معلومات هيكل عن السيسي "الحالم" !

الإثنين, 21 سبتمبر 2015 16:41

اجتمع الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل مع مجموعة من مريديه أمس بمناسبة عيد ميلاده الثالث والتسعين ، وجرت "دردشة" سياسية ، نقلتها لنا بعض الصحف ممن كانوا حاضرين السهرة ، ويمكننا أن نستبعد من الدردشة أي تحليلات لهيكل أو رؤى مستقبلية ، سواء لمصر أو المنطقة ، لأن التجربة أثبتت أنه غير قادر ـ ربما بحكم السن ـ على استيعاب حقائق جديدة أو اختراق آفاق استراتيجية مهمة ، وكل تصوراته التي قالها في السنوات الماضية كانت في الوجهة التي أثبت الواقع أنها خطأ وغير صحيحة .

لكن المهم في جلسة هيكل هي "المعلومة" التي يمكن أن تخرج بها من "ركام" الكلام الأنيق والتحليلات الفارغة ، وهيكل في حديثه أمس قال ثلاث معلومات مهمة عن الحالة السياسية لمصر الآن ، وبشكل خاص حالة النظام السياسي والسلطة ، وهي المنطقة التي تعلق بها هيكل منذ نشأته الصحفية ، فهو صحفي السلطة أو صوتها أو سوطها ، ولما فارقته السلطة كان حريصا على أن يكون مستشارها أو ملهمها أو ناصحها ، ولم يمارس هيكل أي دور معارض للسلطة أو مفارق لها أو متماهي مع الحراك الشعبي ، ناهيك عن الثوري ، وعندما كان يحاصره بعض حواريه في الأوقات الساخنة يشبعهم بالكلام الزئبقي المترف والمنمق والبلاغي الذي يمكنك أن تفهمه على ألف وجه .

ثلاث معلومات أساسية قالها هيكل بشكل غير مباشر ، المعلومة الأولى هي حيرة الرئيس عبد الفتاح السيسي في إدارة الدولة وإحباطه من المفاجآت التي قابلها ولم تكن في حسبانه ، أو كما قال هيكل : (كان عنده تصورات حالمة، لكنه لم يكن يعرف طبيعة الملفات، ويجب أن يتجاوز تلك الصدمة) ، وهيكل عندما يقول هذا الكلام فهو يقول معلومة وليس "تخمينا" أو ظنا ، لأن هيكل على مقربة من السيسي والمجلس العسكري ، والحوار موصول بينهم من قبل مجيئ السيسي للرئاسة ، وبالتالي ، فهذا ما وجده هيكل عند السيسي وليس ما سمعه عنه ، وأذكر أني كتبت هنا من قبل أقول بأن السيسي وأصحاب قرار 3 يوليو ، كانت حساباتهم وتقديراتهم خاطئة ، وهذا ما سبب كل هذا الارتباك في قيادة الدولة حتى الآن ، لم يتخيلوا ردود الفعل بهذا المستوى وبهذا الاتساع والامتداد الزمني والمكاني ، كما لم يتصوروا حجم التوابع الاقتصادية والأمنية المريعة جراء ما حدث ، كانت التقديرات أن الحسم ينتهي خلال أسابيع قليلة ، ثم تهدأ الأمور بعدها ويكون الطريق معبدا وتسيل ربوع البلاد سمنا وعسلا واحتفالات بلا نهاية وتبقى "قد الدنيا" ، وكان السيسي صادقا مع نفسه فعلا وهو يقول : "بكره تشوفوا مصر" ، لأنه كان "حالما" كما وصفه هيكل بدقة ، فلما أفاق من "الحلم" وجد الكارثة .

المعلومة الثانية ، هي إدراك القيادة السياسية الحالية بأننا أمام خطورة كبيرة بسبب الانقسام المجتمعي الحاد ، أو ما يسمه هيكل في سهرته أمس "التفكك" ، ويقول : (لو استمر التفكك فى الجبهة الداخلية فمصر مقبلة على كارثة) ، هذه ليست رؤية هيكل ، وإنما معلومات الأجهزة والدولة التي سمعها هيكل منهم ، ورغم خطورة الكلام ، إلا أني أعتقد أنه أمر إيجابي جدا للسلطة أن تدرك ذلك ، حتى وإن تأخر البحث عن نقطة البداية لوقف الانهيار والانقسام ، المهم أن تدرك أن ثمة أزمة ، وأن مصر لا يمكنها الاستمرار بهذا الانقسام أو "التفكك" الخطير ، لأنها ستكون مقبلة على "كارثة" حسب وصف هيكل ، وهو وصف صحيح .

المعلومة الثالثة في دردشة هيكل ، هو التأكيد على وجود حالة تخبط وتوهان في إدارة الدولة ، أو حسب نص تعبيره : (مصر انتقلت انتقالات مفاجئة.. وممكن أن تتخبط لفترة طويلة.. والوضع معقد جدا، لأن الحقائق تائهة) ، ومرة أخرى أقول : هذه ليست انطباعات هيكل ، وإنما هي ما عايشه وسمعه من قيادات رفيعة في الدولة ، في جلسات صفاء ودردشة وتفريغ مشاعر القلق ، والكلام يعطي انطباعا بأن التوهان والتخبط يمكن أو غالبا سيستمر لفترات طويلة ، وأن الأمور معقدة أكثر مما نراها على السطح .

ما قاله هيكل أو ما نقله عن أجواء الأفكار التي تدور بين صانعي القرار في مصر الآن تشعرنا بالقلق والخوف على البلد ، لأن مصر لا تملك من الطاقة والقدرة والعافية ما يعينها على تحمل استنزاف سنوات ، من اقتصادها وأمنها وسلامها الاجتماعي ، ومصر بلد كبير ، وحمل كبير ، لا يقبل المغامرة أو المقامرة أو المخاطرة ، من أي طرف كان ، وبعيدا عن تجاذبات الانقسام السياسي بين مؤيدي السيسي وخصومه ، فإن المخرج من هذا التخبط والتوهان يستدعي من الجميع التعالي على "ميراث" الانقسام ، والبحث عن نقطة التقاء ، تعيد العافية للوطن ، وتسمح له بإنجاز رؤية وطنية جامعة وشاملة ، تفتح له آفاق النهوض وتدفع به في طريق الإنقاذ ، أما إذا استسلم الجميع للانقسام والتشفي والأحقاد وخيالات نصر ساحق لن يأتي أبدا ، فإننا سنكون بالفعل على أبواب كارثة ، الكل فيها خاسر ، والوطن الخاسر الأكبر .

 

almesryoongamal@gmail.com

twitter: @GamalSultan1