غياب قوى يناير عن الانتخابات البرلمانية يجعلها لهوا

السبت, 10 أكتوير 2015 19:12

إذا قابلت أي مجموعة مواطنين بشكل عشوائي في أي شارع في أي مدينة بمصر الآن وسألتهم عن رأيهم في الانتخابات لكانت الإجابة العفوية المباشرة : انتخابات إيه ؟ ، فلا يوجد أدنى اهتمام شعبي بالانتخابات ، إلا فئة صغيرة للغاية هي المتصلة مباشرة بها ، مثل المرشح ومجموعة أقاربه أو "مشجعيه" أو مسئول باللجنة العليا للانتخابات مثلا ، وبعض الإعلاميين ، هناك حالة من التجاهل الغريب للانتخابات البرلمانية في مصر رغم أنها على بعد أيام قليلة ، أقل من أسبوع ، وقد يكون في تلك الظاهرة ما يسعد "قصيري النظر" في بعض الجهات الرسمية ، باعتبار أن المشاركة المتواضعة تتيح توجيه النتائج بصورة أسهل وأكثر إحكاما ، غير أن تلك الحالة تشبه ـ في الحقيقة ـ استفتاءا شعبيا على سلامة المسار السياسي كله ، ومدى جديته ، ومدى صلاحيته لإدارة شؤون الوطن وبعث الحياة من جديد فيه ، وهذه الملايين التي تزهد في الانتخابات الآن تحمل ـ بداهة ـ غياب اليقين في المستقبل ، وغياب الثقة بإمكانية الإصلاح أو الانتقال إلى الأفضل ، هذا مؤشر خطير في الوعي الاستراتيجي ، لأن الطاقات المحبطة والزاهدة هي طاقات معطلة أو مدمرة لأي مشروع أو فكرة أو خطة للتنمية ، مهما كان جمالها أو الإمكانيات التي ستوفر لها ، المحبطون لا يصنعون مستقبلا أفضل ، ولا ينتجون بصورة أفضل .

الخريطة السياسية التي تشكلها الانتخابات ، حتى قبل النتائج ، هي خريطة مزورة ، ولا يمكن أن تكون معبرة عن الطيف السياسي المصري الحقيقي ، وخاصة القوى الطامحة للتغيير ، هذه الانتخابات لا تنتمي بأي صلة قرابة لثورة يناير ، وهي الثورة التي أتى النظام الحالي على شرعيتها بالأساس ، لأنها التي أنهت شرعية نظام مبارك وخلعته وأزالت مؤسساته السياسية والتنفيذية بالكامل ، ومع ذلك ، فقوى ثورة يناير مستبعدة بشكل شبه تام عن تلك الانتخابات ، أهم الأحزاب التي أفرزتها يناير ونشطاؤها والائتلافات الثورية وحتى مؤسسات المجتمع المدني الجديدة التي ولدت من رحم الثورة ، كل هؤلاء مغيبون عن الانتخابات الجديدة ، إما زهدا فيها وعدم قناعة بجدواها ، وإما زهدا في الحالة السياسية برمتها ، وإما إقصاءا بضغوط أمنية أو توجهات تشريعية وقضائية .

الصراع الانتخابي الآن ، هو على مدى إثبات الولاء والأهمية والنفع بالنسبة للرئيس ومجموعته ، وليس منافسته ولا منازلته ولا مزاحمته في إدارة شؤون الدولة فضلا عن مراقبته ومراجعته ، ولم يعد خافيا أن قائمة "في حب مصر" هي التيار الذي تعده جهات رسمية ليكون "الحزب غير الرسمي" للسيسي ، أو الظهير البرلماني كما يقال ، غير أن بقية المنافسين إنما يزاحمون "اللواءات" ومن معهم في ذلك التيار على إثبات مدى صلاحيتهم للمرحلة ، وأنهم داعمون للسيسي أيضا ، بما في ذلك حزب النور ، والذي يتعرض لحملة تشويه واسعة النطاق الآن ، وهي حملة شديدة التكلف والتلفيق ، لأنه الحزب الوحيد الذي ينتمي إلى التيار الإسلامي وما زال باقيا في السباق الانتخابي ، ورغم أن المساحة التي من المنتظر أن يشغلها الحزب لا تتجاوز العشرة إلى الخمسة عشر في المائة ، إلا أن هناك من يصابون بالجنون لحضور عشرات الأعضاء من الحزب في البرلمان الجديد ومزاحمتهم في مقاعد قبته ، وحزب النور بطبيعته ليس حزبا ثوريا ، وإنما حزب محافظ ، ونطاق اهتماماته محدود بقضايا لها طابع ديني وأخلاقي وخدمي ، والسلطة الحالية بحاجة إليه ، لشغل الفراغ الذي كان يملأه الإخوان ـ تاريخيا ـ في البرلمان ، ولذلك فشلت وستفشل كل المحاولات السياسية والقانونية لعزله أو منعه من الانتخابات ، والحزب لا يخفي تأييده الكامل والمطلق لسياسات السيسي ومشروعه .

الجبهة المصرية تم حصارها في الانتخابات بأكثر من طريق ، وحزب المصريين الأحرار ستساعده أموال المهندس نجيب ساويرس بكل تأكيد في تحقيق حضور مناسب ، ولكن ضعف مرشحيه وغياب الجماهيرية عنهم يضعف من فرص تحقيقه مفاجأة ، وإن كان الرهان على عزوف الناخبين يجعل من عمليات الحشد المنظمة وحضور المال السياسي عوامل حاسمة في الفوز بالمقاعد .

الانتخابات البرلمانية لن تغير شيئا من المشهد المصري ، كما أن التوقعات تشير إلى أن عمر هذا البرلمان سيكون قصيرا للغاية ، لأن الأفق الضيق والتشنج الرسمي يخنق أي مساحة للعمل السياسي مهما كانت محدوديتها ، وكل ذلك يؤكد أن مصر بحاجة إلى مسار آخر ، ومشروع آخر ، أهم من انتخابات شكلية وأكثر جدية من هذا اللهو السياسي .

almesryoongamal@gmail.com

twitter: @GamalSultan1