أردوغان ومصر وبوركينا فاسو

الجمعة, 18 سبتمبر 2015 16:14

يوم الأربعاء 16/9/2015، استولى الجيش على السلطة فى "بوركينا فاسو"، واعتقل الرئيس المؤقت "ميشيل كفاندو" ورئيس الوزراء "إيزاك زيدا" قبل انتخابات كانت مقررة فى 11 أكتوبر المقبل لتسليم السلطة إلى حكومة منتخبة.

وكما يقول علماء الأصول "العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب".. فإن ما حدث فى "بوركينا فاسو" يغرى بفتح ملف الأزمة المصرية التركية مجددًا، بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، ببيان من الجيش تلاه وزير الدفاع السابق والرئيس الحالى عبد الفتاح السيسي.

أعرف أن "أردوغان" هو الصورة الأكثر حدة وانزعاجًا، عن أقرانه فى المجتمعات الديمقراطية، مما تعرض له أول رئيس مدنى منتخب فى مصر.

الغرب فى عمومه، وبالتدرج وتحت الحاجة إلى حلفاء أقوياء لمواجهة "داعش"، بدأ فى التطبيع "الحذر" مع القاهرة بعد الإطاحة بمرسي.. غير أن السؤال الذى لم يجب عليه أحد حتى الآن، واختفى تحت الشوشرة والصخب الإعلامى الزاعق فى مصر، هو لم لا يحذو أردوغان حذو شركائه الغربيين، أو على الأقل، يحتفظ بالحد الأدنى من علاقات بلاده بالقاهرة؟!

والحال أن وضع أردوغان تحديدًا، يختلف جذريًا عن الأرضية التى يقف عليها شركاؤه الغربيون، فيما يتعلق بالتغيير "الخشن" للمسار الديمقراطى فى مصر.

أوروبا الغربية وأمريكا، نظم ديمقراطية مستقرة، ومن الصعب، وإن لم يكن من المستحيل، أن تتعرض أنظمتها السياسية،  لأى تدخل مباشر أو غير مباشر، من مؤسساتها العسكرية، يغير من طبيعتها المدنية والديمقراطية المستقرة منذ عقود طويلة.. وبالتالى فإنه إذا كان لم يعجبها ما تعرض له مرسى فى 3 يوليو 2013، فإنها فى ذات الوقت، لا تشعر بأى تهديد بنقل ومحاكاة ما حدث فى مصر، إلى بلادها.. إنها مسألة مستحيلة، ولن تحدث لا فى المستقبل القريب ولا البعيد..  وعلى ذلك فإن علاقتها بالقاهرة، تظل مرهونة بالمصالح المحضة.. أيًا كانت هوية النظام السياسى الذى يحكمها.

غير أن ذلك مختلف بالنسبة لأردوغان.. فتركيا هو البلد شبه الأوروبى الذى حفل تاريخه بالانقلابات العسكرية الدموية، والديمقراطية بها لا زالت وليدة وبكرًا.. والجيش التركى لا يزال يمثل تهديدًا حقيقيًا، للنظام المدنى والديمقراطى الجديد، وتعرض هذا النظام للتهديد الحقيقي، منذ سنتين، وتآمرت عليه دولة خليجية شهيرة بمعاداتها للربيع العربي، وحاولت نقل تجربتها التآمرية والتى نجحت فى بعض الدول العربية، لتلاعب بها أردوغان وتسقطه.. غير أنها فشلت، بعد تهديدها بكشف فضائح جنسية لكبار قادتها السياسية والأمنية.

أردوغان ـ إذن ـ كان ولا يزال مرعوبًا مما حدث لمرسي، ومن موقف المجتمع الدولى الآخذ فى التطبيع تدريجيًا مع السلطة التى أقصته من الحكم وحلت محله.. هذا الرعب لا علاقة له بهوية مرسى السياسية "إخواني" وإنما يرجع إلى خوف أردوغان من أن "سكوت" العالم ـ كما يعتقد هو ـ على ما حدث لمرسي، قد يغرى جنرالات تركيا على أن تطيح بنظامه السياسي، فيما يظل تطبيع العالم مع عسكر تركيا لاحقا، مسألة وقت لا أكثر، ومضمونة فى جيب جنرالاته

وفى تقديرى أن ما حدث فى بوركينا فاسو يوم الأربعاء الماضى ـ 16/9/2015 ـ سيفاقم من متاعب أردوغان وقلقه وانزعاجه.. خاصة إذا سكت عنه العالم، وغلب لغة المصالح، غير عابئ بنضال الشعوب وتضحياتها من أجل الديمقراطية.. وما حدث فى بوركينا على وجه التحديد، سيكون منعطفًا خطيرًا، فى هذا الجانب، لأنه يختلف عما حدث فى مصر، فتدخل الجيش جاء عقب احتجاجات مليونية واسعة ضد حكم مرسي، وهى أيا كان شكل الترتيب والتحضير لها، فإنها أربكت التكييف القانونى لما حدث لاحقا فى 3 يوليو، وساعدت الطرفين المصرى والغربى على تجاوز الكثير من الصعوبات، ولكنها فى حالة بوريكنا فاسو، فإنها الأخطر، والسكوت عليها سيقوض الجهود الإصلاحية من أجل صناعة عالم أكثر أمنًا وآمانًا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.