الانتخابات وبيع الأصوات وبيع الضمائر

الأربعاء, 14 أكتوير 2015 16:46

الانتخابات النيابية في مصر التي تجرى بعد يومين تقريبا ، ولا يشعر بها أحد ، تشهد مظاهر اجتماعية وثقافية جديدة ، لم يألفها المثقف المصري بهذا القدر من الوضوح والفجاجة ، حيث تعبر عن مستوى الانهيار في منظومة القيم والأخلاق في صورتها البسيطة والأولية ، والتي كان المثقف ، مهما كان موقعه ، يحرص على أن لا يضبط متلبسا بعارها ، اليوم يحدث هذا العار بصورة نمطية وعادية ، وربما بدون أن يلفت انتباه أحد ، كأنه حالة مفروغ منها .

كانت الانتخابات النيابية سابقا تعرف ما يوصف بأنه "شراء الأصوات" ، حيث يعمد المرشح "الثري" في بعض المناطق التي يسودها الفقر والمعاناة إلى دفع أموال لشراء أصوات الناخبين ، أو كتلة مهمة منهم لترجيح كفته ، والصوت يباع حسب الأحوال ، وحسب كثافة ناخبي الدائرة ، وحسب الجولة الانتخابية أيضا ، لأن جولة الإعادة والحسم تكون الأصوات فيها عادة أغلى ، ويتراوح الصوت الانتخابي بين مائة جنيه وخمسمائة جنيه ، وهناك متعهدون لتلك العملية ووسطاء يرتبونها وينظمون الأمور ، غير أن الظاهرة الجديدة التي تشهدها الانتخابات الحالية هي ظاهرة شراء أصوات قطاع من النخبة للتطبيل لمرشح أو حزب مقابل خدمات أو أموال ، بصورة بالغة الإسفاف والابتذال والتدني ، وإذا كان بعض الفقراء والجهلة يبيعون أصواتهم لشراء خبز لأطفالهم أو كسوة عيد ، فإن "بيع" بعض المثقفين المستورين لأصواتهم وضمائرهم بتلك الصورة يصعب تفسيره إلا كشاهد على انهيار وتحلل اجتماعي وثقافي بالغ الخطورة .

لم أكن أتصور أن مثقفا كبيرا كان يدير مركزا مشهورا للدراسات الاستراتيجية تابع لمؤسسة صحفية قومية مرموقة ، يتحول في "شيبته" إلى مجرد طبال يتغزل في مرشح صاحب مال ومنافذ إعلامية ، يستأجره لكي يروج له بين الناس ويقدم دعاية يعرف هو نفسه أنها كاذبة ومضللة ، شيء مذهل وإحساس بالعار ينتابك وأنت تقرأ لهذا "المثقف الكبير" كلاما رخيصا يصعب أن يصدر عن شاب مبتدئ يتلمس "العطاء والجود" من أصحاب الفضل والنعمة عليه ، هذا مستوى من بيع الضمير وبيع الأصوات وبيع الأخلاق لم تكن مصر تعرفه من قبل ، كان البعض يتزلف للسلطة ـ كسلطة ـ في أوقات سابقة ، باختلاط وعي مقصود أو جاهل ، بين السلطة والدولة ، والطمع في سيف المعز وذهبه كما يقال ، أما اليوم فقد وصلنا إلى بيع الأقلام والضمائر والأصوات لمن يدفع أكثر ويسخو في عطاءاته من رجال المال والأعمال والنفوذ .

ربما لا يكون صادما أن يستخدم بعض رجال الأعمال من ملاك الصحف والفضائيات بعض "رجالهم" الإعلاميين في الترويج لهم ولأحزابهم ومرشحيهم في الانتخابات ، فهم في النهاية موظفون عندهم وأجراء ، ولكن الصدمة أن يتحول بعض "النشطاء" ممن تصدروا لمشهد 25 يناير إلى مجرد مرتزقة تبيع ضمائرها وأصواتها لخوض معارك هذا الحزب صاحب النعمة عليهم والذي وسع لهم في فضائياته وصحفه بفرصة عمل أو برنامج تليفزيوني ، ليصل الإسفاف في خوض معارك "رجل الأعمال" إلى مستويات شديدة التدني والرخص ، ويتحول "الناشط" إلى بلطجي يمارس البلطجة السياسية والإعلامية ضد خصوم رجل الأعمال الذي استأجره .

في الأوقات التي تضطرب فيها الرؤية ، وينتشر الإحباط ، وينسد الأفق أمام الباحثين عن مستقبل أفضل وتتراجع الآمال في التغيير ، وتتجمد الحياة وحراكها السياسي والاجتماعي ينتشر في البيئة السياسية والاجتماعية عفن وقيح وفتن الضمائر وتكثر أمراض القلوب والانتهازية بصيغ متعددة وبعضها مضلل وخادع ، ويصبح الممسك بمبادئه وقيمه ووفائه لوطنه كالقابض على الجمر .   

almesryoongamal@gmail.com

twitter: @GamalSultan1