السبت 05 ديسمبر 2020
توقيت مصر 23:50 م
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

ADS
 

ليس عارا لكنه عائق كبير..

 
يقولون أنه لولا ثلاث ما طأطأ ابن أدم رأسه: الفقر والمرض والموت ..وفى الثقافة الاسلامية ارتبط الفقر بالكفر هكذا أخبرنا الرسول الكريم حين نصحنا بالإستعاذه بالله من الكفر والفقر..وتزاوج المعانى لبعضها بعضا له دلالة لا تخطئها العين ..عين القلب والعقل لا عين الوجه ..فالذكر والشكر وحسن العبادة جمعهم الرسول الكريم مع بعض فى أهم دعاء يقال فى أهم وقت: بعد الصلاة مباشرة ..بما يعنى ان هناك ارتباط ما بين الثلاثة ..فالشكر نعمة على نعمة وزيادة على زيادة هكذا علمنا من القرآن فى سورة ابراهيم(وإذ تأذن ربكم لأن شكرتم لأزيدنكم) وجاء الشكر بين سؤالين ودعائين (الذكر وحٌسن العبادة).                                                           
ورغم ان(الصبر) له مكانته فى الفضائل والمكارم ..لكن(الشكر)أوفى منه فى السؤال والدعاء..هكذا قال وعلمنا النبى الخاتم .. وكان صلى الله عليه وسلم يحض دائما على الدعاء بالعافية والغنى لأنهم حين يعانقوا حياة الانسان الطيب.. سيكون من اهل الطاعات والخيرات والباقيات الصالحات .. المرض سيشغله بل ويغيبه عن نفسه وعن حاله  بين ألم ومعاناة وعجز .. والفقر سيجعله غارقا فى هم حاجاته وضروراته بكل ما تمثله الحاجة والضرورة من هم وغم وألم وإنكسار.. وعادة ما يصاحبه أشياء كثيرة تساويه سوء إن لم تكن أسوأ منه ..  

يقولون أن: الفقر يخرس العاقل اللبيب عن حجته !!صحيح ومن قال تلك العبارة بالغة التعبير قال أيضا أن الجبن عار..والبخل منقصة..والإثنان مرتبطان بالفقر بدرجة كبيرة.. صحيح أن هناك أغنياء جبناء وبخلاء..لكنهما مع ( الفقر)يبلغان الأفق الأقصى  للإنهيار الإنسانى. 

**** 

17 اكتوبر من كل عام هو اليوم العالمى للقضاء على الفقر..و يعود الفضل فى الاحتفال بهذا اليوم إلى الاب جوزيف فريزنسكي(1917 – 1988م) الفرنسى من أصل بولندى .. وما حدث أنه دعا لتجمع بساحة (تروكاديرو)التي وقِّع فيها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948يوم 17 كتوبر 1987 ولبى دعوته ما يقترب من مائة ألف شخص لتكريم ضحايا الفقر المدقع والعنف والجوع .. وأعلنوا يومها أن الفقر يعد أحد أسوأ وجوه انتهاك حقوق الإنسان , ودعوا إلى التضافر بغية ضمان احترام تلك الحقوق .  

وأعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة  بعدها فى (يناير 1992)أن 17 أكتوبر يوماً دوليا للقضاء على الفقر والذى قال أمينها العام (جوتيريش) ‏: فالعيش في الفقر والبؤس لا يعتبرشيئا حتميا..فنحن يمكننا محاربته والتغلب عليه كما الحال بالنسبة للعبودية والتمييزالعنصري .. وأضاف جملة فارقة فعلا وأن كنا نعلمها من فريضة الزكاة فى الاسلام قال الرجل : أن القضاء على الفقر ليس مسألة إحسان.. إنما هو مسألة عدالة..فلم يعد مقبولا في عالم بهذا المستوى المنقطع النظير من التنمية الاقتصادية والوسائل التكنولوجية والموارد المالية أن يبقى ملايين غارقين في الفقر .. ونقصد هنا الفقر باعتباره ظاهرة متعددة الأبعاد..تشمل نقص لقدرات الأساسية للعيش بكرامة. 

البنك الدولي ذكر فى تقرير أخير أن هناك  2مليار شخص في العالم يعانون من الفقر بدخل يومي 3 دولار منهم  783 مليون شخص تحت خط الفقر أي في فقر مُدقِع يعيش نصفهم فى الهند ونيجيريا و الكونغو وإثيوبيا وبنجلاديش..سنسمع من يقول أن كوكب الأرض غير قادر على إطعام ما يفوق سبعة مليارات إنسان هو ببساطة كذاب ومؤذى ويكره البشر إن لم يكن عميل لكوكب عطارد..لأن مشكلة الفقرالحقيقية في كل الأزمان والعصور والثقافات والأفكار هى مشكلة (سوء التوزيع  الثروة فى المجتمع) ..فالأرقام تفيد أن نصف طعام في العالم يلقى فى الزبالة ..الفكرة ليست الأساس بقدركيفية تطبيق الفكرة والتى لابد لها من عمق عميق فى الروح . 

**** 

القصة عندنا مختلفة اختلافا نوعيا عميقا ..لأنه يضرب فى الجذورالأساسية لنفس المؤمن فى إدراكه للحقيقة النهائية , فى أكثر العبارات يسرا :حقيقة الانسان وحياته ومصيره ..سنرى أن جميع قواعد الإسلام تنطلق من ينبوع الفطرة الإنسانية .. على فكرة كل الفلاسفة والمفكرين (من اول سقراط وسؤاله :كيف يجب أن يحيا المرء ؟ إلى شلة القرن 18 بنتام وجون ستيوارت ميل ونيتشه وسارتر وحتى اليسار الجديد فى فرنسا دولوز ودريدا وفوكو )كانت هذه هى قضيتهم القاضية قضاء قضوءا..ويمكن بعضهم مات بدون ما يعرف أى حقيقة..مثل شخص مسكين يتفلسف عن الحب لكنه عاجزعن الحب !.                                                            سنتذكر الأية الكريمة (وماذا عليهم لو أمنوا بالله واليوم الاخر ..). 

يقولون أن(القرآ ن الكريم)هو النص المؤسس الذى تكونت حوله كل دوائرالثقافة الإسلامية .. والأيات الأولى منه بعد الفاتحة تحدد بوضوح وبساطة أن من أراد الحياة فى هدى وتقوى ..عليه بثلاث  توصيات :أن يؤمن بالغيب (ما لا يستطيع العقل المحدود إدراكه) ويصلى .. وينفق مما رزقه الله ..وسنلاحظ ارتباط الصلاة بالانفاق فيما يقترب من 30 مرة فى القرآن كما قال العلماء..ويقولون أيضا : أن الصلاة هى التى تهيئك بالأساس لأن تكون إنسانا صحيحا ..ترى الاشياء كما هى .. متوازنا فى فهمك مطمئنا  فى نفسك مدركا لحياتك على نور وتمييز فى كل خطوة وحركة .. ثم تتحرك فى المجتمع انطلاقا من هذا التكوين الرشيد ..تتحرك بمالك اذا كنت من أصحاب المال .. 

**** 

سنرى أن موضوع(الإنفاق)يشغل مساحة كبيرة من الوعى الاسلامى بفكرة الأخلاق والحياة الإجتماعية ..سواء آتى الزكاة ..أو آتى المال ..أو تصدق ..أو أطعم أو .. أوقف (كما شرح لنا العلامة  د. ابراهيم البيومى غانم فى دراسته عن الوقف والأوقاف ) فى سورة البقرة ا سنقرأ تعريف البر ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون )..الأية ذكرت آتى المال (على حبه) وحددت فى ترتيب بديع  من يأخذون هذا المال و لك أن تخيل أن الأقربين على رأسهم حتى لو لم يكونوا فقراء ومساكين  لكن بدرجة أو بأخرى ظروفهم بها بعض الصعوبة..أحد الأصدقاء ساعد فى تجهيز بنت أخته ليكون جهازها مشرفا لها أمام زوجها وعائلة زوجها ويرفع رأس أخته ويسعد أمه ويبرها .. وأعتبر ذلك عبادة من أصدق عباداته .. ليس هناك أقوىمن التجربة والاختبار لإثبات صدق الأقوال..سننتبه أن (آتى الزكاة ) جاءت مستقلة عن(آتى المال) بل وبعدها .. 

**** 

سنرى أن وصف(لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)المرتبط لدينا بأولياء الله الصالحين كما ذكرت الأية الكريمة فى سورة يونس ..سنجد أن هذا الوصف ملحق بالذين (ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية )..سنجد (إقتحام العقبة ).. ودعونا نقف كثيرا عند لفظ(اقتحم) الذى يكاد  يجسد نفسه  حركة وعنفوانا ..والعقبة هى الطريق الصعب كما نعلم جميعا ..سنتهيا أكثر وأكثر إذ سنسمع قوله تعالى ( وما أدراك ما العقبة).. إطعام فى أيام صعبة (جوع ومجاعة)أو مسكين أو رعاية وتفقد يتيم ..الأية الكريمة تتحدث عن أسوأ ما يمكن أن يشعر به أدمى ..الجوع ..عار الانسانية  فى كل العصور (تقرير الفاو أكد أن هناك 820 مليون انسان يعانون من الجوع فى العالم) الرسول عليه الصلاة والسلام ينفى الإيمان عن من بات شبعانا وجاره جائع .. مما سيتمناه الإنسان الغفلان لحظة موته أنه لو كان من المتصدقين.. لحظات الموت عصيبة وثقيلة  ومما يخفف من ثقلها على الإنسان(الانفاق)كما جاء فى سورة المنافقين( وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين)  .. الجميل أيضا فى هذه المعانى أن مال الصدقة يعود لصاحبه مضاعفا من أكرم الأكرمين : (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ). 

                                                                                            

**** 

في رواية (الجوع ) للأديب  النرويجى كنوت هامسون(1859 -1952م)الحائز على نوبل عام 1920 م سنرى وصفا مؤلما لإنسان جائع.. (طانجن) الذي أمضى  ليلته وسيف الجوع يفتك بكيانه.. يعذبه بالألم المتواصل بعد أن صار له رفيقا لا يفارقه لدرجة أنه كاد يفقد عقله من الجوع ..ولأن الجوع شرس في آلامه فإنــه يضطر إلى قضم الخشب قبل أن يمضغه طويلاً لتسكين آلام الجوع ..طانجن حين ينام ويحلم فإن حلمه لا يتعدى معدة ممتلئة بالطعام .. هذه الرواية تستحق بحق وصف (ملحمة الكرامة الانسانية ) .                                            على شريعتى يحدثنا ببلاغاياته المرعبة فيسخر من انقلاب التصورات والسلوكيات الاجتماعية  فى الرعاية والتكافل فى جملة بالغة الروعة (مات جارى أمس من الجوع وفى عزاؤه ذبحوا كل الخراف).  

مجتمع تتكون ثقافته وقيمه وعباداته وتواصيه وتوصياته من هذه المعانى والأفكار ..أيكون فيه جوع أو فقر ؟.