مرحبا بالعفو السياسى .. ولكن !

الأربعاء, 23 سبتمبر 2015 16:59

أخيرًا، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا بالعفو عن مائة سجين سياسي، من شباب ثورة يناير الذين تم القبض عليهم وسجنهم لتظاهرهم خلال العامين الماضيين، ومن بين من صدر قرار العفو عنهم بعض الشخصيات ذات الحضور بين شباب الثورة، مثل يارا سلام الناشطة والمخرجة وسناء سيف شقيقة علاء وكذلك الشاعر عمر حاذق، الذي فجر قضية الفساد في مكتبة الاسكندرية، والتي ما زال القضاء ينظرها حتى الآن منذ أكثر من ثلاث سنوات، دخل عمر السجن عقبها وقضى سنوات وشهورًا ثم خرج من السجن والقضية الأساسية لم تنته، ويا عالم !، كذلك شمل العفو الرئاسي صحفيي قناة الجزيرة القطرية المتبقي، محمد عادل وباهر محمد، وكانت الأخبار الأولى تتحدث عن العفو عن محمد عادل ـ فقط ـ الذي يحمل الجنسية الكندية، ثم صدر بيان من الرئاسة بعد ساعات يقول إن العفو يشمل أيضًا باهر محمد .

الخبر مبهج، على ضآلته، لكن أي سجين رأي يظل ذكره علقمًا في الحلوق والضمائر ما ظل في السجن، بقدر ما يظل سجنه أيضا ملهما لآخرين بالكراهية للنظام الذي سجنه ويتعنت في الإفراج عنه، ولذلك يكون الإفراج عن سجين واحد فقط مدعاة للبهجة والسرور، والفرح بنيله حريته المستحقة، والفرح بسعادة أهله وأحبابه بخروجه، خاصة إذا كنا في مثل هذه الأيام الطيبة والناس مقبلة على العيد، ويبقى بعد الفرحة بحرية هؤلاء أن نتذكر أن هناك عشرات الآلاف من المصريين يقبعون خلف السجون وفي الزنازين المعتمة وفي أقسام الشرطة ومراكز الاحتجاز المختلفة، لأسباب تتعلق بمواقفهم السياسية وآرائهم أو تظاهرهم من أجل قضايا يرونها مشروعة، وأن هذه الآلاف تشحن صدور ملايين آخرين، من محبيهم أو مؤيديهم أو أهليهم أو أصدقائهم أو المؤمنين بقضاياهم، تشحنها بالغضب والكراهية والتحدي، وهو ما يجعل البلد تدور في حلقة مفرغة من العقاب الجماعي والكراهية الجماعية بلا أفق ولا نهاية .

اللافت في القرار الرئاسي ملاحظتان، الأولى أنه صدر بشكل مفاجئ وبدون الإعلان عنه مسبقًا، وهذه مفارقة غريبة، لأن إعلان الرئاسة ذاتها تكرر في الشهور الماضية عن قرارات بالعفو في مناسبات مختلفة وامتلأت الصحف والفضائيات بالاحتفالات للقرار طوال أيام، ثم يفاجأ الجميع بأنه لم ينفذ أو تم التراجع عنه أو ربما احتمالات أخرى أكثر بؤسا وإحباطا لسبب عدم تنفيذ "قرار رئاسي"، وفي هذه المرة، صدر القرار فجأة وقبل العيد بيوم واحد، ويا مسهل، نأمل أن تنفذ الجهات المعنية القرار الليلة، ويصل هؤلاء "الأحرار" إلى بيوتهم وأحضان أهلهم ليلة العيد، والسؤال هو: لماذا لم يعلن الرئيس عن نيته قبل ذلك كما فعل من قبل؟، وهل أصبح يتشاءم من الإعلان قبلها ثم يعجز عن التنفيذ أو يتراجع؟، الله أعلم .

الملاحظة الثانية، أن القرار صدر قبيل سفر الرئيس إلى نيويورك مباشرة، بيوم واحد، للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالمناسبة، كان الإعلان عن قرارات العفو السابقة التي لم تنفذ يسبق ـ أيضا ـ سفر الرئيس خاصة إلى نيويورك، وهو ما جعل البعض يربط بين العفو والسفر أو مواجهة العالم الخارجي في محفل دولي كبير، وأن قرار العفو قصد منه تخفيف الضغط السياسي والحقوقي والإعلامي الدولي عن الرئيس والنظام ، وليس مبادرة إنسانية خالصة .

على كل حال، خطوة في الاتجاه الصحيح، أو إن شئنا الدقة : تصحيح سياسي لأخطاء سياسية، وأتمنى أن تكون فاتحة شهية "إنسانية" للسيسي تجاه قرارات أوسع وأشمل، لآلاف المسجونين الذين اعترف هو نفسه بأنه مدرك أن بينهم أبرياء، قرارات تنهي الاحتقان في الوطن وتخفف الضغوط والتشنجات السياسية وتقلل من الانقسام المجتمعي إن لم تنهه تماما، غير أن هذا المسار يحتاج إلى مستوى أعلى من الشجاعة السياسية والثقة بالمستقبل ، فهل هذا متوفر الآن في مصر .

almesryoongamal@gmail.com

twitter: @GamalSultan1