«مثلث الشيطان» وراء الاختفاء القسري من التحرير إلى رابعة!

«مثلث الشيطان» وراء الاختفاء القسري من التحرير إلى رابعة!
 
إيمان يحيى
الخميس, 01 أكتوير 2015 16:15

ـ ضباط سيناء المفقودون في أحداث يناير.. أين هم؟

ـ جهات أمنية تمنع إشهار جمعيات أهلية ترصد حالات الاختفاء وتبحث فيها

ـ العائدون بعد الاختفاء يرفضون التحدث.. ومصادر تؤكد تعرضهم للتعذيب

ـ بلاغات أمام القضاء الإداري ضد وزارة الداخلية تتهمها بـ «القرار السلبي»

ـ أشرف شحاتة.. برادعاوي من كرداسة اختفى بعد مكالمة تليفون

ـ خالد حافظ.. شاهدته زوجته مصابًا على الشاشة وسيارة إسعاف اختطفته من «رابعة»

ـ محمد صديق عضو «الكرامة» المفقود في يناير.. ووالدته: صبّاحي خذل ابني

ـ عمر حماد.. طالب هندسة ومغني راب قادته إنسانيته إلى الاختفاء داخل مدرعة

 

 

هذا الملف.. هو أكثر الملفات تعقيدًا في سلسلة القضايا الشائكة والأزمات التي تعيشها مصر بعد حضور شعبها بقوة على الساحة السياسية خلال ثورة 25 يناير وما تبعها من أحداث، فالتفاصيل البائسة التي يتضمنها وحكايات الفقد الحزينة التي يرويها لنا أصحابها مع افتقارنا للأدلة المادية والمستندات الموثقة أو حتى مواقف رسمية واضحة ومنطقية بشأنه تجعله أشبه بمنطقة ملغومة للباحث فيه، وتجعل مصر "بلد الأمن والأمان" أقرب إلى "مثلث برمودا" المعروف كذلك بمثلث الشيطان والواقع في المحيط الأطلسي.. وكأن الطبيعة وحدها وراء حالات الاختفاء القسري المتزايدة والتي لا تعترف بها الدولة أو تقدم أية إجابات واضحة بشأنها.

نشرت "المصريون" ملفًا كاملاً من صفحتين عن قضية الاختفاء القسري في أعقاب ثورة 25 يناير، رصدت خلاله حالات معقدة وروايات لأهالي المفقودين فيها، كما سلطت الضوء على أزمة العائدين وإصرارهم على الصمت وعدم البوح بأي تفاصيل بشأن فترة اختفائهم، ننشر الآن تحديثًا للملف نفسه بعد مرور أعوام شهدت فيها البلاد أحداثًا جسيمة كان الفقد والاختفاء فيها أحد المصائر التي لاقاها المشاركون فيها أو الذين قادهم قدرهم إليها دون ذنب.

تروي الدكتورة حنان زوجة المحاسب "خالد حافظ" لـ"المصريون" أنها شاهدته لآخر مرة على شاشة التليفزيون وقت بث أحداث "المنصة" على إحدى القنوات الفضائية وهو مصاب بطلق ناري فقامت بالاتصال به على هاتفه ليجيبها شخص ما كان برفقته وأكد لها إصابته ونقله إلى خارج المستشفى الميداني للاعتصام عن طريق سيارة الإسعاف.

تقول الزوجة إنها انتقلت إلى مكان الاعتصام على الفور وتوجهت إلى المستشفى الميداني مباشرة لتسأل المسئولين فيه عن توثيق الحالات، لكنها لم تستطع الحصول على أية معلومات تفيدها بتحركاته ومكان تواجده الحالي حيث أفادها الأطباء هناك بأنهم لم يستطيعوا تسجيل الأسماء وتوثيق الحالات في هذه الفترة لما شهدته من أحداث دموية مربكة ومتتالية، إلا أنها استطاعت العثور على الطبيبة التي شاهدتها في الفيديو مع زوجها المصاب والتي أكدت لها أن حالته كانت خطيرة وأنه تم خروجه في سيارة الإسعاف لعمل جراحة عاجلة ولا يمكن أن يكون قد تم تسليمه إلى قسم شرطة أو احتجازه دون إسعافه أولا.

