مذبحة الفرافرة .. خطاب للتصدير وخطاب للاستهلاك المحلي

الخميس, 17 سبتمبر 2015 17:50

وكما توقع كثيرون صدر قرار حظر النشر في قضية "مذبحة الفرافرة" التي ذهب ضحيتها ثمانية من السياح المكسيك وأربعة مواطنين مصريين ، بعد ساعات قليلة من وقوع الكارثة ، وقبل أن تتضح معالم أي تحقيق ، وقد تحولت تلك الظاهرة ـ ظاهرة حظر النشر ـ إلى انطباع سائد لدى الجميع الآن ، أن أي حادثة أو واقعة تتعلق بشأن عام أو ورطة يكون طرفها الحكومة أو أجهزة تابعة لها سيتم حظر النشر فيها مباشرة ، بحيث يغيب عن الرأي العام أي معلومات عن الموضوع أو حوارات أو إضاءات إعلامية أو صحفية ، وينتظر الناس البيانات التي تصدرها النيابة العامة فلا يجدون شيئا ، ومن ثم يتحولون إلى المواقع الأجنبية والصحف الغربية لمحاولة تلمس أي معلومات حول الحادثة ، لأن ستائر الصمت فرضت عليها في الداخل .

وزير الخارجية المصري سامح شكري أصدر بيانا في صورة مقال مطول ، ترجمته الخارجية إلى الإسبانية ولغات أخرى لنشره في المكسيك ، تحدث فيها عن الواقعة وقدم العزاء للشعب المكسيكي وأسر الضحايا ، ولكن الذي لفت انتباهي أن خطاب الحكومة المصرية ، ممثلة في الخارجية ، إلى العالم الخارجي كان مختلفا عن خطاب الحكومة وأجهزتها للداخل ، فبينما توالت التصريحات والبيانات الرسمية في الداخل عن أن السياح هم الذين يتحملون المسئولية لأنهم لم يحصلوا على تصريح ، أي أنهم متسللون ، وأنهم اقتحموا منطقة محظور التجول فيها ، وتلك جريمة بنص القانون المصري ، إذا بخطاب الحكومة المصرية ، عبر خارجيتها ، للشعب المكسيكي ، يقول أن جهات التحقيق تبحث في ملابسات الموضوع ، وفي ما إذا كان هناك سوء استخدام للقوة في التعامل مع الموقف وأن المعلومات ستوضح للرأي العام المكسيكي أولا بأول ، وابتعد بيان الحكومة المصرية الذي أعدته للتصدير في الخارج عن أي اتهام للسياح بأنهم دخلوا مناطق محظورة أو أنهم لم يحصلوا على تراخيص ، وهكذا أصبح للواقعة خطابان ، خطاب للشعب المكسيكي وخطاب للشعب المصري .

قرار النيابة بحظر النشر سيكون مربكا هذه المرة ، وللسبب نفسه ، لأن هناك طرفا دوليا خارجيا معنيا بالحدث وتوابعه ونتائج التحقيق وهو غير معني بأي قرارات لحظر النشر عنه ، لأن الشعب المكسيكي والحكومة المكسيكية تنتظر عاجلا معلومات كاملة عن الحادث ونتائج التحقيق ، والأحزاب والقوى الشعبية هناك تضغط على الحكومة لمعرفة الحقيقة أولا بأول ، ووزيرة الخارجية أتت بشكل عاجل في زيارة للقاهرة قابلت فيها الرئيس السيسي نفسه ، ومعها أهالي وأسر الضحايا ، حيث تم استقبالهم في صالة كبار الزوار ! ، لكن هؤلاء لا يعنيهم نوع الصالة ، وإنما يعنيهم الحقيقة في دماء أبنائهم ، وهي ورطة لا أعرف كيف تتم تسويتها وكيف يتم الخروج من توابعها .

الصحافة المكسيكية تتابع وتنشر ولا تعبأ ، والصحافة المصرية تلتزم بعدم الخوض في مجريات التحقيق ، وإن كانت بعض الصحف تنشر تسريبات مجهولة عن مسئولين في الداخلية أو "الغرف السياحية" تصر على إدانة السياح وتبرئة الحكومة ، وتتحدث عن أن رحلة السياح كان تصريحها لحافلة من عشرة أفراد لكنهم غيروا الحافلة وغيروا المسار ، وذلك فيما يبدو محاولة لاحتواء ما صرحت به مصادر قضائية من أن السياح كان يحملون تصريحا برحلة السفاري ، وهو الكلام الذي أحرج الداخلية التي بدت مرتبكة في بياناتها حول الحادثة منذ البداية ونفت أنهم يحملون تصريحا بالسفرة .

نتصرف في مختلف شؤون الدولة تصرفات عفوية أو عشوائية وغير مدروسة ، ومتعجلة ، وعندما يقع الخطأ من جراء ذلك نحاول احتواء الخطأ بتصرف آخر عشوائي هو الآخر وغير مدروس فيتعاظم الخطأ ، وهكذا نظل نهرب من ورطة إلى حفرة ومن زلة إلى سقطة ومن مصيبة إلى كارثة ، وهذه دائما من أمراض وعلامات المراحل الانتقالية القلقة .

almesryoongamal@gmail.com

twitter: @GamalSultan1