"الرأفة" بالصحفيين.. إذلال وتوبيخ!

الأحد, 27 سبتمبر 2015 15:41

الرئيس أصدر قرارًا بالعفو عن 100 شاب بمناسبة عيد الأضحى، من بينهم صحفيان من الجزيرة أحدهما كندي، وعدد من النشطاء، عوقبوا بالحبس بموجب قانون حظر التظاهر، غالبيتهم، كانوا موضوعًا للجدل، داخل مصر أو خارجها.

وليس بوسع أحد أن يقطع يقينًا، بأسباب العفو، وما إذا كان بمناسبة العيد، أم درءًا للحرج، قبيل زيارة الرئيس الأخيرة لنيويورك لحضور أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة.

وأيًا ما كان السبب فإن قرار العفو عن صحفيين، ربما عزز نسبيًا من موقف الرئيس، أثناء وجوده في نيويورك حاليًا.. فقد سُئل فعلاً عن تراجع حرية الرأي وفرض قيود على الصحفيين وحبسهم لأسباب تتعلق بأداء مهام صحفية، ليرد الرئيس بثقة ساعده عليها عفوه عن صحفيين قبيل مغادرته القاهرة.. قائلاً: "كونوا على ثقة أننا حريصون على حل الأزمات والمشكلات، خاصة تلك التي تتعلق بالصحفيين والإعلاميين".

 غير أن ثمة كلامًا آخر، لم يكن مريحًا في هذه المسألة على وجه التحديد، إذ استخدمت مفردات "مهينة" ولا تعكس تقديرًا للمهنة ولا لحرية الصحافة.. فالرئيس استخدم كلمة "الرأفة" بالصحفيين ـ الرأفة بالصحفيين المسجونين في إطار صلاحياتي ـ وهي كلمة تلغي تاريخًا طويلاً من نضال الجماعة الصحفية، لحمل الأنظمة على احترام الصحافة، وحق الناس في المعرفة.

فالكلمة "رأفة".. تحمل معاني "الهبة" و"المنحة".. وحرية الرأي والتعبير، والصحافة ليست هبة ولا منحة.. بل هي مكسب انتزع انتزاعًا عبر تراكم خبرات طويلة من النضال المدني السلمي، أنهى عصر "الهبات" من الحاكم.. لأن "الهبة" ينتزعها "الواهب ـ الرئيس"، وقتما شاء وكيفما شاء.. إذا كتب الصحفيون ما يعكر مزاجه.

ولا أدري لِمَ اختار الرئيس هذه الكلمة تحديدًا، رغم أنها جارحة للصحفيين ومهينة لهم، وتشير إلى اعتقاد السلطة المصرية الجديدة، بأن الصحفي "أخطأ" حين مارس حقه الذي كفله له القانون والدستور والمواثيق الدولية، وأنها أي السلطة ستكون رحيمة به و"ترأف" بحاله، وتطلق سراحه.

عادة ما تستخدم كلمة "العفو" في مثل هذه الحالات، وهي كلمة مقبولة نسبيًا؛ لأنها تعني "الإعفاء" من العقوبة لأسباب تقدرها السلطات المختصة.. أما "الرأفة" فإنها تعني "المن" مع التوبيخ والتقريع والإذلال.

كنا نتمنى من الرئيس أن يتحدث عن حرصه على حرية الصحافة، وانتصاره لحرية الرأي، مهما كانت خشنة في نقدها للسلطة.

لم أسمع مرة واحدة الرئيس متحدثًا عن المعارضة.. وإنما عن ضرورة الاصطفاف خلف "القيادة السياسة" ـ أي خلف الرئيس ـ صفًا واحدًا.. وهي لغة كادت تختفي تمامًا حتى في الدول التي ما انفكت تتقلب في جحيم الأنظمة الشمولية.

ويبدو لي أن هذه الرؤية ـ الاصطفاف صفًا واحدًا خلف القيادة السياسية ـ تحاول طي الصحافة وضمها إلى هذه الصفوف المتراصة خلف القيادة، وهي مسألة تستعصي ـ في هذا الزمن ـ على أي نظام سياسي مهما بلغت قسوته أو شطارته، أو مهارته في الغواية والتغرير.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.