أهمية حضور حزب النور في الحياة السياسية الآن

أهمية حضور حزب النور في الحياة السياسية الآن
 
جمال سلطان
الخميس, 15 أكتوير 2015 15:43

بعيدا عن الاتفاق أو الاختلاف مع حزب النور ، والذي أعتبر أنه أخطأ كثيرا بسبب حداثة عمره السياسي وغياب الخبرة المتراكمة ، لأنه ولد بعد أشهر قليلة من ثورة يناير التي فوجئ هو نفسه بها ، أي أن عمره أقل من أربع سنوات ، وهي قليلة في المعيار الحزبي ، إلا أني أعتقد أن تقييم دور الحزب ومستقبله هي مسألة مهمة للمسار السياسي والوطني في مصر بشكل عام ، وينبغي أن يتم التعامل معها بعيدا عن التجاذبات والمشاحنات والاستقطابات الخاصة بمرحلة ما بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي ، والحقيقة أنه لا يوجد حزب سياسي مشارك في الانتخابات البرلمانية الحالية يتعرض لحملة تشهير وتحريض بهذا العنف واسع النطاق مثل حزب النور ، والحملة ضد حزب النور ليست وقفا على حزب المصريين الأحرار وراعيه المهندس نجيب ساويرس فقط ، وإن كان الهجوم من هذا الطرف متكررا ومثيرا للغرابة ، ولكن الهجوم على الحزب يأتي من الإعلام الحكومي نفسه ، فضائيات وإذاعات وصحف رسمية مملوكة للدولة أو تحت وصايتها وإدارتها ، كما يأتي من الصحف والفضائيات الخاصة المملوكة لرجال أعمال لهم طموحات أيضا في الانتخابات الحالية .

الحملة العنيفة على حزب النور تعطي انطباعا لا يخطئه المراقب السياسي بأن الحزب مؤهل للحصول على حصة غير صغيرة في كعكعة الانتخابات الجديدة ، لأنه لو كانت مشاركته تافهة وغير مؤثرة لما شغل كل هذه المساحة الإعلامية واسعة النطاق ولما حظي بكل هذا العنف ، وبدون شك ، في الأجواء التي تنحسر فيها نسب المشاركة لحدود متدنية للغاية كما هو متوقع ، ما لم يتدخل البعض لتحسين الصورة ! ، فإن القوى الأكثر تنظيما وتماسكا تنظيميا ، والأكثر حضورا في رؤيتها السياسية وما تطلبه من اللحظة الحالية ، تكون هي الأكثر قدرة على تحقيق المكسب والوصول إلى المستهدف من المشاركة ، وبالنظر للخريطة السياسية الحالية لا تجد أي رؤية لأي حزب يمكن فهمها أو معرفة هدفه من المشاركة ولا حتى المساحة المستهدفة ، باستثناء حزب النور ، وأيضا حزب المصريين الأحرار ، وهذه تحسب له أيضا ، رغم أي خلاف ، أما كل ما ينضوي تحت شعارات مصر وحب مصر فهي مجرد مظاهرة برلمانية تأمل في أن تكون ظهيرا للرئيس وحامية لسياساته لا أكثر .

وكما قلت سابقا ، فحزب النور غير مرغوب فيه لدى قطاع واسع من الدولة العميقة ، وأجهزتها وإعلامها ومؤسساتها ، ولكن السلطة الحالية في حاجة إليه ، لأنه يملأ مساحة مهمة من الفراغ الذي كان يشغله الإخوان ، والإخوان يدركون ذلك أيضا ، ولذلك فحملتهم العنيفة ضد حزب النور ، ليست فقط لموقفه المؤيد لعزل مرسي ، وإنما أيضا ، وبالأهم ، لأنه يستفيد من الصدام السياسي العنيف ويشغل المساحة التي كان الإخوان يشغلونها عادة في البرلمان أيام صدام السلطة مع الجماعات الإسلامية الأخرى في عصر مبارك ، كما أن الدولة بحاجة إلى إعطاء رسالة للخارج والداخل بأن موقفها ليس ضد الإسلام والإسلاميين ، وإنما ضد قطاع منهم ، وهي رسالة تتحقق ـ نسبيا ـ بوجود ومشاركة حزب النور في الحياة السياسية الحالية ، كما أن الحزب يدرك أن مساحة الحراك والمناورة أمامه محدودة ، وأن الأسنة والسكاكين مسنونة له وتتحين الفرصة لضربه أو إسقاطه والتنكيل به ، وأزعم أن قطاعا واسعا من القوى المدنية التي ترفع شعارات التنوع والتعددية والقبول بالآخر والمشاركة للجميع ، ستكون أول من يصفق ويحيي الدولة إذا بطشت بحزب النور ، بحق أو بباطل ، ويجتهد هؤلاء كثيرا في محاولات ضرب الحزب بالسلطة والوشاية بين الطرفين ، بل هناك من يتحدث بفجاجة عن أن النور هو الوجه الآخر للإخوان ، وهي لغة تحريضية رخيصة .

الانتخابات البرلمانية الحالية لا تستحق هذا العنف وذلك الغضب كله ، لأنها بلا منافسة سياسية حقيقية ، هي انتخابات بين الأحزاب المؤيدة للرئيس ، الفارق أن ثمة حزبا يؤيد بشدة وآخر يؤيد بهدوء !! ، كما أنه من الواضح أن الشعب يعطي ظهره لتلك الانتخابات ، وهو مؤشر مهم وخطير لو أدركت السلطات الحالية رسالته بعيدا عن العنجهية التي كان يتحدث بها رجالات مبارك في العام الأخير ، ولكني أعتبر أن مشاركة حزب النور فيها وتحقيقه حضورا في البرلمان المقبل هو حيوي ومهم للتطور السياسي في مصر بشكل عام ، فالنور يمثل القطاع الأهم من التيار السلفي ، وهو تيار كان مهمشا سياسيا ، ومحصورا في الزوايا والمساجد وحلقات العلم الديني وخطاب ديني تنظيري منعزل عن الواقع ، رغم أنه تيار يقدر أتباعه بالملايين ، وكان هذا التهميش يجعل من وعي السلفيين بقضايا الشأن العام وعيا مشوها ومغلوطا ، يشوبه التشدد والمغالاة والبعد عن الإحساس بالمسئولية تجاه الدولة والمجتمع والناس ، يسأل أحدهم عن السياحة فيفتي على الفور بأنها حرام وبوابة للتغريب والخنا ، ثم يعود إلى بيته مستريح البال والشريط المسجل يدور في ربوع مصر ، الآن لا يمكنه أن يفعل ذلك ، لأنه ينتظر السؤال التالي : كيف يرعى الحزب اثني عشر مليون مواطن مصري يتعيشون من السياحة بشكل مباشر أو غير مباشر خاصة إذا كان شريكا في الوزارة أو تولى لجنة برلمانية مهمة تتصل بالسياحة ، وهذا ليس فرضا جدليا ، بل هو واقع حقيقي حدث بالفعل خلال السنوات التي أعقبت ثورة يناير وفي أول برلمان لها ، حيث حدثت ثورة فكرية حقيقية في وعي قيادات حزب النور ، وتغيرت قناعات كثيرة وتبدل الخطاب الدعوي بصورة واضحة ، وما زال حتى الآن يتغير ، لأن الاشتباك مع "فقه الواقع" يختلف عن اجترار النص الفقهي المجرد وإلقائه على الواقع ببساطة وباستهتار .

انخراط حزب النور والتيار السلفي في الحياة السياسية سيحدث ثورة حقيقية في الفكر الديني في مصر ، ويحقق "تجديدا في الخطاب الديني" بدون نظريات وتنظيرات وفذلكات نخبة متعالية ومخاصمة للتدين أصلا ، كما أنه غني عن البيان هنا أن هذا الاشتباك السياسي من شأنه أن يجفف مساحات واسعة من أرض التطرف الفكري والغلو والعنف ، وأعتقد أن أحد أهم وأخطر ما يمكن أن تحققه مشاركة حزب النور في الانتخابات هو هذا التطور السياسي السلمي والناضج لدى التيار السلفي ، أما الأثر السياسي المباشر فهو ضعيف ومحدود للغاية ، لأن الأجواء كلها لا تساعد على شراكة سياسية كاملة وحقيقية ، هو أشبه بمران أو مباريات ودية للقوى السياسية للحفاظ على بقية اللياقة من الترهل والانقطاع ، أما "الدوري السياسي" الحقيقي فهو غير موجود ، ولكنه مقبل بكل تأكيد ، وخلال وقت لا أعتقد أنه سيطول .

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة