ناجح إبراهيم يواصل كشف أسباب حادث منى

ناجح إبراهيم يواصل كشف أسباب حادث منى
 
محمد ربيع
الجمعة, 02 أكتوير 2015 11:34

واصل الدكتور ناجح إبراهيم القيادى السابق بالجماعة الإسلامية، الأسباب الحقيقية وراء حادث "مني" الذي تسبب في سقوط مئات الضحايا من الحجاج خلال ركن رمي الجمرات، مؤكدًا أن السبب هي التشدد في الفتوى وعدم وجود فقه متجدد يناسب العصر الحالي.

وكان نص مقال "إبراهيم" في صحيفة "المصرى اليوم"، بعنوان "حادث منى.. وأزمة الفتوى والعقول":

من أراد أن يفهم أسرار الحوادث المتكررة للحجيج فى مِنى، ومنها الحادث الأخير الذى أودى بحياة قرابة 770 حاجاً، فعليه أن يتأمل ما حدث فى نفق مِنى عام 1990 التى مات فيها قرابة 1400 حاج، نتيجة التزاحم والتدافع بين الحجاج، حيث يجتمع فى النفق الذاهبون والعائدون من رمى الجمرات فى وقت الذروة.

 

وكانت فى مِنى مشكلتان، إحداهما ضيق المكان الذى يجتمع فيه عدد ضخم من الحجاج فى الطريق إلى المرمى، حيث يتقابل آلاف الحجيج الذاهبين مع العائدين منه.. فإذا تزاحموا وسقط بعضهم، خاصة الضعفاء، بدأت المأساة التى لا تنتهى إلا بموت وجرح الآلاف.. وقد حلت حكومة السعودية مشكلة المكان بعدة حلول، أهمها إنشاء ثلاثة أدوار من الكبارى المعلقة مع إضافة ثلاثة أدوار للمرمى وفصل طريق الذهاب عن طريق العودة.

 

ورغم ذلك لم تُحل المشكلة تماماً لأن مرمى الرمى قصير وينبغى للحاج أن يقترب منه بمسافة متر.. وهذا يُصعب المسألة ويزيد الزحام ويقرب الحجاج بعضهم من بعض.

 

أما مشكلة ضيق الزمان، وهى المشكلة التى لم تُحل حتى الآن، وتتمثل فى إصرار معظم الفقهاء على التمسك برأى جمهور الفقهاء القديم والذى يوجب رمى الجمرات بعد الزوال «أى بعد صلاة الظهر حتى أذان المغرب»، وهذا وقت ضيق جداً لا يسع قرابة ثلاثة أو خمسة ملايين حاج، وهو العدد الحقيقى للحجاج فى الأعوام السابقة.

 

لقد كان هذا الوقت يسع الرمى للحجيج أيام الرسول «ص»، وكان عدد الحجاج معه لا يجاوز ثمانين ألفاً.. وحجة هؤلاء الفقهاء أن الرسول «ص» رمى بعد الزوال فلابد من الرمى فى هذا الموعد.. وهؤلاء يظنون أن هذا الأمر توقيفى لا يجوز الرمى فى غيره.. وهذا خطأ للأدلة الآتية:

 

أولاً: رخّص رسول الله «ص» للرعاة أن يرموا الجمرات ليلاً حفاظاً على أغنامهم.. فهل مصلحة الأغنام والحفاظ عليها أولى من حياة الآلاف الذين سقطوا فى حوادث مِنى المتكررة؟

 

ثانياً: إذا كان شعار النبى «ص» فى حجة الوداع «افعل ولا حرج» فلماذا لا يُفعّل هذا الشعار واقعياً وعملياً.. خاصة أنه لم يُقصد به الأشياء التى سُئل عنها فقط، فهى قاعدة عامة فى اليسر والتيسير، لأن الحج فيها مشقات عظيمة تستوجب التيسير. وهل هناك ما يستوجب التيسير أكثر من إباحة الرمى قبل الزوال (أى من الفجر إلى الظهر)، وإباحته كذلك ليلاً حفاظاً على الأرواح.