وبعد اللجوء إلى طرق كثيرة رسمية وغير رسمية، تقول الدكتورة حنان أنها عرفت عن طريق وسائط بالمخابرات ووزارة الداخلية بوجود زوجها داخل سجن "العزولي" وذلك بعد إيداعه مستشفى سجن طرة وإجراء العملية له دون تسجيل اسمه في الكشوف هنا أو هناك، لكنها تأكدت من خلال بعض المعتقلين هناك أنهم رأوه وسمعوا اسمه، وهو ما أكده كذلك بعض الضباط الذين طلبوا عدم الإلحاح عليهم لمعرفة المزيد، بينما تضيف أنها قامت بزيارة "العزولي" بعد ذلك وعلمت هناك أنه تم نقل المحتجزين المدنيين إلى مكان آخر غير معلوم حتى الآن.

والدة (عمر حماد) طالب الهندسة في جامعة الأزهر تقول إن ولدها لم يكن معتصمًا في رابعة، ولكنه تواجد هناك مع شقيقته مصادفة وقت فض الاعتصام بالقوة لمعرفة نتيجة الامتحانات وكانت شقيقته تنتظره عند باب الجامعة الواقعة في محيط الاعتصام، فإذا بها تشهد بداية عملية الفض وقد علت أصوات سيارات الشرطة ومكبرات الصوت بالإضافة إلى صوت طلقات متكررة وطائرات عسكرية تحلق في سماء المنطقة وروائح الغاز تلف المكان وهي تبحث عن شقيقها دون أثر.

عادت شقيقة عمر إلى منزلها بأعجوبة كما تروي الوالدة، وفي واحدة من محاولات الأسرة الاتصال به على هاتفه أجاب على شقيقه وأبلغه أنه بخير واستطاع القفز من سور الجامعة إلا أنه وجد نفسه داخل مقر الاعتصام وسط مصابين وقتلى وأنه يقوم بمحاولة مساعدة الجرحى ونقلهم إلى المستشفى الميداني لإسعافهم، ثم اختفى عمر.. لم يجب على هاتفه ثانية أو يعد للبيت.

وبدأت الأسرة منذ هذه اللحظة الرحلة الشاقة المستمرة للبحث عن عمر دون جدوى، فقد اتصلت الأسرة بأصدقائه الذين أكدوا أنهم رأوه في محيط الاعتصام يساعد الجرحى وينقل جثث القتلى، ثم رأوه مصابًا بطلق ناري في كتفه خلال نقله إلى مدرعة تابعة للجيش بالقوة، وتؤكد والدة عمر أنها انتقلت مع عدد من أسر المفقودين إلى محكمة الجلاء بالإسماعيلية وأطلعوا ضباطًا ومعتقلين يحاكمون هناك عسكريا على صور لعمر وآخرين وأكد عدد كبير منهم أنهم يرونه في العزولي ويسمعون اسمه في "التمام الصباحي"، إلا أنها تلقت معلومة أخيرة تقول إنه تم نقله من هناك إلى سجن المخابرات العامة في طريق مصر إسكندرية الصحراوي الكيلو 78 وهو ما تسعى الآن للتأكد منه.

وتقول والدة عمر: لماذا نتعرض إلى كل هذا العذاب؟.. لماذا يؤخذ ابني مني بهذه القسوة واللا مبالاة بمستقبله.. ليس لابني أي انتماء سياسي وهو مغني راب وحارس مرمى الناشئين في نادي الزمالك ولم يقم بأي فعل يستحق أن يعاقب بسببه بهذه القسوة.

 

القصة الأغرب خلال بحث حالات الاختفاء القسري المعقدة في العامين السابقين كانت على لسان "مها المكاوي" العضو النشط في حزب الدستور وزوجة "أشرف شحاتة" المحامي والعضو المؤسس بالحزب نفسه، تقول مها إن زوجها اختفى في منتصف يناير من العام الماضي بعدما تلقى اتصالا هاتفيا وأجابه بينما هو يتجه إلى الشارع خارجا من محيط المدرسة الخاصة التي يمتلكانها، مشيرة إلى أنه اعتاد أن يتحرك جيئة وذهابا وهو يتحدث في الهاتف، لكنه هذه المرة اختفى تماما ولم يعد.

تحكي "مها" أن تليفونات أشرف أغلقت فور خروجه من المدرسة للتحدث في الهاتف، فقد حاولت وجميع الأصدقاء والأقارب الاتصال به بعد تأخره وعدم عودته، إلا أن خطيه ( موبينيل وفودافون) كانا قد أغلقا ولم يستطع أحد الوصول إليه، قامت مها بحسب روايتها باتخاذ كل الإجراءات القانونية والرسمية للإبلاغ عن تغيب واختفاء زوجها في وزارة الداخلية ولدى النائب العام دون جدوى، فالوزارة تتجاهلها وبلاغها للنائب العام لم يتحرك أحد بشأنه، إلا أن أحد المسئولين في الوزارة أبلغها بشكل ودي أن "أشرف" بخير وأنها "مسألة تحريات" فقط وسيعود قريبا إلى بيته.

وتضيف أنها حاولت معرفة جهة الاتصال الأخيرة بزوجها لعلها تصل إلى أي معلومة تفيدها بشأن العثور عليه، فتقدمت بطلب تفاصيل المكالمات الأخيرة له في الشركتين ( موبينيل وفودافون) واستطاعت بالفعل الحصول عليها من شبكة فودافون بينما امتنعت "موبينيل" عن إعطائها أي تفاصيل خاصة بمكالمات زوجها دون مبرر، كما رفضت إخضاع الرقم والهاتف لخاصية "التتبع" كذلك ما دفعها إلى عمل مذكرة في الشركة وقدمتها للنيابة دون جدوى.

 

تحرص مها يوميًا على الكتابة في صفحة زوجها على "فيسبوك" وإبلاغه بكل ما تتعرض له هي والأولاد في صندوق رسائله الخاص وهي تشعر يقينا أنه سيعود يوما ليقرأ ويعرف كل شيء، كما تحرص على نشر صور قديمة تبين جذور العائلة وامتدادها لصلات عائلية وعلاقات شخصية تربط أفرادها بالرئيس الراحل السادات وعائلته لتؤكد وطنيتها هي وزوجها وعائلتيهما والتي بدأ التشكيك فيها لمجرد أنهما يسكنان في "كرداسة" المعروف عنها الآن أنها معقل جماعة الإخوان المسلمين. وعن ذلك تقول "مها": ليس كل أهالي كرداسة من الإخوان، وهناك كثيرين تم القبض عليهم في قضايا إرهاب وعنف وهم لا يمتون لها بصلة، وأنا وزوجي أوضح مثال على هذا، فنحن أعضاء في حزب الدستور ومعروف عن زوجي أنه من المعجبين للغاية بالدكتور "محمد البرادعي" ومن أشد المعارضين لجماعة الإخوان، كما كنا من أشد المؤيدين لثورة 30 يونيو وقمنا بتوزيع منشورات وملصقات تدعو للمشاركة فيها في قلب "ناهيا" ولم نخش أحد.

أما حالات الاختفاء القسري التي وقعت خلال أحداث ثورة يناير 2011، فلا جديد فيها يسر، بل إن الأمر يزداد تعقيدا وغموضا.. وقلوب الأهالي تزداد وجعا وقلقا على الأبناء والأشقاء والأزواج الذين خرجوا للمشاركة في حدث شعبي عظيم أو لقضاء حاجة للمنزل في محيط الأحداث ففقدوا ولم يعودوا إلى ذويهم، فلا الكشف عن "العزولي" كان كافيا لفتح الملف ومراجعة تقرير تقصي الحقائق في أحداث الثورة، ولا تسريبات "الجارديان" الخاصة به أحرجت أحدا، ولا عودة الجيش إلى الحكم بعد عزل "مرسي" أعادت جنوده "المختطفين" في سيناء، بل إنها فرضت على زوجاتهم صمتا غريبا لا يتناسب مع الضجة الكبيرة التي ملأت القنوات الفضائية والصحف وقتها باتهام جماعة الإخوان المسلمين والحركة الفلسطينية "حماس" باختطاف الجنود وإخفائهم!!

ترفض "دعاء رشاد" زوجة الرائد محمد الجوهري المفقود في سيناء خلال أحداث ثورة يناير محاولاتنا لنشر أي حديث معها ينقل تطورات القضية، إلا أن المفهوم لدينا من ذلك أنه لم يعد الحديث عن ذلك للرأي العام مقبولا لأسباب قد تكون أمنية أو سياسية.. إلا أنها لن تغير في النهاية أنه لا نتيجة ولا جديد يسرّ.

أما "أم محمد صديق".. الأم المكلومة التي تورمت قدماها خلال البحث عن ابنها الوحيد وعائل أسرتها، والذي فقد في أحداث جمعة الغضب، فأكدت لنا أنها لم تكف للحظة عن البحث ولم تفقد الأمل رغم الإحباطات الشديدة والتصورات المؤلمة التي تتعرض لها خلال ذلك، إلا أنها لم تجد من تحمله مسئولية اختفاء ابنها سوى "حمدين صباحي" المرشح الرئاسي ورئيس حزب الكرامة، فهو ـ بحسب تعبيرها ـ ملأ الشباب حماسة ورغبة في التغيير والمشاركة السياسية ثم خذلهم جميعا باختفائه هو شخصيا عن المشهد السياسي الحالي، وسكوته عن اختفاء واعتقال وقتل الثوار والنشطاء خلال استجابتهم ومشاركتهم السياسية كمحمد صديق.

ورغم أنه لم تنجح أي جهة حقوقية في حصر أعداد المفقودين في أحداث العنف وما بينها وحتى هذه اللحظة، إلا أنه تجدر الإشارة إلى الرقم الذي أعلنه المجلس العسكري وقت توليه إدارة شئون البلاد وكان 1200 حالة، وفي هذا الصدد يقول عبد الرحمن جاد الباحث في المفوضية المصرية لحقوق الإنسان والناشط في حملة "اوقفوا الاختفاء القسري" أن الحملة سجلت منذ إطلاقها في الثلاثين من أغسطس الماضي أكثر من 80 حالة اختفاء مبلغ عنها وغالبيتها سياسية بحسب روايات الأهالي المبلغين، وأنه تم إطلاق الحملة لإبراز مدى خطورة استمرار جريمة الإخفاء القسري وتلقى بلاغات الأهالي وتسجيل شهاداتهم والبحث معهم، مشيرًا إلى أن عدد كبير من المختفين يظهرون بعد مدة من الوقت على ذمة قضايا بعضها ملفقة كما حدث مع إسراء الطويل وصهيب وعمر وكذلك عمرو ربيع الذي اختفى 40 يوما ثم ظهر متهما في قضية أنصار بيت المقدس.

أما "حليم حنيش" المحامي بالمفوضية والموكل من قبل عدد من أسر المفقودين لاتخاذ السبل القانونية والرسمية للبحث عنهم، فيوضح أن تفاقم أزمة الاختفاء القسري يرجع لعدم وجود مادة دستورية واضحة تجرم الإخفاء القسري بشكل صريح وواضح، كما أن مصر لم توقع على الاتفاقية الدولية التي تقضي بحماية جميع الأشخاص منه، مؤكدًا أنه جار تقديم بلاغات للقضاء الإداري ضد وزارة الداخلية تحت بند القرار السلبي الذي تتخذه الوزارة بتجاهلها البلاغات المقدمة لها وعدم الرد عليها بنفي أو تأكيد.

على جانب آخر، تواجه مؤسسات المجتمع المدني صعوبة شديدة في متابعة ملف الإخفاء القسري والبحث فيه بسبب تعليمات أمنية تمنع إشهار الجمعيات والمؤسسات المعنية بالقضية، ووفقا لمصادر بوزارة التضامن الاجتماعي، فإن هناك عددًا من الجمعيات التي تقدمت بأوراق إشهارها وتم تجميدها بسبب نشاطها في البحث عن المختفين قسرا، وذلك بالمخالفة للقانون الذي يقضي بإشهار الجمعيات في مدة 60 يوما تبدي خلالها الوزارة ملاحظاتها وأسباب رفضها وإلا تصبح الجمعية مشهرة بقوة القانون.

وفي هذا الصدد يقول إيهاب راضي رئيس مؤسسة البيت العربي ومحامي رابطة ضحايا الاختفاء القسري التي تسعى لإشهار جمعية بنفس الاسم، أن موكله "إبرام لويس" مؤسس الجمعية قام بجميع الإجراءات القانونية المطلوبة لإشهار الجمعية ولكن هناك تعنت غير مفهوم من قبل الوزارة بسبب "رفض أمني" غير مبرر، موضحًا أن موقف الوزارة الحالي مخالف للقانون إذ أن قانون إنشاء الجمعيات رقم 84 لسنة 2002 لم ينص على ضرورة الحصول على موافقة أمنية للإشهار.

شاهدالصور

 

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus