قفا الحسيني !!

السبت, 03 أكتوير 2015 15:27

على مدار الأسبوع الماضي كله ، كان "قفا" الحسيني هو رمز لمعركة إعلامية وسياسية خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي ، وقد شاركت فيها فضائيات وصحف ، وهي متعلقة بتعرض بعض المعارضين للنظام المصري في أمريكا للإعلاميين المصاحبين للرئيس عبد الفتاح السيسي بالضرب والإهانة والسباب ، كما كان هناك حرص شديد على تصوير عملية الاعتداء على "القفا" باعتباره رمزا لإهانة كرامة الشخص في الثقافة المصرية الراسخة ، وكان الإعلامي يوسف الحسيني هو "بطل" تلك المحاولات ، حيث وقع "الاعتداء" عليه وتم تصويره ، من زوايا مختلفة بما يعني أن هناك ترتيبات كانت معدة لذلك بقصد الإهانة والإحراج ، وكان مثيرا للفكاهة والحزن معا أن يتم توزيع فيديوهات تحت عناوين من مثل : فيديو القفا الثاني للحسيني ، وأوضح فيديو للقفا الثالث للحسيني ، وهكذا .

شخصيا لا أعرف الزميل يوسف الحسيني ، ولم أقابله سوى مرة واحدة ، عندما دعاني أنا والمفكر المحترم الدكتور حسن نافعة لحلقة في برنامجه الإذاعي قبل عدة سنوات ، وقد شعرت بتعاطف معه وقتها وهي يحدثني عن والدته ، وكان ذلك بعد ثورة يناير ووقت أن كان الإعلام المصري تعدديا ويمتلك أفقا من الحرية "غير مسبوقة" بالفعل ، ويحتمل الرأي والرأي الآخر ، قبل أن ينزل ستار المسرح على ذلك كله لنبدأ فصلا جديدا من القمع والتهميش والإقصاء والتهديد والخوف والرأي الواحد ، وكنت أستغرب من إعلامي مثل زميلنا يوسف الحسيني ، وقد عاش روعة الحرية في أجواء يناير ، أن يضيق أفقه بعد ذلك ، وينقلب على تلك الحرية والتنوع ، لدرجة أن يطالب على الهواء في برنامجه قبل عدة أشهر بغلق صحيفة "المصريون" وموقعها لأن رأيها لا يعجبه ، وتزداد دهشتي عندما يجري اتصالا بقيادة أمنية رفيعة ويحرضها ـ على الهواء ـ على غلق صحيفة المصريون ، ويقول للقيادة الأمنية : اقفلوها واحنا هاندافع عنكم ؟! .

ورغم اختلافنا السياسي والفكري مع يوسف ، إلا أنه لا يمكن أن أتعاطف مع واقعة الاعتداء عليه ، لأن هذا ضد المبادئ التي نجاهد من أجلها ، دولة القانون ، والعدالة ، والمؤسسات ، وليست دولة البلطجة ، حتى لو انتهكها خصمك ، وحتى لو مارس خصمك البلطجة في أوضح صورها ، وأرجو أن تتوقف ظاهرة التحرش بالإعلاميين الموالين للسيسي خاصة عندما يكونون خارج البلاد ، وأعتقد أن في فضاء الإعلام الجديد ، إعلام الفقراء ، في الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي ، مساحة كافية للنزال السياسي والفكري الموجع أيضا ، لمن لا يملكون رأس المال ولا "الحنان" الرسمي الذي يسمح لهم بإنشاء فضائية أو صحيفة .

غير أن ما حدث مع الزميل يوسف الحسيني ومحمد شردي وآخرين بدرجة أقل ، يدعونا إلى إعادة النظر في مفهوم "الإعلام" ورسالته ، خاصة وأن بعض الإعلاميين حولوا مساحات الإعلام المتاحة لهم إلى أسلحة وسيوف وخناجر يمارسون بها ما يشبه "البلطجة" الحقيقية ، كما أنهم يجعلون "الإعلام" يفقد أهم خصائصه التي تشكل له حماية أخلاقية ومعنوية ، وهو الحياد والنزاهة ، فالبعض يمارس الإعلام كحرب هو طرف فيها ، تحت شعارات وطنية أو دينية ، وأغلبها مزيف لأنه يختزل الوطنية في شخص الحاكم أو المسئول أو يختزل الدين في الجماعة أو التيار الذي ينتمي إليه ، وهذا خطير ، وقد جرت العادة في النشاطات السياسية والعسكرية والأمنية على أن يميز الإعلامي نفسه بقميص أو علامة تجعله في منأى من تراشق الأطراف المختلفة ، باعتباره "عنصرا محايدا" وليس طرفا في المعركة ، وتصبح حمايته هي مسئولية جميع الأطراف ، قد تكون رسالته في لحظة ما قريبة من موقف طرف وفي لحظة أخرى قريبة من موقف طرف آخر ، لأن الإعلامي عندما يكون طرفا في الحرب فهو يخسر "الحصانة" المرتهنة بصفة "الإعلامي" ويصبح "عدوا" لطرف أو أطراف أخرى ، وقد أرسل لي كثيرون رسائل تعلق على ما جرى وتذكرني بوقائع مؤسفة فعلا ، مثل تعليق زميلنا يوسف الحسيني على فيديو للرئيس الأسبق محمد مرسي بقوله : يا ابن الكلب ! ، وآسف لاستخدام العبارة ، فمثل هذا السلوك يصعب أن يصنف في أي مستوى إعلامي ، وهو ـ فقط ـ يولد مشاعر الكراهية والغضب ويرسخ الأحقاد التي تتحين الفرصة لكي "ترد" الصاع صاعين كما قال البعض في رسائلهم .

ومع وافر احترامي للأصدقاء والزملاء الكتاب الذين انتصبوا للهجوم على من اعتدوا على يوسف الحسيني وإدانة المعتدين ، وأنا أتفق معهم تماما في ذلك ، إلا أن المشهد الإعلامي المأزوم أوسع من تلك الواقعة ، ولا يمكن معالجة هذه "الجزئية" إلا إذا أكدنا على ضرورة تصحيح المشهد الإعلامي كله ، والأخذ على يد من ينتهكه أو يسيء إليه ويجرده من هيبته وحيدته ووقاره الذي يمنحه "الحصانة" المعنوية والأخلاقية ، مع الأسف ، ورغم كل كلامنا المعسول وآمالنا الحالمة ، لن نستطيع وقف هذه الاعتداءات بدون وقف "المصاطب" التي ينصبها البعض في الفضائيات كل ليلة يكيلون فيها الشتائم المتدنية والبذيئة أحيانا ، ضد الآخرين وحتى ضد مقدسات الناس وقيمهم التي يعتزون بها ، أنقذوا كرامة الإعلام من سفاهة بعض الإعلاميين ، يعود للإعلام هيبته ووقاره تلقائيا . 

almesryoongamal@gmail.com

twitter: @GamalSultan1