الروس بدأوا يستشعرون "الوحل" مبكرا في سوريا

الأحد, 04 أكتوير 2015 17:37

من الواضح أن روسيا بدأت تستشعر "الوحل" مبكرا في عدوانها على سوريا ، ومن يقرأ تصريحات القادة الروس العسكريين والسياسيين أيضا عن مجريات العمليات ونتائجها سيدهش كثيرا أن تكون هذه لغة ومنطق دولة كبرى ، فبعد يومين من القصف أعلنت القيادة العسكرية أن ستمائة إرهابي قرروا ترك معسكراتهم والبحث عن مهرب في أوربا ، هذا ليس إعلام كوريا الشمالية ، ولكنه إعلام بوتين مع الأسف ، ثم عادوا بعدها بيوم ليعلنوا أنهم هاجموا عشرة قواعد لتنظيم "داعش" بينما كانت الهجمات في حمص وإدلب حيث لا داعش ، ونقلت القنوات التليفزيونية بثا حيا لصور الإرهابيين القتلى لنكتشف أنهم أطفال ومدنيون ، وقد اضطر الطيران الروسي إلى ملاحقة الإعلاميين وخاصة مراسلي قناة الجزيرة القطرية وقصفهم بعنف لوقف متابعتهم لنتائج الغارات على المدنيين ، وهو ما نقلته القناة نقلا حيا بالصوت والصورة أيضا .

هذه مقدمات فقط ، حيث أصبح السلوك الروسي عاريا خلال وقت قصير للغاية ، ولا يوجد أحد في العالم اليوم مقتنع بأنه يحارب داعش والإرهاب ، وإنما يحارب معارضي حليفه الطاغية بشار الأسد ، أو "السفاح" كما وصفه أمس رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ، بوصفه قتل حتى الآن أكثر من ثلاثمائة ألف سوري وأصاب أضعافهم وشرد ملايين آخرين ودمر مدنا بكاملها ، أصبح الروس لا يحفلون كثيرا بمسألة من يحاربون هناك ، لأن استمرار الكذب غير ممكن وغير مقنع وغير مفيد في النهاية ، ومن الواضح أن الكتائب الثورية السورية على الأرض ترصد وتتابع الهجمات الروسية وتحاول استيعابها قبل أن تحدد طريقة التعامل معها ، باستثناء قصفها أحد المطارات باللاذقية تستخدمه قوات العدوان .

كان أيضا من ثمار العدوان الروسي أن بدأت الفتاوى من مرجعيات إسلامية كبيرة ـ شخصيات ومؤسسات ـ تصدر بالدعوة إلى الجهاد في سوريا ووصفه بأنه "فرض عين" على كل قادر ، على نفس ما كان يحدث أيام أفغانستان ، وهو ما كنا نحذر منه قبل ذلك ، وقلنا أن العدوان الروسي سيدعم التشدد ويوسع مساحات الدم والنار ، وها هو العدوان الروسي يفتح الباب واسعا أمام حشود المقاتلين للوصول إلى سوريا من كل فج عميق ، ويفتح الآفاق رحبة أمام فتاوى الدعوة إلى الجهاد ، وسيزيدها وهجا ـ بطبيعة الحال ـ الفتاوى الدينية المقابلة من الكنيسة الأرثوذكسية الروسية عن دعمها لغزو بوتين لسوريا ووصفها ذلك العدوان بأنه "حرب مقدسة" !!.

الموقف المصري من العدوان الروسي أصبح واضحا هو الآخر ، فبعد صمت وترصد ، تحدث وزير الخارجية سامح شكري أمس لقناة العربية ، وقال أن "التدخل العسكري" الروسي في سوريا عمل إيجابي وسوف يساهم في محاصرة التطرف وضرب الإرهاب ، وهي تصريحات طبق الأصل من تصريحاته في بداية عدوان الجنرال خليفة حفتر على مدينة بنغازي في ليبيا والتي انتهت بتدمير المدينة تقريبا وتحويل معظم أحيائها إلى خراب وتهجير أهلها ، ولم يتوقف الإرهاب بل توسع بعدها ، وما زالت المعارك مستمرة حتى اليوم بعد أكثر من عام .

والموقف المصري يعيد التأكيد على اضطراب الحسابات المصرية الإقليمية والدولية ، وغياب الرؤية ، كما تغيب في الداخل ، فبشار الأسد هو الآن ذراع طائفي للإيرانيين في المنطقة ، قولا واحدا ، يراه الأعمى والبصير ، بينما السعودية والخليج العربي هي الظهير القوي لمصر في تلك الأثناء ـ اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ـ والحليف المنطقي ، فعلى أي أساس تضرب في حليفك وتخذله لحساب حليف إيران ، من أين أتيت بهذه العبقرية السياسية والاستراتيجية ، إلا محض الكراهية المراهقة للتيارات الإسلامية التي تتصدر المشهد في ثورة سوريا ، وهي كراهية شديدة السذاجة وأصبحت تحاصر مصر وتقلص حضورها من المحيط للخليج بالفعل .

أيضا ، موقف الجامعة العربية مثير للشفقة ، وأعتقد أن هذه الأحداث قد تؤدي إلى إعادة صياغة فكرة الجامعة أو دورها أو حتى إعادة هيكلتها ، لأن ارتهان الأمين العام لسياسات دولة المقر حول الجامعة إلى ما يشبه ملحقا بوزارة الخارجية المصرية ، لا تجرؤ على الوقوف على أي شاطئ سياسي بعيد عنها ، وثمة أصوات خليجية أصبحت تندد علنا بهذا الوضع ، وهم محقون في ذلك بكل تأكيد ، فلا يعقل أن يقع غزو عسكري أجنبي لدولة عربية لقصف شعبها والتورط في حرب أهلية بها وتعريض المنطقة كلها وأمنها القومي للخطر دون أن يكون للجامعة كلمة أو بيان أو حتى دعوة عاجلة للنقاش حول الأزمة ، هذا مدهش جدا .

almesryoongamal@gmail.com

twitter: @GamalSultan1

comments powered by Disqus