معامل تحاليل «بير السلم» تغتال المرضى

معامل تحاليل «بير السلم» تغتال المرضى
 
تحقيق- تهانى عبد السلام:
الجمعة, 09 أكتوير 2015 21:36

التشخيص الخاطئ يهدد 49 مليون مريض فى 1700 مستشفى حكومى وخاص

 

-        1825 من معامل التحاليل غير مرخصة.. وأهالى 1200 منطقة عشوائية و5 آلاف قرية الأكثر تضررًا

-        البيطريون والزراعيون وفنيون يديرون معامل «بير السلم».. وكيميائيو المعامل المركزية بالإسكندرية يدشنون حملة للتطهير

-        الجامعات المصرية تخرّج سنويًا 4 آلاف أخصائي.. ومتوسط إنشاء المعمل لا يتخطى 11 ألف جنيه

-        خبراء يطالبون بـ «شرطة متخصصة» لمراقبة 180 ألف منشأة طبية ومركز متخصص بوزارة الصحة لإصدار التراخيص

 

"حسبى الله ونعم الوكيل فيكوا.. أجيلكوا ماشى على رجلى سليم.. عاوزين تخرجونى على ضهرى عاجز.. هتقطعوا إيدى كمان".. عبارات باكية خرجت من فم عم محمود الذى جلس على مقعد خشبى أمام غرفة الأشعة ينتظر دوره لإجراء أشعة "الدوبليكس" أو "الدوبلر الملون" للاطمئنان على الأوعية الدموية.

 

جلس العم محمود، الذى لم يتخط الستين بعامين ينظر إلى الأرض، اكتسى شعره الشيب، يرتدى جلبابًا أبيض اللون، ويغطى رأسه شال أبيض شفاف، يمسك بإحدى يديه ملفه وأوراقه وتحاليله، أما اليد الأخرى فقد تغير لونها إلى اللون الأزرق القاتم المائل إلى الحمرة الداكنة.

اقتربت من العم محمود واضعة يدى على كتفيه مستفسرة عن الأسباب التى جعلته يقول ذلك، فرفع عينين ذائغتين قائلاً: "جيت مستشفى النيل عشان قريبة من سكنى لإزالة خراج فى ضهري.. كانوا هيجيبولى جلطة فى دراعي.. تحاليلهم كلها بايظة".

رفع العم محمود يده لأرى مجموعة من التجمعات الدموية أسفل الجلد، غطت تلك التجمعات جميع تكوينات الذراع من أعلى وأسفل الكتف مرورًا بالعضد حتى الزند ومفصل الكف، وظهر تأثيره على إصبع الإبهام، ووسط تلك التجمعات الزرقاء بعض البقع الحمراء نتيجة استخدام حقن العلاج.

 

لكن كيف حدث هذا؟ وما علاقة التحليل الخاطئ؟ ولماذا استخدم هذه النوعية من التحاليل فى فتح "خراج"؟، قال العم محمود: "أنا مريض قلب، قمت باجراء عدة جراحات لتغيير الشرايين والصمامات فى معهد القلب منذ عام 2001، كما قمت بتركيب جهاز ثلاثى لتنظيم ضربات القلب وصاعق فى نفس الوقت"، مبينًا أن تلك الجراحات جعلت ضغط الدم فى الأوردة والشرايين يحتاج إلى نسبة محددة لا تتعدى 2 إلى 3 كمعدل لسرعة الترسيب.

وأضاف العم محمود: قبل عيد الأضحى اضطررت للمجيء إلى مستشفى النيل بمدينة شبرا لإجراء جراحة اليوم الواحد لإزالة "خراج"، وقرر أطباء الطوارئ حجزى فى قسم الجراحة، وعندما أبلغتهم أننى مريض بحالة مختلفة لأننى أعانى من نسبة سيولة مرتفعة تصل إلى 3 درجات، لم يهتموا ورفض مدير المستشفى دخولى الرعاية المركزة، مشيرًا إلى أن ممرضات قسم الجراحة قاموا بمنحى أدوية ترفع من نسبة السيولة كـ"الماريفان" و"الكالكسان"، مما أدى إلى ارتفاع نسبة درجة السيولة فجأة إلى 4.9 درجة.

 

اعتدل العم محمود ليمسح عرقه الذى تصبب على وجنتيه قائلاً: "وفى اليوم الثانى جاءت الممرضة لتحصل على عينة دم، دون أن تعلم أن تحاليل سرعة الترسيب صحيحة أم لا، وبمجرد أن غرست الإبرة حدث تسرب دموى أدى إلى حدوث تجمعات دموية كادت أن تؤدى إلى تجلطات فى الأوردة والشرايين.

 

"مقدرش أجزم أن التحليل الأولانى خرج بشكل سليم.. أكيد أحد التحليلين فيه خطأ ما".. بتلك الكلمات أكد الدكتور حمزة، مسئول الطوارئ ونائب مدير مستشفى النيل، استحالة أن يتم رفع نسبة ترسيب الدم درجتين فى أقل من 12 ساعة فقط، وأن هذا دليل على أن هناك تحليلاً به خطأ يمكن أن ينتج عنه أى خطورة محتملة.

 

بير السلم

"معامل التحاليل.. البيزنس سابقًا.. مشروع تجارى يمكن أن يقتل المرضى المصريين".. هكذا وصف خبراء وأطباء التحاليل فى مصر، مبينين أن الكثير من معامل التحاليل يديرها غير المتخصصين من البيطريين والزراعيين والفنيين أصحاب خبرات متواضعة، ويمارسون عملهم داخل معامل تفتقر لأدنى معايير الجودة، وتحتوى على أجهزة طبية متهالكة مشكوك فى صحة ما يخرج عنها من نتائج.

 

ومع انتشار مواقع الإنترنت المشبوهة التى تتحدث عن العلوم الطبية والصيدلية، ظهرت بعض الأسماء الغريبة التى تقدم خدمة دراسات الجدوى لكل من يرغب فى إنشاء معامل تحاليل صغيرة تحت "بير السلم"، بل ووضعت قائمة بأسعار بعض الأجهزة التى يحتاجها أى معمل صغير بعيدًا عن أى معايير أو رقابة، بتكاليف تصل إلى حوالى 11 ألف جنيه فقط.

 

وزارة الصحة فى دراسة شاملة تعد الأولى من نوعها للدكتور حسام عبد الرحمن شحاتة، مدير عام الباثولوجيا الإكلينيكية بالمعامل المركزية لوزارة الصحة, أكدت أن عدد معامل التحاليل الطبية المنفردة التابعة للقطاع الخاص يقدر بنحو 7512, فيما يبلغ عدد المرخص منها 6952, أى أن هناك ما يقرب من 560 معملاً مجهول الهوية، موضحة أن هناك عددًا غير معلوم من معامل التحاليل الخاصة لم تتقدم بطلب لاستصدار تراخيص.

 

وقالت الدراسة إن معامل التحاليل الحكومية بلغ عددها طبقًا لآخر إحصاء بنحو 1323 معملاً فيما يبلغ عدد الخاص حوالى 8777، أى أن مصر بها 10100 معمل تحليل، أى أن المعامل الحكومية تبلغ حوالى 13% فقط، وهو وضع معكوس إذا ما قورن بدولة مثل اليابان، حيث تقلص عدد المنشآت الصحية الخاصة فى اليابان من 1173 عام 2002 حتى وصل إلى 476 منشأة فقط عام 2008.

 

وكشفت الدراسة أن مستوى مكافحة العدوى بالمعامل الخاصة لا يكاد يبلغ 10%، مما يهدد بانتشار الأمراض الخطيرة، وتكلف الدولة أموالاً طائلة، ويؤثر سلبًا على الاقتصاد القومي, كما أن نحو 72% يحتاجون لإجراء تحاليل بشكل متكرر, و40% يشتكون من الأسعار المرهقة, واعترف نحو 36% بوجود معاناة فى تحديد جهة ذات جودة وأسعار مناسبة, وأعرب نحو 76% من المواطنين عن تضررهم من أسعار التحاليل الطبية, وهو ما يمكن تفسيره بالتنافس غير المبرر للقطاع الخاص لتحقيق أرباح على حساب المواطنين وقصور الدور الحكومي, فيما اعترف نحو48% من أفراد العينة بأنهم يبقى لديهم مقدار من الشك فى نتيجة التحليل, وفيما يتعلق بقياس نسبة الرضا عن خدمة التحاليل الطبية فى مصر, فقد أكد 84% أنها متوسطة، فيما قال 4% إنها سيئة للغاية.

 

الكارثة التى كشفتها الدراسة أن معامل بير السلم تؤدى إلى تشخيص خاطئ يهدد 49 مليون مريض يترددون على ما يقرب من 1700 مستشفى حكومى وخاص طبقًا لإحصاء وزارة الصحة، وأن أغلب تلك المعامل لا تتعامل سوى مع الفقراء فى أكثر من 1200 منطقة عشوائية و5 آلاف قرية هى الأكثر تضررًا من تلك الفوضى، مما دفع عددًا كبيرًا من كيميائى المعامل المركزية بمحافظة الإسكندرية إلى تدشين  أول حملة لتطهير تلك المعامل من غير المتخصصين.

 

ثغرات قانونية

"60 عامًا من العمل بالقانون المنظم لمعامل التحاليل دون فائدة".. فقد خرج القانون رقم 367 لسنة سنة 54، وطيلة تلك الفترة لم يستطع أن يفرق بين الكيميائى والصيدلى والطبيب، على الرغم من أنها حق مكتسب للكيميائيين، إلا أن هذا القانون فتح الباب أمام خريجى كليات الطب البيطرى والصيدلة والعلوم والزراعة للعمل فى مجال التحاليل الطبية الكيميائية أو البكتريولوجية، بشرط حصولهم على دبلومة لمدة عام, أو دبلومتين إذا أراد العمل فى التخصصين المذكورين, فى حين يسمح القانون ذاته, لخريجى كلية الطب البشرى الحاصلين على الماجستير فى تخصص الكلينيكال باثولوجى للعمل فى مجال التحاليل الكيميائية أو البكتريولوجية, وفى مجال الباثولوجى بعد الحصول على ماجستير فى ذات التخصص، وفى حالة الأطباء البشريين الحاصلين على درجة الماجستير يتم إصدار ترخيص مزاولة المهنة لهم خلال شهر أو شهرين, أما غير الأطباء من خريجى كليات الطب البيطرى والصيدلة والعلوم والزراعة ممن سمح لهم القانون بمزاولة المهنة, فيحصلون على الترخيص بعد اللجوء إلى القضاء, وبشرط العمل تحت إشراف طبيب بشري.

 

بلا وظيفة

"متخصصو معامل التحاليل ليسوا قلة فى السوق المصرية".. فالجامعات المصرية لها أقسام محددة تقدم للسوق المصرية سنويًا 3950 متخصصًا، فجامعة الإسكندرية بها قسم للبيوكمسترى فى كلية العلوم تقوم بتخريج 700 أخصائي، وجامعة دمياط بها نفس القسم ويتخرج فيها 200 متخصص، وكلية علوم شبين الكوم تقوم بتخريج 700 متخصص فى نفس العلوم، بالإضافة إلى 50 أخصائيًا متخصصًا فى علوم الميكروبيولجي، وكلية طب البيطرى بمشتهر تقدم ما لا يقل عن 1000 متخصص فى علوم البيوكمستري، وفى جامعة المنصورة قسم آخر للميكروبيولجى يقدم 50 متخصصًا، وآخر لعلوم البكتيريولجى يخرج سنويًا 50 متخصصًا، وفى الزقازيق قسمين للميكروبيولجى والبيوكمسترى يقوم بتخريج 300 أخصائى سنويًا، وفى الإسماعيلية قسم خاص بعلوم البيوفسيولوجى يخرج 800 أخصائي، بالإضافة إلى 50 آخرين فى علوم الميكروبيولوجي، وأخيرًا جامعة بنها التى تقدم 50 أخصائى تحاليل سنويًا.

 

وطبقًا للإحصاءات الرسمية فإن مصر بها 8777 معمل تحاليل طبية، بينها حوالى 1825 معملاً غير مرخص، أى حوالى 6952 معملاً لكل 13 ألف مصري، وهذا يعنى أن 20% من المعامل غير مرخصة أغلبها فى العشوائيات والقرى الأكثر فقرًا، حيث تنمو المعامل بمعدل يصل إلى 200 معمل سنويًا، ويتم إغلاق 87 معملاً كل سنة، إما لعدم وجود الطبيب المختص صاحب التراخيص أو لمزاولة نشاط غير مسموح به أى أن يكون الترخيص مخصصًا لتحاليل الكيمياء الحيوية الطبية، ويقوم صاحب المعمل بعمل تحاليل "باثولوجية إكلينيكية" أو "ميكروبيولوجية"، لذلك أطلق 35 كيميائيًا بالمعامل المركزية بالإسكندرية حملة لطرد غير الأطباء الذين سمح لهم القانون رقم 367 لعام 1954 بالعمل فى مجال التحاليل لمجرد أنهم حاصلون على ماجستير أو دكتوراه فى مجالات صيدلة أو طب بيطرى أو زراعة أو علوم.