 

ثالثاً: أفتى بالرمى قبل الزوال ثلاثة من أعظم فقهاء الإسلام، وهم عطاء بن أبى رباح، فقيه مكه وفقيه المناسك، وكذلك طاووس، فقيه اليمن، وأبوجعفر محمد الباقر، وهو من أعظم فقهاء آل البيت.. وهؤلاء أفتوا بذلك وكان عدد الحجاج وقتها لا يجاوز نصف مليون حاج.

 

ولو تخيلت ماذا يقول هؤلاء لو رأوا هذه الملايين الخمسة وهى يكاد يقتل بعضها بعضاً من الزحام، خاصة فى الطريق لرمى الجمرات وفى منى كل عدة أعوام.

 

رابعاً: ألا يدرك الذين يصرون على التمسك بهذه الفتوى أن الرسول «ص» قد أذن لعمه العباس لظروف خاصة أن يبيت فى مكة (بلدته) بدلاً من مِنى.. فقد راعى الرسول «ص» كبر سنه فأذن له فى أمرين: الإنابة فى رمى الجمرات وعدم المبيت فى مِنى.. وكم من الحجاج فى مثل ظروف العباس.

 

خامساً: أجاز سابق عصره أبوحنيفة النعمان الرمى قبل الزوال يوم مغادرة الحجيج لمنى (أى النفر منها) تيسيراً عليهم.. فلماذا لا نطبق نفس الرأى فى كل الأيام ليكون الرمى فى كل الأوقات.. والله لو أن أبا حنيفة عاش بيننا لقال ذلك فوراً ودون تأجيل أو تراخٍ أو خجل.

 

سادساً: ألا يعلم هؤلاء أن مفتى قطر الأسبق عبدالله بن زيد آل محمود قد قال بذلك منذ أربعين سنة، وأرسل رسالة إلى فقهاء السعودية بذلك سماها «يسر الإسلام فى المناسك» وكأنه يقرأ الحاضر والمستقبل.

 

سابعاً: ينبغى على كل من يضيّق فى أمور الفتوى فى الحج أن يعلم أن الفتوى تقتل مثل القنبلة والرصاصة.. وأن الإسلام العظيم قد أرسى مجموعة رائعة من القواعد الفقهية، مثل «لا ضرر ولا ضرار»، و«المشقة تجلب التيسير»، و«التكليف بحسب الوسع»، و«الضرورات تبيح المحظورات».. فلو طُبقت هذه المبادئ فى أمور الحج ما حدثت أى أحداث.

 

ثامناً: أرسى الفقه الإسلامى قاعدة «الإنابة فى الرمى»، وهذه القاعدة يهملها الحجاج عامة.. وأنا أرى أنه ينبغى على كل فوج أن يُلزم العجائز وكبار السن والأطفال أن ينيبوا عنهم فى الرمى.. ولكن أغلب المصريين من العوام وكذلك البلاد الأفريقية غير المتحضرة، يصر كل فرد على الرمى فيها بنفسه.

 

وأذكر أنه كانت معنا فى الحج زوجة صديق كانت تحمل رضيعها وأصرت على أن ترمى بنفسها وسط الزحام الفظيع والطفل يصرخ ويولول بصوت يمزق الأكباد.. وهى تُصرّ على اصطحابه كل مرة.. وفى النهاية أصيب الطفل بالتهاب حاد فى الشعب الهوائية.. إننا هواة فى التضييق على أنفسنا.. ودائمًا ما نضيق ما وسعه الله علينا وكأنها أزمة فى العقل العربى والإسلامى مع أزمة الفتوى فى عالمنا العربى التى تميل للتشديد على الناس والتيسير على الحكام.. فنحن بحاجة إلى فقه متجدد لعالم متغير.

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus