مبروك لـ تونس الخضراء والساحرة..!

مبروك لـ تونس الخضراء والساحرة..!
 
طه خليفة
السبت, 10 أكتوير 2015 15:46

مبروك لتونس فوز لجنة الحوار الوطني بجائزة نوبل للسلام لعام 2015. فوز مفاجئ، لكنه مستحق. شكرا للجنة منح الجائزة على رؤيتها في الاختيار، والذكاء في تحديد الفائز، والحياد والموضوعية في منح الجائزة هذا العام. وشكرا لها مرة أخرى لأن كثيرين لم يكونوا يعرفون شيئا عن وجود هذه اللجنة ولا الدور الوطني الذي قامت به لإنقاذ تونس من الانزلاق في أتون الصراع المدمر ووأد تجربتها الديمقراطية في مهدها. وشكرا ثالثا لأن هذا الفوز رسالة لبلدان الربيع العربي التي انتكست أو انكسرت تجاربها أو لم تكتمل ومازالت تنزف دما لأسباب مختلفة بأنه كانت هناك مسارات أخرى لمعالجة الأخطاء عبر مزيد من الصبر والحوار والتوافق الوطني، والرسالة موجهة أيضا إلى نخب تلك البلدان الذين فشلوا حيث نجح التوانسة، والذين لم يمتلكوا حسا ورؤية وزهدا وطنيا ونوايا صادقة وخالصة وإبداعا ليفعلوا كما فعل أعضاء اللجنة الرباعية من قيادات حقوقية ونقابية مؤدلجة مسيسة مثقفة فاهمة واعية وليست قيادات جاهلة سطحية مسطحة مسكونة بإرث الذلة والخنوع  للاستبداد ولو لم يُوجد لبحثوا عنه أو صنعوه.

تونس مهد الثورات العربية، التجربة الوحيدة الأنجح في الربيع العربي، تونس تبني ديمقراطية تعددية توافقية تقوم على الحوار وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية أو الفردية الضيقة قولا وعملا.

تونس لا تكذب ولا تتجمل في طريقها الديمقراطي، وجهها مشرق في ميلها ونزوعها لتكريس تجربة وحيدة مشرفة عربيا بمدنييها غير الكارهين وإسلامييها المستنيرين، المدني والإسلامي تجمعهما روح التعاون والتفاهم من دون خناجر مختبئة في طيات الملابس، أو تحت طاولات حوار مزيفة، في تونس ثقافة حوار وجدال وعقل منفتح نقدي، ليس شرطا أن يهيم الفرقاء حبا في بعضهم البعض، لكنهم لا يكرهون بعضهم البعض لأجل العداوة والخلاص الكامل من الخصم، ليس في عالم السياسة حب ولا كره إنما أفكار ومصالح وتعارض آراء وصراع على تقديم الأفضل للشعب ولتعلية البناء الديمقراطي وصيانة الحريات، لامجال  للإقصاء والعزل والسحق والشطب من الوجود على خارطة العمل العام، إنما التقارب والتوافق على مشتركات، ولتبقى الخلافات السياسية والفكرية والأيدلوجية قائمة، فليس مطلوبا أن يكون الجميع عقلا واحدا وحزبا واحدا وفكرة واحدة ولباسا واحدا فهذه وصفة الاستبداد، وبذور الطغيان، وتربة صالحة لنمو الحاكم الفرد.

واجهت تونس نفس المصاعب التي واجهتها كل بلدان الربيع العربي، لكنها استعصمت بروحية الحوار والتوافق وأمسكت بجوهر الثورة وهو ألا يطل الاستبداد مرة أخرى، ونبع ذلك من إدراك ثقافي وسياسي عميق بأن التجربة لو انتكست في رعاية الأمل البازغ من أحضان ثورة الياسمين ومن دماء الشهداء وأحلام الفقراء وأماني النخبة لتنسم هواء حر نظيف في بلد جديد لكانت تونس اليوم شبيه بشقيقاتها العربيات من الجار القريب إلى البعيد، صراعات وأزمات مستحكمة ودماء تُراق في الشوارع وعلى الأرصفة وفي المعسكرات ومراكز الشرطة وساحات حروب واقتتال أهلي وإقليمي وبراميل متفجرة وفظائع غير مسبوقة وتدخلات دولية من الغرب والشرق وشعوب تُباد وبلدان تُهدم وخرائط تقسيم تُرسم وتُجهز، وخوف وتخويف وعنف وإرهاب وترهيب وقمع وتنكيل ومصادرة وتصدير للأزمات وتلاعب بالعواطف ولعب بأوتار احتياجات الناس ودعايات سوداء وتحريض وكراهيات وثارات وضباب ودخان أسود ونار ورماد وجحيم وعذاب.

كانت خطوات تونس أبطأ من مصر في بناء الديمقراطية الوليدة. كانت مصر أكثر عجلة واشتياقا. تونس كانت أهدأ وأكثر ذكاء في بطئها، ومصر كانت أكثر صخبا في تسرعها، نخبة تونس ومن وراءها شعب يتمتع بقسط وافر من التعليم والثقافة والوعي كانوا حريصين على سلامة وصول المركب للشاطئ لأنهم جميعا مستفيدين من تماسكه وأمانه متضررين من جنوحه، في مصر كان ركاب المركب متشاكسين غير مدربين على معنى الاختلاف غير حريصين على سلامة المركب ولا بلوغ الشاطئ، كل واحد منهم كان يريد أن يلقي بالآخرين إلى قاع مظلم سحيق ويبقى هو وحده ظنا منه أن الحكم فريسة سيلتهمها بمفرده، الديمقراطية أعظم وصفة إنسانية لتنظيم الخلاف لم تفلح في تنظيم الخلافات والتناقضات في مصر، هم لا يؤمنون بالديمقراطية، ترتفع بها عقيرتهم زورا وظلما وعدوانا عليها، لم ينشأ أي منهم على ديمقراطية في حزبه أو جماعته أو بيته، في تونس لهم تراث من الحياة المتمدينة، ولهم احتكاك بفرنسا والغرب واستفادوا من أجواء الحريات وتقبل الآخر والتعايش معه.

في تونس لم تكن هناك قوى طامعة ولا طامحة للاستحواذ وحدها على السلطة، قوى تنتظر تعمق الخلاف بين الفرقاء لتكون هى المنقذ وتستعيد ما كاد يفلت من بين يديها، تونس ليست وزنا إقليميا وشرق أوسطيا ثقيلا لذلك لم تنشط فيها قوى العداء للديمقراطية عابرة الحدود لتدمير تجربتها، إسلاميو تونس حباهم الله بالعقل والفكر وسعة الصدر والأفق وفهم العالم والحداثة ومعنى التعايش، وكان لهم دور بارز في عبور أشد الأوقات صعوبة، وإنقاذ العربة قبل أن تسقط من فوق الجسر، وتفويت الفرص إقليميا ودوليا لإجهاض حلم مازال في المتر الأول له، أما في مصر فقد غلب عليهم غياب الرشد وفقدان الخبرة السياسية وضيق الأفق والتهور وشهوة الاستحواذ على السلطة بدل التأني وإثبات الجدارة والكفاءة وبناء الثقة بعد تدريب وتعليم، وخصومهم لم يكونوا بأحسن منهم فهم نموذج للحماقة وقصر النظر والتسلط والمتاجرة بقيم الديمقراطية، والطرفان نجحا في صنع الأزمة التي عطلت بناء ديمقراطية ناشئة حقيقية.

مبروك لتونس الخضراء الساحرة المتألقة، المهم أن تظل سائرة على طريقها وأن تتجاوز عوائقه ومصاعبه مهما كان حجم التحديات والمخاطر والمؤامرات.

 

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus