الشعب والجيش .. ونصر أكتوبر العظيم

الشعب والجيش .. ونصر أكتوبر العظيم
 
جمال سلطان
الإثنين, 05 أكتوير 2015 15:18

في مثل هذا اليوم الأغر كانت مصر على موعد مع نصر أكتوبر 1973 ، وهو اليوم الذي عبرنا فيه بالفعل من الإحباط إلى الأمل ومن الهزيمة إلى النصر ومن الانكسار إلى الكرامة ، بغض النظر عن أي تطورات لاحقة للحدث الكبير أو أخطاء ، سياسيا أو عسكريا ، ملحمة العبور في حد ذاتها مدهشة وحدث تاريخي بكل المقاييس ، هكذا قرأنا حتى للدراسات العسكرية العالمية المتخصصة ، الإصرار والعزيمة والشحن المعنوي الكبير وروح الثأر التي تلبست بالمقاتل المصري يومها كانت لا تصدق ، فحقق المعجزة التي قال الجميع له أنها "معجزة" ولن يتمكن من عبور القناة أو تخطي حائط بارليف الشهير ، وخلال ست ساعات كان أبطال مصر يفاجئون العالم والعدو وهم على الضفة الأخرى من القناة يرفعون علم الوطن ويستولون على الدشم ومراكز التحكم والاتصال وآلاف الأسرى من جنود العدو الذين لم يسعفهم الوقت للهرب ، هذا يوم للتاريخ والأجيال ، لا ينبغي أن نضعه يوما ما تحت تأثير أي خلاف سياسي أو صراع مهما كان عنفه ، هذا يوم لمصر الرمز والتاريخ والإنسان والأجيال قبل أي شيئ .

هذا النصر العظيم ليس ملكا لأحد ، لا شخص ولا مؤسسة ، بل هو ملك مصر كلها ، مصر كلها ضحت من أجل تحقيق هذا النصر ، الشعب المصري عاش على الفتات وضحى بكل ما يمثل رفاهية إنسانية بريئة وافتقر إلى أبسط مقومات البنية الأساسية من طرق ومياه وصرف واتصالات وغيرها ، وأذكر أن قرية قوامها حوالي أربعين ألف إنسان لم يكن فيها سوى خط هاتف واحد يصلها بالكون ، عاش المصريون حياة الضنك والأسى راضين ومضحين من أجل "المجهود الحربي" حسب التعبير السائد وقتها ، ولذلك ليس من السديد ولا اللائق أن يتحدث رئيس الجمهورية اليوم عن تضحيات مؤسسة بذاتها ، رغم إكبارنا لها ولدورها ومهامها ، لكن أن تخص مؤسسة واحدة بأنها ضحت بكذا وكذا من أجل مصر ، فهذا ليس سياسة موفقة ، أيضا ، إن كان ولا بد من تخصيص أشخاص وقيادات بالثناء في خطاب يقدم بمناسبة هذه الذكرى الجميلة ، فالأولى أن يكونوا رجال النصر وأبطال العبور ، المشير الجمسي والفريق سعد الدين الشاذلي وأمثالهم ، والبطل الشهيد عبد المنعم رياض بطل حرب الاستنزاف الذي استشهد بين جنوده في الصف الأول ، ولا يصح أن نذكر شخصا بعينه كان قائدا للكتيبة 16 في الفرقة 16 جنوب الإسماعيلية ، ولم يكن موفقا في أدائه ، ولا نقول غير ذلك تأدبا ، وتم سحبه إلى القصاصين بعيدا عن المعارك .

دائما وأبدا ، لا تكون السياسة معيارا لتقييم الأبطال في أوطانهم ، وكثيرا ما يكون الأبطال الحقيقيون لمعارك الشرف والوطن الكبيرة ضحايا لتحولات السياسة بعد ذلك ، وهكذا كان الأمر مع اثنين من أبرز قادة وأبطال حرب أكتوبر : أحدهما عسكري والآخر مدني ، الأول هو البطل الفريق سعد الدين الشاذلي ، مهندس معركة العبور ورئيس أركان الجيش المصري وقتها ، حيث تم سجنه ـ مع الأسف ـ بعد ذلك بسبب انتقاده للتعاطي السياسي مع نتائج حرب أكتوبر ، وأما الآخر فهو القائد البطل الشيخ حافظ سلامة ، قائد المقاومة الشعبية في حرب أكتوبر ، والرجل الذي وفقه الله لإنقاذ مدينة السويس ومدخل القاهرة من اختراق الدبابات الإسرائيلية التي حاصرت المدينة ، بعد أن اضطربت القوات العسكرية في المنطقة وأعلن محافظها ـ مع الأسف ـ تسليمها للعدو ، فانتصب حافظ سلامة رافضا قرار المحافظ ودعا للجهاد من مئذنة مسجد الشهداء ، ونظم صفوف المتطوعين وبقايا الجنود والضباط في المدينة ، وخاض معارك شوارع رائعة على مدار أسابيع انتهت بانكسار العدو بعد أن خسر قرابة سبعين دبابة وعشرات القتلى والمصابين ، وقد أثنى على جهاده قادة الجيش وقتها وكتب الفريق الشاذلي مقدمة مذكراته عن حرب أكتوبر ، كما كرمه الرئيس السادات في مجلس الشعب وأمام شاشات التليفزيون ومنحه أعلى الأوسمة وعرض عليه أن يتولى محافظا للسويس فرفض وعاد إلى مزرعته ، لكن حسني مبارك قام بسجنه بعد ذلك خوفا من شعبيته بعد أن أعلن عن "المسيرة الخضراء" السلمية لدعوة الرئيس لاحترام مرجعية الأمة في الشريعة الإسلامية ، لكنه أفرج عنه بعدها بقليل .

المجد للشهداء ، والجزاء الرباني الأوفى لكل من ساهم في انتصار أمته في ذلك اليوم الأغر ، من جيش وشعب ، والفخر مستحق لجيلنا وكل الأجيال اللاحقة بذكرى هذا النصر العظيم ، وإن افترقنا بعدها واختلفنا .

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة