عواقب تراجع أهمية الدور المصري لدى الخليج

عواقب تراجع أهمية الدور المصري لدى الخليج
 
جمال سلطان
الثلاثاء, 13 أكتوير 2015 17:53

تقترب ليبيا من مصالحة وطنية شاملة تنهي شهورا طويلة مما يشبه الحرب الأهلية التي أشعل سعارها بالأساس تدخل إقليمي وخليجي لمحاولة فرض نمط "عسكري" جديد ينهي الثورة الليبية ويحبط ربيعها العربي ، المبعوث الدولي الإسباني النشيط والصبور وصاحب البال الطويل "برنارد ليون" نجح في النهاية في أن يتوصل إلى حكومة وحدة وطنية ، في هيكلها الأساس والمهم رغم مماحكات لا جدوى منها لبعض المتشددين في هذا الطرف أو ذاك ، وتم تحديد رئيس للحكومة محايد ومجمع عليه ، ويفترض أن يبدأ المسار قريبا في توحيد الجهاز الإداري والأمني والاقتصادي للدولة ، والشروع في خطط طموحة وضخمة لإعادة بناء البلاد وبناء مجتمع ليبي جديد يليق بشعب بذل الدم من أجل الحرية وناضل في سبيلها بكل بسالة ، ومن حقه أن يستمتع بخيرات الله التي وهبها لبلاده بعد أن كانت منهوبة للقذافي وعصابته وأنجاله .

التوافق الوطني الليبي ، والذي يحظى بدعم أممي قوي وحاسم ، أنهى ـ تقريبا ـ أحد أهم أوراق الديبلوماسية المصرية في المنطقة ، حيث كانت مصر تراهن على الجنرال خليفة حفتر بغطاء من برلمان طبرق المنحل والذي تنتهي فترة صلاحيته الدستورية فعليا الأسبوع المقبل ، ولم يعد أمام مصر الكثير من الأوراق لكي تلعب بها في ليبيا ، خاصة بعد التهديدات الحاسمة والخطيرة من مجلس الأمن بمعاقبة أي شخص أو دولة أو جهة تعطل مسار التوافق في ليبيا ، وهو أمر ستأخذه الإمارات مأخذ الجد ، ومن الآن فصاعدا سيكون على صاحب القرار في مصر أن يعيد ترتيب أوراقه ويتأهب للتعامل مع حكومة ليبية وطنية واحدة في العاصمة طرابلس يشارك فيها الإسلاميون بمن فيهم إخوان ليبيا بطبيعة الحال .

وفي تونس مضى مسار الديمقراطية الضعيف في طريقه ، ورغم هشاشة البنية الاقتصادية والأمنية إلا أن تونس تجاوزت ـ عمليا ـ مرحلة الانقلابات أو الإطاحة بالمسار الديمقراطي ، وهناك توازن قوى سياسي معقول لحد كبير ، كما أن المجتمع المدني قوي ، وجاء نيل بعض قطاعاته لجائزة نوبل العالمية للسلام بمثابة دعم معنوي وسياسي كبير لاستمرار المسار ، وهناك تسليم خليجي وعربي كامل الآن بترك المسار التونسي يأخذ مداه ، بعد "الهوجة" الإماراتية والتي لم تثمر إلا في تعديل ميزان القوى في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وفشلت في فرض مسارات عسكرية وانقلابية في البلاد .

في سوريا تعرض الموقف المصري لهجوم قاس وعنيف ومستحق من قبل مراجع خليجية وإعلاميين من المؤيدين لمسار 30 يونيو وليس من المحسوبين على الإخوان والإسلاميين ، خاصة بعد إعلان تأييدها للعدوان الروسي هناك ، وبعد التدخل الروسي أصبح هامشيا أي حضور لأي قوة إقليمية أخرى ، بما في ذلك مصر ، كما أن العدوان الروسي بعنفه وضراوته جعل المجتمع الدولي ـ كما قال الوسيط ديمستورا ـ أحوج ما يكون إلى إنجاز تسوية سياسية لإنهاء المأساة في سوريا ، وهناك إجماع على أن نظام بشار انتهى ، والخلاف في التفاصيل ، كيف يتم إبعاده بأقل الأضرار على استقرار الدولة السورية وكيف يتم نقل السلطة لهيئة انتقالية بصورة آمنة ، وفي كل الأحوال ، فإن مصر تبدو "مشلولة" حاليا تجاه الملف السوري ، وبعد أشهر قد لا تطول ستصبح هي الأخرى مضطرة لمراجعة حساباتها والتأهب للتعامل مع سوريا جديدة ، سيكون الإسلاميون ـ بكل تأكيد ـ أحد أعمدت نظامها السياسي الرئيسية .

في الملف اليمني تراجع الدور المصري بصورة واضحة ، وبدا أن الرياض وأبو ظبي قررتا قيادة التحالف العربي بعيدا عن مشاركة مصر الرمزية ، وقدمت الإمارات تحديدا تضحيات بشرية خطيرة ، توابعها النفسية والمعنوية تجاه "الشركاء" الآخرين ستكون حاضرة في الحساب الختامي لمعركة استعادة الشرعية في اليمن ، كما أن الاعتماد بشكل أساس الآن ـ وفي الرؤية السعودية ـ هو على أبناء اليمن الذين يتم تدريبهم بشكل جيد وتسليحهم ونقلهم للمواجهة بدعم قوى من التحالف .

ومع تفجر الانتفاضة الجديدة في فلسطين ، بدأ الأمر يضيق أكثر على الموقف المصري الذي يشدد الحصار على الفلسطينيين في قطاع غزة ، وبعد التوترات الشديدة التي حدثت مؤخرا تقلص النفوذ المصري في الداخل الفلسطيني ، وتعاظم الرهان الإسرائيلي على التعاون مع مصر في أكثر من ملف ، وبالتالي تتعرض مصر حاليا ، وبعد انتفاضة ، السكاكين لحرج سياسي خطير ، يؤثر على ورقتها الأخير والأهم تجاه المجتمع الدولي ، وهي ورقة العلاقات الفلسطينية والإسرائيلية .

يبدو واضحا من مسار الأحداث في المنطقة العربية أن "الدور المصري" أصبح يتجه نحو التهميش ، خاصة بالنسبة للخليج ، فقد كان هناك قلق خليجي في أعقاب الربيع العربي ، اندفعت فيه عواصم بفعل "الخوف" للتحالف مع السيسي والمجموعة الجديدة لوقف التداعيات التي تراها سلبية وتخفيف الزخم ، في تونس وليبيا ومصر واليمن وسوريا ، الآن اختلف الأمر تماما ، واتجهت الملفات إلى وجهة أخرى ، وانفرط عقد هذا التحالف عمليا ، بل وصل إلى حد التضارب الخطير أحيانا ، على النحو الذي حدث تجاه الملف السوري ، وهو ما جعل "الحاجة" الخليجية إلى القاهرة أقل كثيرا من عامين سبقا ، أضف إلى ذلك إحباطات خليجية من تخبط سياسي بالقاهرة ، وغياب الرؤية في الداخل والخارج ، والغموض الذي يشي بمفاجآت قد تكون مربكة لعواصم خليجية ، وتعاظم "فاتورة" الرعاية ، وطول وقتها بصورة لم تكن متوقعة وبدون أفق قريب للخروج من نفقها ، وفي ظل متاعب اقتصادية خليجية في تراجع سعر النفط واتساع الإنفاق على أكثر من حرب تخوضها دوله .

هذه التطورات الإقليمية تزيد من متاعب السيسي في مصر وتحاصره فعليا وتضيق الخيارات أمامه ، خاصة وأنه يعاني اقتصاديا بشكل خطير ، ويصعب توقع أن تتدفق أنهار الدولارات من جديد من العواصم الخليجية ، وربما كانت بعض العواصم الخليجية تتعامل مع الحالة المصرية الآن باعتبارها مرحلة انتقالية تتخللها شكوك في إمكانية استمرارها وفق هذه المعطيات .

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة