الخميس 26 نوفمبر 2020
توقيت مصر 09:41 ص
المصريون
رئيس مجلس الإدارة و رئيس التحرير

جمال سلطان

ADS
 

ماكرون السادس عشر

 
أصبحت مهيئا مع أي خطاب للرئيس الفرنسي ماكرون ألا أستمع لخطاب حداثي يبين للعالم أنه لم تعد هناك تفرقة عنصرية ، وأن شعوب الأرض ينبغي أن تتمتع  بكافة الحقوق الإنسانية ، وأن الرجل الأبيض والرجل  الأسود ينتميان إلى عالم تسوده قيم العدالة  والمساواة. أصبحت الآن مهيئا للاستماع إلى رجل قادم من سراديب التاريخ وحفريات القرون الوسطى وعصور الظلام ، فهو وإن كان يرتدي ذلك المعطف الأنيق، فإن رأسه مازال محشوا  بالأفكار البالية والمصطلحات القديمة التي تتخذ من الآخر موقفا عدائيا واستعلائيا . وليس الأمر كما يروج بعض الكتاب والمفكرين بأنه موقف من الإسلاميين الراديكاليين ، وأنهم لو كانوا أكثر تحضرا  وتقدما ، لكان خطابه مختلفا ، فالموقف الغربي من نبي الإسلام لا علاقة له بالحالة الحضارية للأمة الإسلامية ، بل هو موقف من النبي ذاته بعيدا عن الظرف التاريخي ، وهو موقف قديم  منذ التصادم الأول بين الإمبراطورية البيزنطية والدولة الإسلامية ، حتى اعتبره البعض ، أي نبي الإسلام  (مسيحيا مهرطقا) خارجا عن تعاليم المسيح ، وأن الإسلام هو مجرد هرطقة مسيحية . لكن هذا الموقف العدائي من النبي صلى الله عليه وسلم بدأ يتطور مع الوقت ويتخذ مناحي أخرى تتسم بنوع من التهكم ، ومنها ما خطه دانتي أليجيري  Dante Alighieriفي الكوميديا الإلهية Divine Comedy،  وفي أناشيد رونالد ، وما ذكره فولتيرVoltaire  في بعض مسرحياته ، ومنها مسرحية التعصب  le fanatismeعلى الرغم من تراجعه عن ذلك في مراحل متأخرة من حياته . وفي الجانب المقابل ، فإن هناك الكثير من الكتابات الغربية لكبار المفكرين الغربيين التي تعاملت مع النبي بحب وإكبار ، ومنها كتابات لامارتين وفيكتور هيجو وجوته وغيرهم . وبعد انتهاء الحقبة الاستعمارية ، ومع التطور التكنولوجي ، وتزايد أعداد المهاجرين إلى أوروبا و المتحولين إلى الإسلام ، أصبح المسلمون يشكلون جزءا من النسيج المجتمعي بتنوع اتجاهاتهم من الراديكالية المتشددة إلى العلمانية المتحررة . وقد كنا نتصور أن هذا التعدد الثقافي هو مظهر حضاري من مظاهر الحضارة الغربية الحديثة  والعلمانية الغربية التي لا تهتم كثيرا بالشكل الديني  بقدر اهتمامها بالمنتج العلمي و التكنولوجي ، لكننا كنا نفاجأ من وقت لآخر بمحاولات تحرش علمانية بالآخر المغاير ثقافيا ، وقد كانت حادثة البوركيني الشهيرة على شواطئ مدينة نيس الفرنسية عام 2016، عندما أجبرت شرطة فرنسا امرأة مسلمة ترتدي البوركيني على خلع ملابسها ، كانت حادثة لافتة للنظر في دولة تتباهى بعلمانيتها . ومع بروز تيارات و أحزاب اليمين المتطرف ،وبعض الكتابات التي تحذر من الغزو الناعم للثقافة العربية والإسلامية للقارة الأوروبية حتى أطلق البعض على أوروبا " يورابيا" مثل الكاتبة اليهودية بيت يؤور ، وتحذيرها من تلاشي الهوية الغربية في مقابل الثقافة الإسلامية ، كانت هناك ردود أفعال متشنجة  تجاه التحول (الناعم ) في الثقافة الغربية حتى أعيد طرح سؤال الهوية مرة أخرى في المجتمعات الغربية ، وعلى الرغم من أن إثارة تلك القضية على المستوى الجمعي أمر مشروع ، فإنه بدلا من مراجعة ملامح ومرتكزات وأدبيات  العلمانية الغربية ، نطالب نحن –المسلمين- بمراجعة ثوابتنا الدينية ، كي نقبل إهانة الرموز والمقدسات الإسلامية بدعوى تجديد الخطاب الديني ، ولا يحاول هؤلاء أن يجددوا خطابهم العلماني مع تلك التحولات الثقافية و الأيدلوجية  الجديدة التي يشهدها العالم . ولم تجد العلمانية الغربية (المزيفة) حلا لأزمتها إلا استدعاء خطاب القرون الوسطى و محاكم التفتيش . لقد أصبح خطاب ماكرون شبيها بما كان يقوله الحكام و الملوك المتعصبون  وقادة الحملات الصليبية من أمثال لويس التاسع في مواجهة الإسلام. لكنني أود في النهاية أن ألفت النظر إلى الخلفية السيكولوجية وراء الموقف الغربي المتشنج ، حيث إن وهم استعلاء العقل الغربي على الآخر الثقافي ، ذلك الوهم المغروس في العقلية الغربية بدأ يتهاوى أمام هزيمته الثقافية الناعمة في عقر داره ، وهو الأمر الذي يجعله يتصرف بهذه الطريقة المتشنجة  والتي لن تؤدي إلى شيء إلا مزيد من التراجع الثقافي أمام المد الإسلامي ، مما يفرض عليه أحد خيارين لا ثالث لهما : إما القبول بالأمر الواقع أو المواجهة ، ويبدو أنه اختار المواجهة بقيادة ماكرون السادس عشر .