أن نختصره فى سيرة رجل أو امرأة، كما أننا لم نبلغ بعد من السذاجة، أن نلتقم الطعم ونبتلعه، فنتحدث عن "حجاب فنانة"، بينما سفينة الوطن تجنح، بجنون، نحو عين العاصفة!.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • عصر

    03:19 م
  • فجر

    04:26

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:54

  • عشاء

    19:24

من الى