الهجرة بداية مراحل التحول والانطلاق

الهجرة  بداية مراحل التحول والانطلاق
 
أبوالحسن الجمال
الخميس, 15 أكتوير 2015 15:51

المؤلف: محمد عبدالله السمان

عرض:أبوالحسن الجمال  

الناشر: سلسلة البحوث الإسلامية

   حادث الهجرة من أخطر الأحداث فى مسار الدعوة الإسلامية، بل أعظمها شأناً، إذ كانت نقطة البدء فى قيام الدولة الإسلامية، وبروزها إلى الوجود البشرى ... مشرق هداية، ومبعث حياة فى كل جوانب الحياة على وجه الأرض .. وكان من توفيق الله سبحانه وتعالى أن يؤرخ فى الإسلام بهذا الحادث الخطير العظيم، ليذكر المسلمون دائماً أن قوة العقيدة وحدها مجردة من كل قوة مادية  هى التى حققت للإسلام ودعوته أعظم نصر، وإذا كانت الهجرة من مكة إلى المدينة – كحدث- قد مضت ، فإن معنى الهجرة مكتوب له البقاء ما بقيت السماء والأرض، مشعلاً للأمة الإسلامية عن طريق النضال والدعوة إلى الله.

 

 وإذا كان المسلمون فى حاجة إلى تذكر حادث الهجرة فى كل زمان ومكان، فأنه يجب أن نتذكره ونعتبر به فى هذا الوقت الذى كثرت فيه الإشاعات، وأحاطت فيه التحديات دين الإسلام وكثرت الهجمة الشرسة عليه فى الداخل والخارج، فينبغى أن نستلهم قيم هذا الحادث العظيم الذى أرخ به للإسلام .

 

  وسوف نستعرض فى السطور التالية مؤلف نادر بعنوان "الهجرة  بداية مراحل التحول والانطلاق" للمفكر الإسلامى الكبير محمد عبدالله السمان، وهو من كبار علماء الأزهر الشريف، أصدر سلسلة الثقافة الإسلامية عام 1958، وأصدر من خلالها عشرات الكتب فى كافة أنماط الفكر الإسلامى، كما عمل محرراً فى مجلة الأزهر فترة من الزمن وفى مجلة الرسالة، وأصدر ما يقرب من ستين كتاباً.

  

 ونركز هنا على رده على المستشرقين والمبشرين الغربيين ، الذى كادوا للإسلام ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وافتروا كثيراً على القرآن وسنة نبيه الكريم، ثم عرجوا على التاريخ الإسلامى المجيد وشنعوا على سيرة النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يسلم حادث الهجرة المجيد الذى ضرب به المثل فى الدقة والتخطيط والإعتماد على الكفاءة بغض النظر عن ديانته، وهذا ما ظهر جلياً  فى موقف عبدالله بن أريقط النصرانى، الدليل الذى استخدمه النبى صلى الله عليه وسلم، لم يعجبهم هذا التسامح وهذه الدقة، لأنهم لا يبغون الإنصاف ومدح الإسلام، وتحت عنوان "الهجرة بين السلب والايجاب" يناقش المؤلف الشبهات التى أثيرت حول هذا الحدث الجليل من المستشرقين من ذوى الأهواء، وكتاب الغرب المتعصبين ، وقد اعتبروا هؤلاء أن الهجرة سلوك يعتوره الجبن، فهم يطلقون على الرسول - صلوات الله عليه وسلم -  وصاحبه أبى بكر الصديق رضى الله عنه – يطلقون عليها "الفارين" و"الهاربين"، وقد يكون من المستساغ استعمال لفظ "الفرار" إلى الله، ولم تكن الهجرة إلا فرار إلى الله ، وقد ورد فى القرآن الكريم هذا اللفظ على لسان نوح عليه السلام )ففروا إلى الله ..إنى لكم منه نذير مبين) لكن المستشرقين وكتاب الغرب المتعصبين لم يقصدوا هذا المعنى السامى الذى ورد فى الآية الكريمة، وإنما يقصد معظمهم المعنى المضاد الذى يعنى الجبن، ولا يحاول هؤلاء أن يقنعوا أنفسهم، بل عقولهم، بأن الهجرة كانت ضرورة ملحة كمرحلة انتقالية ن بل مرحلة تحول لا نطلاق نحو آفاق واسعة، لأن الأهواء قد رصدت نفوسهم، وأضلت أفهامهم.

 

  ويرد الأستاذ السمان على هذه الشبهة قائلاً: "لو أن دعوة الإسلام كانت قاصرة على مكة، وأن مهمة – صلوات الله عليه- كانت تنحصر فى إقامة دولة، وتأسيس مجتمع فوق أرض مكة وحدها ، لكان لغمزات أولئك الحاقدين ما يبررها ، لكن دعوة الإسلام لم تكن دعوة محلية ضيقة خاصة بمكة، ولا إقليمية محدودة قاصرة على المنطقة العربية، وإنما هى دعوة عامة شاملة، تهدف إلى خير البشرية والإنسانية فى كل زمان ومكان .. إن دعوة الإسلام قد لبثت فى مكة ثلاث عشر سنة ،عانى خلالها محمد صلى الله عليه وسلم – وصحبه الكثير من عنت قريش وصلتها، وبطشها وتنكيلها، وإرهابها وكيدها ، وعلى الرغم من صبر الفئة المؤمنة ومصابرتها ، وبذلها وتضحياتها، وإيمانها وثباتها على الحق الذى آمنت به، واطمأنت إليه، على الرغم من ذلك كله لم يزد عدد هذه الفئة المؤمنة على عشرات معدودة، على مسار ثلاث عشر عاماً ، إذن فماذا ستكون النتيجة لو أن محمدا صلى الله عليه وسلم – آثر البقاء فى مكة بدعوته وأصر عليه؟

 

 إن النتيجة الحتمية والمنطقية معاً، هو أن تظل دعوة الإسلام قابعة بين ربوع مكة، آخذة فى التقلص إلى أن تتلاشى، لأن الفئة المؤمنة التى تحصى بالعشرات، قلة مستضعفة لا جاه لها ، ومن كان منها من ينتسب إلى قبيلة ذات حسب وجاه، تخلت عنه قبيلته، وآثر هو الحق والإيمان على جاهها وحسبها.

 

  ويستشهد المؤلف من التاريخ المعاصر: "إن الاستراتيجية الحديثة فى أرق أساليبها، تقر انسحاب القائد بجيشه، إذا كان هذا الانسحاب يؤدى إلى أخذ موقع محصن ، يستطيع الجيش منه أن يتمكن من الدفاع فضلاً عن الهجوم، وهذا الانسحاب أمر سلبى ما فى ذلك من جدال، لكن السلبية تتضمن ايجابية ما فى ذلك من جدال أيضاً، انسحاب هو كالضرورة الملحة التى اقتضتها الظروف القاهرة، وليست الهجرة بعد ذلك إلا انسحاباً دعت إليه الضرورة الملحة، أدى إلى أخذ موقع محصن، وانحياز إلى فئة مؤمنة، هى فئة الأنصار".

 

 وتتبع المؤلف حال الدعوة الإسلامية فبل الهجرة وبعدها، ومراحل الهجرة والتخطيط لها ، ويسرد حكايات من التاريخ والسيرة وتمحيص الأخبار واختيار الصحيح منها ، مما نطمع فى طبعه ثانية عن مجمع البحوث الإسلامية بعد أربعين عاماً من طبعته الأولى .

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus