• الإثنين 24 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر10:53 م
بحث متقدم

فضائح الجلاء للولادة

مساحة حرة

هالة الدسوقي
هالة الدسوقي

هالة الدسوقي

يقول كبار السن "سبحان الذي يخلص روح من روح" ومع مستشفى الجلاء التعليمي للولادة قد يتحول هذا المثل إلى "سبحان الذي أنقذ روح دخلت الجلاء وخرجت دونما أن تصعد السماء ومعها وليدها".
ينقبض قلبي كلما رأيت مبنى هذه المستشفى عند تواجدي بوسط البلد، ولعلى لم ولن أنس أبداً أول يوم دخلت هذه المستشفى لزيارة جارة لنا وضعت وليدها هناك وكان ذلك منذ 14 عاماً تقريبا بالقسم المجاني.
وكانت هذه الجارة تحتاج للاستحمام بعد عملية الولادة وهو ما لم تقم به أحد العاملات بالمستشفى ولن يحدث أبداً فتوجهنا بها إلى الحمام، الذي رأيت فيه ولأول مرة في حياتي "خلية صراصير من الحجم العائلي"، فقد تجمعت تلك الحشرات المقززة على شكل خلية لتحتل أحد جدران الحمام، وكأنه لم يره أحد منذ قرون مضت، فتربت هذه الصراصير وترعرعت دون أن يقلق استمرار حياتها أحد.
تسمرت في أبعد مكان ممكن في انتظار جارتي التي صاحبتها أخرى كلاهما أكثر منى شجاعة، أما أنا فحرصت كل الحرص على ألا أصدر صوتاً يقلق هذه المستعمرة فتهاجمني دون هوادة.
أما الآن فالأمر مختلف تماماً فالصراصير استبدلت بعقارب وحيات بشرية لا تخدم المريضة نُزعت من قلوبها الرحمة، إلا قليلاً، فيعملون على مص دم المريضة وأقاربها للخروج بأكبر فائدة ممكنة دون تعب يذكر أو معروف يقدم.
هذه الأيام .. ومنذ دخولك للمستشفى ينقبض صدرك بمظهر الجدران التي تسكنها الرطوبة ويختنق صدرك من الحرارة العالية وغياب التكييفات كلياً، وعلى المريضة التي لا تملك الأموال الدخول بالقسم المجاني وتحمل كونها كـ"فئران التجارب" فقد دخلت للسلخانة البشرية برجليها، فكافة الأطباء تحت التدريب يقومون بالكشف عليها قبل الولادة، ولا يحق لها الاعتراض وإن لم ينتهي صوتها ويختفي جراء التعذيب الذي تتعرض له فسوف تسمع ما لا يرضيها، وينتهي بها المطاف لكراهية حياتها وكونها امرأة حملت وأوشكت على الولادة.
وما يثير الحفيظة اختفاء الممرضات تماماً وقت الكشف والولادة وكأنهن أشباح لا تظهر ليلاً ولا نهاراً إلا من يعثر عليها الأطباء بطريقتهم الخاصة، وعلى المريضة أن تتعلم الاعتماد على النفس، وهي مازالت خارجة من عملية ولادة وبصحبتها وليد صغير، بينما تتحول من أشباح لحقيقة وقت أن يأتي الوالد أو من يزور المريضة ليأخذوا "الحلاوة"، ولا ينتهي طابور "الشحاتة" حتى يُعلن الأب إفلاسه، بينما يحدث هذه الأيام بعض التحايل للحصول على نقود أكثر، فظهرت نبرة "لية ولزميلتي" للخروج بأكبر مبلغ ممكن.
وقد تمل المريضة وتدعو كل من تعرفه لتجميع مصاريف القسم الخاص أو ما تطلق عليه المستشفى "القسم الاقتصادي" للهروب من نار المجاني، وهو الذي أصبح تكلفته 2000 جنية خلاف الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة لعملية الولادة والتي أصبحت على تكلفة المريضة.
ولو فكرنا نزور سوياً القسم الاقتصادي أو الخاص بمستشفى الجلاء للولادة فسوف نصطدم بالواقع المرير، الذي يؤكد أن القسم الخاص لا يختلف كثيرا عن المجاني سوى أن كل مريضتين في حجرة مستقلة، وهي الحجرات التي تغيب عنها أيضا التكييفات في هذه الأيام الشديدة الحرارة، فعلى السيدة التي تتهيأ لوضع وليدها أن تتحمل آلام الولادة وشدة الحر والهم والغم نتيجة الكشوفات التي لا تنقطع ولا تتوقف حتى في القسم الخاص.
نأتي لمسألة غاية في الأهمية ألا وهي التعقيم والنظافة، ألف باء علاج، وما سوف أصفه يحدث بالقسم الخاص، فلنا أن نتخيل أن سيدة متوجهة لغرفة العمليات لإجراء عملية ولادة قيصرية، توجهها إحدى العاملات بالمستشفى - بوجه عبوس - لغرفة غاية في القذارة لترتدي "روب" العملية، والأرواب موجودة بـ"كارتونة" على الأرض فوق بعضها البعض بشكل مقزز، خلاف أنها من أقمشة رديئة للغاية قد تصيب المريضة بالأمراض الجلدية بعد انتهائها من العملية.
أما المفاجأة التي ليس بعدها مفاجأة هي تجهيزات حجرة العمليات والتي تفتقر للتكييف أيضاً، فيستخدم الأطباء المروحة ليُجرون العمليات على هوا المروحة الكفيل بنشر الفيروسات والعدوى، ولا تتعجب كل ذلك يؤكد لك أنك "أكيد أكيد في مصر".
كل هذا الإهمال وكل هذه القذارة في القسم الخاص الذي يجمع من الأموال ما لا يعلمها إلا الله وهو الكفيل بتجهيز عشر مستشفيات خلاف هذه "المستشفى الخراب".
هذا هو ملخص أكبر مستشفى ولادة في العاصمة المصرية، في ظل منظومة إدارية فاشلة ومنظومة صحية فاشلة وغياب لكرامة البني آدم في بلد ترتفع فيه كافة الأسعار، بينما يزداد الإنسان رخصاً يوماً بعد يوم، وبالتالي نجد ما لا نجده في أي دولة على وجه الأرض إلا هنا. 
ولا ينقذ المريضة الداخلة إلى مستشفى الجلاء للولادة من بين يدي شياطين العذاب – النسخة المصرية الحديثة من ملائكة الرحمة – سوى العناية الإلهية لتبدأ رحلة علاج خاصة لها بعد الولادة على أيدى أطباء نساء وولادة آخرون يحاولون اصلاح ما افسدته مستشفى الجلاء التعليمي للولادة، و"إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ". 


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:27 ص
  • فجر

    04:26

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:54

  • عشاء

    19:24

من الى