عدو الشعب..!!

عدو الشعب..!!
 
د. هشام الحمامي
السبت, 03 أكتوير 2015 15:29

بعد كل هذه الدماء وكل هذا القتل والاستباحة والعربدة من حاكم تجاه شعب.. سمعنا أن بشار الأسد يربط وجوده في السلطة أو مغادرتها بإرادة الشعب.. بغض النظر عن حجم الوقاحة فى تصريح بهذا المعنى ومن هذا الحاكم تحديدا.. إلا أنه لفت نظرى فى الجملة كلمة(الشعب) .. ياهول الهول ويا دهشة الدهشة ألازال أحد فى هذه الدنيا يتحدث بهذه الطريقة وبهذه المفردات التى كانت من  أسمى شعارات المشروع القومى العربى الذى بدأ من أوائل الخمسينيات..(الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب) وصدق الناس ذلك ولم يسألوا ما هى الحرية ؟ ومن هم أعداء الشعب ومن هم أصدقاؤه؟ والأهم من هو الشعب؟.                                                                                                                     

السؤال قد يبدو غريبًا ولكنه للأسف واقعى جدًا بل شديد الواقعية.. فالحديث عن الشعب بهذه الطريقة العشوائية  أصبح أمرًا ممجوجًا ومثيرا للاشمئزاز .. كنا نسمع الأخ العقيد وهو يتحدث عن أنه لن يسمح لأحد بسرقة (السلطة) من الشعب.. وأخذ على عاتقه حماية الشعب من السرقة أربعين عاما !.. وحتى الآن الأخ بشار ومن قبله والده الكريم فى السلطة بإرادة (الشعب ) من نفس التوقيت تقريبا.. وهكذا قال على صالح من قبل.. ومن قبل القبل قالها الرئيس الأسبق ج.ح.عبد الناصر بل يكاد يكون هو أول من استخدم تعبير الشعب على هذا النحو الهلامى اللذيذ.. الشعب هو القائد.. الشعب هو المعلم .. كلها كانت من مفرداته الأثيرة ..                                 

كلهم كانوا قوميين وكلهم أذلوا الشعب وكلهم دمروا السلطة.. صاحب مقولة الشعب هو القائد وهو المعلم .. فشل فشلا مريعا فى إقامة نظام سياسى حازم يستطيع أن يكون أقوى من الأفراد ويبقى بعد رحيل الزعيم خالد الذكر .. منع المصريين منعًا باتا من أن يسلكوا سياسيا من خلال أحزاب وجماعات.. فقط علاقة الراعى – التابع .. على نحو أسوا كثيرا مما كانت عليه وقت النظام الملكى الذى كانت ملكية الأرض والثروة القلب الصلب فى تحديد هذه العلاقة.. غابت الأرض والثروة وحلت محلها علاقة تبعية جديدة قائمة على الاحتكاكات الاستراتيجية بالشلل والجماعات الذين لهم نفعهم فى الحياة العملية .. تبعية أكثر مذلة ووضاعة من التبعيات القديمة وقت النظام الملكى .. ومن خلال ذلك تكونت (الشلة العميقة) المركزية التى منعت بكل الوسائل اكتمال النمو المجتمعى.. ومنعت بكل الوسائل تكوين(روابط أفقية) بين الشعب.. فقط مشاعر (الولاء الرأسي) تجاه السلطة.. توزع الشعب فى بناءات سياسية جريمة كبرى .. تحرم (أصحابنا) إياهم من التحدث باسم الشعب على النحو الذى اعتادوا عليه.. يريدونه مفككًا.. منحط المعرفة.. عديم الاستقرار دائمًا مهددًا دائمًا خائفًا مفزوعًا مرتاعًا.                   الروابط الأفقية تضعك أمام كيانات قوية صلبة منظمة مستقلة متجددة تتكون من مراتب وأجزاء تتفاعل مع بعضها داخل حدود واضحة وتنتج كوادر وقيادات سياسية وفكرية وتمد الدولة والأجهزة بالكفاءات المجردة من الصلات الوصيلة بشبكة العلاقات والرجال الأقوياء فى (الشلة العميقة)..                                                     

   لن يكون هناك شعب مبعثر تائه فى الظلمات يلتمس الرعاية والأمان من سيده الذى يسخر منه ويقول له (أنت القائد  أنت المعلم..).

 

الأستاذة لميس .ج كاتبة المسلسلات المعروفة استخدمت نفس اللغة البالية العتيقة حين سمعت حديثا عن التصالح وإعادة ترتيب الجماعة الوطنية وفق المفهوم العام للمجتمعات المتماسكة.. وقالت (مافيش مشكلة بين الحكومة والإخوان.. المشكلة بين الإخوان والشعب.. حين يتصالح الإخوان مع الشعب.. وقتها قد يكون هناك كلام عن مصالحة وسلام اجتماعى) وهاجمت الدكتور عبد المنعم ابو الفتوح بشراسة ملحوظة حين تحدث ذات مرة عن التماسك الاجتماعى ووحدة الجماعة الوطنية باتجاه الحركة نحو المستقبل واتهمته الاتهام التقليدى أنه إخوان وأنه ظهيرًا أيسر أو أيمن_لا أذكر_ للجماعة ..

الأستاذة لميس .ج لها مشكلة شخصية مع الإسلام وهذا حق لها ولكل الذين لا يدينون بالإسلام.. وطبيعى أن تكون لها مشكلة مع دين لا تراه جديرًا بإيمانها العميق!! .. وإلا لكانت سارعت للإيمان به ..سؤإلى هو: لماذا يدفع الوطن ثمن سجالاتك الدينية؟ ونحن نرى المصرى الأصيل الصادق ينحى كل المذهبيات الطائفية جانبًا حين يتعلق الأمر بوحدة (الجماعة الوطنية).. ثم من هو الشعب الذى تتحدثين باسمه؟. هل هو المجلس المحلى لمركز(سينتواى) مثلا ! أم هو نقابة العاملين فى المقاولات العمومية؟.

أتراكِ تتحدثين عن نسبة الـ 49% التى لم تنتخبهم فى الانتخابات الرئاسية؟.                                       

  إذاً كان الصدق والشرف والأمانة يقتضوا منك أن تقولى أن الإخوان لهم مشكلة مع 49% من الشعب.. وهذه مشكلة حقيقية بالفعل أن تكون هناك (دعوة دينية ) لها هذا العمق التاريخى فى وجدان أجيال متتالية وتخسر نصف أصواتهم الانتخابية حين تخوض أنزه انتخابات سياسية مرت بها البلاد فى العقود الأخيرة  .. وهذا موضوع مركب أدعوا كل المهتمين بالعمل الوطنى على اختلاف مجالاته إلى فتح نقاش واسع حوله .. 

 

هل خسارة نصف الأصوات الانتخابية تنزيها للجماعة عن التفاصيل اليومية للعمل السياسى التى تستغرقها بعيدًا عن دورها الدعوى والتربوى كضمير هادئ ومنير لجموع الناس؟                                         

 هل تلك الخسارة تعبر عن ضعف قناعات المصريين بالدين وحركته فى المجال العام؟                       

 هل تعبر عن انتماء المصريين سياسيًا لأفكار ومذاهب بعيدة بطبيعة تكوينها عن الفكرة الدينية؟             

 كلها أسئلة مهمة وخطيرة ومطلوب الإجابة عنها  بتفصيل وهدوء وعمق يتناسب مع حجم التجربة .

كل هذا فى جانب واتهام د. استوكمان بأنه (عدو الشعب ) فى جانب آخر تمامًا.. والدكتور هو بطل مسرحية العبقرى النرويجى هنريك ابسن(1828-1906م) المسماة بنفس الاسم .. كيف تحول الدكتور الطيب الوديع إلى عدو للشعب ..؟ تقول الحكاية إن الدكتور استوكمان اكتشف أن حمامات البلدية الصحية والتى اكتسبت منها المدينة شهرتها وسمعتها .. اكتشف أن الحمامات لم تعد تصلح للاستعمال.. ويبلغ الجهات المختصة.. فيقترح عليه رئيس البلدية ألا يذيع هذا الخبر!.. مؤكدًا له أن الناس ستتولى علاج مشاكلها.. لكن الدكتور(عدو الشعب)! يصر على نشر الخبر ..وأمام عناده يؤلب رجال البلدية عليه (الأهالي) فيرمونه بالحجارة ويصفونه بأنه (عدو للشعب) بعض النقاد يرون فى الموقف الأمين للدكتور استوكمان  فيه شىء من سوء التدبير إذ كان عليه أن يعالج الموضوع بطريقة أكثر حكمة وهدوءًا.. والبعض الآخر يرونه أقوى رجل فى العالم إذ قرر أن يقف وحيدا أمام الجميع:  رئيس البلدية و(الشلة العميقة) والغوغاء ..

 

 وكان جديرًا باللقب الأسطوري الذى سبق وأطلقه ج.ح.عبد الناصر والقذافى وبشار وصالح على كل من يجرؤ وينادى بتنظيف الحياة السياسية من القاذورات .

يا د.استوكمان.. يا أملا تبسما.. يا رشفة على ظمأ.. يا طائرًا مغردًا مرنمًا.. ما حط حتى حوما.

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus