فجيعة ( الأقصى ) ...و منسوب الرجولة !

فجيعة ( الأقصى ) ...و منسوب الرجولة !
 
د. حسام عقل
السبت, 26 سبتمبر 2015 16:12

حين أتحدث عن ( منسوب الرجولة العربية ) الذي تقلص لما يقارب التلاشي , فلا أعني بها ( الرجولة ) التي ( تقابل الأنوثة ) , و إنما أعني الرجولة التي ( تصاحب الأفعال الفذة المجيدة ) ! و هو المعنى الذي دار في القرآن الكريم فلم تذكر اشتقاقات ( الرجولة ) إلا مقرونة ب ( فعل مجيد كبير ) يستثير الإكبار و ينتزع الإعجاب انتزاعا و يجبر المحيطين على نسبة الرجولة للفعل و صاحبه بعمل ميداني كبير لا ببطاقة الهوية النوعية التي نحشو بها البطاقات ! على نحو ما ورد في قوله _ تعالى _ : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا ) ( الأحزاب / 23 ) ,أو قوله _ تعالى _ ( و قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله و قد جاءكم بالبينات من ربكم ...) ( غافر / 28 ) . ففى الآية الأولى اقترنت الرجولة بضريبة الدم التي تحمي الأوطان و تصون الأعراض و العقائد , و في الآية الثانية اقترنت الرجولة بالصدوع بكلمة الحق المرة و الجهر بها دون خوف أو تقازم في وجه حاكم عربيد أو نظام غشوم مستهتر . و هنا أبرق المنطوق القرآني بوضوح بأن ل ( الرجولة )  تبعات و ثمنا باهظ الكلفة !! و هنا أعود لسؤال الوقت حول منسوب الرجولة العربية الآخذ في الضمور بمتوالية عددية مخيفة : هل نستطيع بضمير مستريح أن نتحدث عن رجولة عربية أو مروءة حية لم تمت و نحن نرى _ عبر شاشات مجللة بالسواد  _ امرأة فلسطينية تسد بوابات الأقصى بصدرها و تشد ذراعيها , على كامل استقامتهما , لتمنع أوباش الاستيطان من الاقتحام الغوغائي أو تقف مجددا بصدرها لتجابه آلة مسلحة حتى الأسنان حين تدافع جنود الاحتلال  الصهيوني ( ما زلنا نعتبره احتلالا برغم أنف الميديا المصرية المدلسة ! ) يقتحمون باحات الأقصى بقنابل الصوت و الغاز المسيل للدموع و يمطرون المصلين بزخات من الرصاص الحي و المطاطي ؟! و حين فكر المستوطنون في التوسيع النوعي لعمليات الاقتحام _ و أحدثهم فوج مقتحم منذ أيام قوامه مائة و ستة و أربعون مستوطنا _ اقتحموه من ( باب المغاربة ) ب ( لباس تلمودي ) لا شبهة في شارته الدينية الواضحة فيما بقيت تأوهات ( أبي مازن ) أو تأوهات د  ( سعد الدين الهلالي ) تحذر مما سمي تحويل ( الصراع السياسي ) إلى ( صراع ديني ) !! ( يا للحكمة العربية الطافحة !! )

 و حين حاول شباب المقدسيين , بوسائلهم الدفاعية البدائية , الاستنفار للدفاع عن أقصاهم بما بقي في قبضتهم من قوة رمزية , كانوا يعرفون جيدا دلالة أن يتم اقتحام الأقصى من الأوباش المستوطنة في ( عيد العرش ) اليهودي  تحديدا ! الفجيعة هذه المرة أبرز و أفدح و أمعن في دلالتها الكارثية , من جنون ( مايكل روهان ) حين أشعل النار في الأقصى في 21 أغسطس عام 1969 بما نجم عنه حرق منبر صلاح الدين بأكمله و السطح الشرقي الجنوبي للمسجد ( 1500 متر من أصل المساحة الإجمالية 4400 متر ! ) بمعنى إحراق ثلث مساحة الأقصى تقريبا ثم تواطؤ بلدية القدس و الإدارة الصهيونية _ آنذاك _ بقطع الماء عن الحرم القدسي الشريف لمنع عملية الإطفاء ! فقد كان الاقتحام حينها فرديا ( في الظاهر على الأقل ) أما الاقتحام الآن فعمل عسكري صريح يدنس سجادة المسجد و باحته بالحذاء العسكري الصريح و السند الشعبي / التلمودي الأكثر صراحة . لقد بدأت المرحلة المعسكرة الحالية تتويجا معمدا بالدم و الرصاص لمرحلة التخابث ( الهندسي ) بالعبث بالإنشاءات و تفريغ التربة تحت ( المصلى المرواني ) و هي المرحلة القديمة التي بدأت منذ سنوات . الاقتحام يتم الآن و ثمة اقتحامات مماثلة تقوم بها الجيوش العربية للمساجد العربية في قلب العواصم العربية دون حرمة لمأذنة أو مكتبة أو مصاحف !! و الاقتحام الآن يتم في زخم عملية تدليس اصطلاحي و تاريخي بقلب الصديق عدوا و العدو صديقا , حيث اختفت تماما أية إدانات رمزية في الميديا المصرية  بخاصة و العربية بعامة . و قد فتش العرافون طويلا عن ( نبيل العربي ) الذي كان متطاوسا متبخترا ببدلته الأنيقة قبل عامين فلم يجدوا له أثرا و لم يسمعوا له صوتا !! و فتش المراقبون عن حكام كانوا يتبخترون بخطوة الطاووس في العروض العسكرية الديكورية  و هم يركبون الجياد فلم يجدوا لهم الآن أثرا !! و تبقى نقطة الضوء المصرية الوحيدة قنا ( أمجاد ) الفضائية التي تبدأ يوم الأحد القادم بإذن الله حملة إعلامية شاملة للتعريف بقضية الأقصى و تداعياتها الأخيرة , و أشرف بتقديمها و المجال مفتوح في هذه الحملة للإعلاميين و المحللين و أصحاب الرؤى الراشدة للمشاركة لإنقاذ ما تبقى من القضية في الوعي . كانت حقا أزمة كاشفة فضحت التماثيل الشمعية الكالحة للرجولة الموهومة و فضحت بالتوازي منطقة عربية ودعت عهد الدولة و استقبلت بحبور و سعادة عهد جمهوريات الموز !

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus