ميراث ثورة يناير الذي يطارد السيسي !

الأحد, 27 سبتمبر 2015 18:31

مرة أخرى يتخذ الرئيس عبد الفتاح السيسي موقف المدافع عن نفسه أمام المجتمع الدولي أثناء زيارته لنيويورك للمشاركة في أعمال مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة ، مرة أخرى يضطر السيسي للدفاع عن موقفه من الأحكام بسجن عشرات الآلاف من المعارضين ، والحكم بإعدام مئات آخرين ، وسجن عشرات الصحفيين والإعلاميين حضوريا وغيابيا والانقسام السياسي المجتمعي في أعقاب إطاحة الرئيس الأسبق محمد مرسي ، ومرة أخرى يضطر السيسي إلى أن يعطي للخارج خطابا مختلفا عن ذلك الذي يعطيه في الداخل ، فيتهرب من أحكام الإعدام ويؤكد لهم من جديد أنها أحكام أولية وقابلة للطعن والنقض والإلغاء لتخفيف وقعها وأثرها ، بينما في الداخل يؤكد على ضرورة الردع السريع وأن تصدر أحكام الإعدام وأن تنفذ أحكام الإعدام في كلمات مشبعة بالصرامة والحسم أمام الكاميرات ، تلك الازدواجية لا يمكن للسيسي أن يخرج منها الآن ، لأنه ـ بالفعل ـ محاصر بهذا الميراث الثقيل من تعقيدات المشهد المصري بعد ثورة يناير وتوابعها والحضور الجماهيري الضخم في الشارع ثم أمام صناديق الانتخابات .

يحاول السيسي الهرب من ضغوط السؤال المنطقي للخارج بأن مسار الديمقراطية في مصر ينتكس وأن القمع والتضييق على الحريات وتهميش المعارضة أصبحت ظواهر لا يخطئها راصد لشؤون مصر ، فيعود إلى استدعاء خطاب مبارك عن الإرهاب وأن مصر تواجه خطر الإرهاب وأن الإرهاب يهدد العالم بأسره ، ولا ينتبه إلى أن الإرهاب الذي يهدد العالم بأسره لم يفلح في وقف مسار الديمقراطية في أي بلد يحترمها ، فهي نظم تحترم حقوق شعوبها وحرياتهم وتقدس دماء أبنائها وقيم العدالة في نفس الوقت الذي تشارك فيه بقوة في حرب الإرهاب .

أيضا ، حديث الرئيس عن أن المشكلة السياسية في مصر هي مشكلة الإخوان ، ثم إضافة أن مشكلة الإخوان ليست مع الحكومة ولكنها مع الشعب ، هو كلام غير دقيق قطعا ، ولا أحد في الخارج يمكنه أن يستوعب أن أحمد ماهر وماهينور المصري وشيماء الصباغ ومئات الشباب والفتيات النشطاء هم من توابع الإخوان ، فمشكلة السيسي السياسية أوسع من موضوع الإخوان ، كما أن مشكلة الإخوان ليست مع الشعب وإنما مع قطاع من الشعب ، هذا صحيح ، ولكن هناك قطاعا آخر من الشعب يتعاطف معهم ، وتحديدا مع الرئيس الأسبق محمد مرسي ، ترفض ذلك أو تقبله تلك مسألة أخرى ، لكن هذا واقع مشاهد رأي العين في كل بيت وكل شارع وكل قرية وكل مدينة مصرية ، وهذا ما نعنيه بوجود انقسام مجتمعي حقيقي لا يناسبه تبسيط الأزمة بهذه الصورة : الشعب ضد الإخوان .

وتبقى قضايا التنمية والعيش الكريم للمواطن التي يكررها الرئيس في كل محفل محلي أو دولي ، تبقى مرتهنة بحل المشكل السياسي ، التنمية ليست فكرة تستنبت أو تزرع في فراغ ، وليست حتى رأس مال ، وإنما هي جهد إنساني صبور ومخلص ودؤوب وقادر على التضحية ، وهذا لا يمكن أن توفره إلا بإعادة وحدة المجتمع وإجماع الأمة حول أهدافها الوطنية الكبرى ، وشعور المواطن بكرامته التي منها يصنع كرامة وطن ، ودون ذلك فأي حديث عن تنمية هو تسالي وأحلام ، وأي حديث عن عيش كريم للمواطن هو خطب مدرسية لا صلة لها بالواقع ولا صناعة المستقبل .

البعض لا يريد أن يصدق أو يرى أو يعترف بأن ثورة يناير كانت منعطفا جديدا في حياة المصريين ، وحدثا فارقا ، وضع بصمته على الجميع ، حتى على مؤسسات الدولة الأمنية ذاتها التي تفاجأ باستدعاء أبنائها لشعارات الثورة في أي مشكلات مهنية بينها وبين قياداتها أو مع جهات أخرى حتى الآن ، كما أن الشعب الذي ذاق طعم الحرية والكرامة وسقف الطموح المفتوح بلا نهاية طوال ثلاث سنوات على الأقل ، يستحيل أن تعيده إلى حظيرة ما كان قبل يناير ، وكلما هربت السلطة من الاعتراف بتلك الحقيقة وتصورت أنها قادرة على السيطرة والتحكم القسري الصارم كلما غرقت أكثر في التخبط السياسي والاجتماعي والذي ينعكس تخبطا في الإدارة والتشريع وكل مفاصل الدولة فيربكها أكثر على النحو الذي نراه كل يوم ، والذي وصل في النهاية إلى الدعوة العلنية لإلغاء الدستور نفسه ، الذي لم يمر عليه أكثر من عدة أشهر .

سيظل "ميراث" ثورة يناير يطارد السيسي ، ويطارد أي سلطة جديدة ، حتى تعود إلى مربط "الرشد السياسي" وتنطلق من هناك لصياغة مستقبل جديد بإصلاحات حقيقية وخريطة طريق تتفق مع تطلعات الشعب المصري .

almesryoongamal@gmail.com

twitter: @GamalSultan1