اقتصاد على حافة الخطر وأولويات غائبة

الإثنين, 12 أكتوير 2015 17:22

لست خبيرا عسكريا بطبيعة الحال لكي أقيم أهمية صفقة شراء حاملتي طائرات فرنسية حديثة تبلغ تكلفتها حوالي اثنين مليار دولار ، وكانت مخصصة بالأساس لدولة كبيرة ولها نفوذ عسكري عابر للقارات وهي روسيا ، غير أن خلافا نشب بين موسكو وباريس على خلفية ما حدث في أوكرانيا انتهى بإلغاء الصفقة ، لتشتريها مصر ، ولاحظت أن التقارير الدولية المتخصصة التي علقت على الصفقة تشير إلى أن الحاملة تستخدم للمعارك الخارجية والحروب البعيدة عن دولة المقر ، وكان هذا سبب تساؤل كثيرين عن أهمية مثل هذه النوعية من السلاح لمصر ، خاصة وأنه من غير المنظور خوض مصر حروبا كبيرة بعيدا عن حدودها ، كما أنه من غير المعهود في البحرية المصرية سابقا استخدام مثل هذه النوعية من السلاح ، إضافة إلى أن تحديات مصر الأساسية وربما الوحيدة الآن ـ وفق ما هو معلن من كلام الرئيس نفسه ـ هي الإرهاب ولا يوجد تهديد جدي يحسب له حساب من جيوش دول محيطة .

إلا أن الأهم في هذا الموضوع ـ في تقديري ـ هو دافع "الأولوية" لشراء حاملتي طائرات بمبلغ يقترب من اثنين مليار دولار في الوقت الذي يقف فيه الاقتصاد المصري على حافة الكارثة ، حيث وصل الاحتياطي النقدي إلى ستة عشر مليار دولار وكسور قليلة ، فإذا أضفنا لذلك أن أكثر من نصف هذا المبلغ هو ودائع بالأساس ، أي مال الغير ، فهذا يعني أن الاحتياطي النقدي الحقيقي الذي نملكه لا يناسب دولة سكانها تسعون مليون إنسان ، في حاجة إلى طعام وشراب ودواء وسكن وصحة ومواصلات وعمل وخلافه ، وهذا يعني أن حال الدولة المصرية ليس من الثراء و"البحبحة" إلى حد أن تدخل في زحام الدول مالكة حاملات الطائرات ، مثل أمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا وغيرهم ، وربما كان الأوفق أن يتم تأجيل مثل هذه الصفقات الضخمة لحين تحسن الاقتصاد الوطني ، وخروج البلد من حافة الكارثة والانهيار ، وحتى لو كان هناك بعض الأصدقاء الذين يمدون يد العون لمصر ، فإن الأولى أن تكون يد العون لبناء مصانع وتوسيع الرقعة الزراعية وتحسين البنية الأساسية التي تتعثر الآن بشكل واضح بسبب غياب السيولة النقدية مما يعطل معظم مشروعات التنمية المرتبطة بها ، فنحن بلد يعاني ويكافح من أجل كل دولار .

والحقيقة أن الأمر ليس متوقفا على ذلك ، فلا أحد يعلم حتى الآن لماذا اندفعنا في مشروع حفر قناة جديدة في المجرى الملاحي لقناة السويس ، ولماذا جمدنا مبلغا حوالي اثني عشر مليار دولار (ستون مليار جنيه مصري) ، جمعناه من المواطنين الذين حمسناهم ، وسندفع عنها سبعة مليارات جنيه فوائد سنوية ، في حين أن عائد قناة السويس الآن ليس فقط لم يتغير ، بل هو يتراجع ، حتى اضطرت هيئة قناة السويس لحجب معلومات الحركة ثلاثة أشهر متعاقبة ، لإخفاء المصيبة ، وقد كان من نتيجة ذلك أن تم تجميد وعرقلة مشروعات أخرى عديدة متعلقة بالبينة الأساسية والطرق والخدمات المتصلة بحياة الناس اليومية والمباشرة والخدمات المؤسسة لأي تنمية اقتصادية من أي نوع ، فإذا بنا نضع أيادينا على خدودنا الآن ونحن نفكر في أي "محسن" يتصدق علينا ويساعدنا بمليار أو اثنين لكي نعزز بها احتياطينا النقدي الذي هو مرشح لمزيد من التراجع خلال الأشهر المقبلة ، لأن هناك استحقاقات مطلوب دفعها .

والآن ، صدر قرار جديد في البدء في تأسيس المرحلة الأولى مما يسمى "العاصمة الإدارية" الجديدة ، وهو مشروع من المفترض أنه بحاجة إلى عشرات المليارات من الدولارات ، وهناك غموض واضطراب كبير في طريقة تنفيذه وتمويله ، والشركاء فيه ، وتصريحات متضاربة من الجانب الإماراتي ، وهو ما يعني أننا قد ندخل في ورطة أخرى تستنزف ما تبقى من مقدرات وإمكانيات ومخزون ضعيف

عندما تختلط البهرجة السياسية مع الاستعراض السياسي مع الفوضى الإدارية مع غياب رقابة الشعب ومؤسساته التشريعية ، فمن الطبيعي أن تغيب الأولويات وتضيع الحقائق ، ونقف واضعين أيادينا على قلوبنا من الكوارث المنتظرة .

almesryoongamal@gmail.com

twitter: @GamalSultan1