 

وقد أكد الدكتور صابر غنيم، رئيس لجنة التراخيص بوزارة الصحة، أنه تم فى الفترة الأخيرة رصد العديد من المخالفات لمعامل التحاليل، التى عجز عن التفتيش عليها وعُوقب أصحابها بسبب الانفلات الأمني، مبينًا أن العديد من أصحاب المعامل المرخصة وغير المرخصة استغلوا حالة الانفلات الأمنى وقاموا بمنعه من الرقابة على معاملهم.

 

وطالب غنيم بضرورة تشكيل "شرطة المنشآت الصحية" لمراقبة أكثر من 180 ألف منشأة طبية عدد المعامل فيها يزيد عن 8 آلاف معمل، تمثل عبئًا على لجنة التراخيص بوزارة الصحة بعددها المحدود، ويتطلب مساندة من قبل الجهاز الأمنى، وهو ما كان يحدث فى الماضى، ولكن بعد الثورة، وفى ظل انشغال الجهاز الأمنى بالأحداث الجارية أصبح يجد صعوبة فى المطالبة بتعاون الجهاز الأمنى.

 

وأوضح أن إدارة التراخيص تستقبل شهريًا من 100 إلى 150 شكوى ويتم التحقيق فى الشكوى عن طريق المفتشين بالإدارة خلال يوم أو اثنين وغالبًا ما يتم حل المشكلة دون تدخل الحملات من الوزارة، مشيرًا إلى بعض الشكاوى المستعجلة والتى تستوجب التدخل سريعًا واتخاذ إجراءات تصل إلى حد غلق المنشأة.

 

من ناحية أخرى، أكد الدكتور حسام عبد الغفار، المتحدث باسم وزير الصحة السابق، استحالة السماح أو التصريح بإنشاء معامل تحاليل طبية لغير المتخصصين، وأن الوزارة لم تمنح غير المتخصصين أى تصاريح، مشيرًا إلى أنه جار دراسة إمكانية السماح لخريجى كليات العلوم بالعمل فى معامل التحاليل الطبية تحت إشراف أطباء الباثولوجيا الإكلينيكية وليس بفتح معامل مستقلة أو إدارتها حتى فى المستشفيات وأن هذه الدراسة تتم لصالح هذه الفئات والمصلحة العامة ولم يتم اتخاذ قرار نهائى أو إلغاء أى قرار سابق بشأن هذا الموضوع.

 

وعن التضارب فى التقارير النهائية لمعامل التحاليل، قال الدكتور حسام إن هذا التضارب منطقى باعتباره رأيًا شخصيًا ولاختلاف الرنين فى المجال الباثولوجي، لذلك ينصح بمرور هذا التقرير على أكثر من طبيب، موضحًا فى الوقت نفسه أن الأطباء الصغار غير مؤهلين، خاصة أن الجامعات المصرية تخرج ما يقرب من 4 آلاف متخصص فى التحاليل لهم الحق فى فتح معمل شخصى لهم، وأن التحاليل المطبقة فى مصر تصل إلى 10 أنواع مختلفة وتحتاج إلى كوادر مؤهلة.

 

أما أيمن رابح، رئيس الجمعية المصرية للإهمال الطبي، فأكد تفشى ظاهرة الإهمال الطبى وفوضى معامل التحاليل، وأنه رغم ذلك لم تخرج أى إحصائية أو دراسة عن تلك الظاهرة، مبينًا عدم وجود أى قانون رادع وأن قانون العقوبات المصرى فضفاض، مشيرًا فى الوقت نفسه إلى المادة 238 من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 بـأن يعاقب كل من تسبب فى الموت الخطأ بالحبس سنة أو غرامة 200 جنيه أو كليهما، فى حين عاقبت المادة 244 من نفس القانون فى حالة الإصابة الخطأ مدة لا تزيد على سنة وغرامة 200 جنيه.

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus