لقاء مع الشيخ عصام دربالة.. بين سجنين.. المفارقات والنتائج

لقاء مع الشيخ عصام دربالة.. بين سجنين.. المفارقات والنتائج
 
المستشار محمد ناجي دربالة
الخميس, 10 سبتمبر 2015 16:07

في يوم الأحد 12/6/2015في لقائي الأخير بشقيقي الأصغر عصام الدين دربالة منذ القبض عليه يوم 11/5/2015، وبموافقة من المحامي الأول بنيابة أمن الدولة العليا قادني أحد الحجاب إلى مكتب رئيس النيابة المحقق مع الشيخ.

وبوجه غارق في الرقة والبشاشة رحب بي وكنا في أيام صيام "رمضان" فاعتذر بعبارات مترعة بالأدب بأنه لولا الصيام لأصر أن أتناول مشروب التحية ثم أبلغني أن الشيخ سيعرض بجلسة تحقيق وتجديد حبس وأنه قد صرح لي بمقابلته وسألني كم من الوقت يكفيك.. فقلت: ما تراه مناسبًا، فحذرني بلباقة من أن حديث الشيخ شيق وممتع وربما أذهلني عن النصف الساعة التي ستجمعني به وما إن حضر الشيخ حتى بادر بمغادرة الحجرة ليتركنا سويًا.

ولما ألححت عليه بالبقاء أو إرسال من يحضر المقابلة تجاوب مشكورًا فأرسل من جلس قريبًا منا.

وقد فاجأني في أول لقائه به شحوبه وفقده جزءًا كبيرًا من وزنه فسألته فقال بابتسامته الهادئة المعهودة: هو السجن والصيام لا أكثر، فلما قلت قد علمت أن إدارة سجن العقرب شديد الحراسة لم تسمح بالزيارة الوحيدة التي أجرتها له أسرته عبر طبقتين فاصلتين من السجن – بإدخال الطعام الذي جلبوه معهم واكتفوا بقول ما يعادل وجبة فقط، فقال أما عن الأكل فهو بالعينات أشبه فالأرز هو ما يتسع له فنجان قهوة، وكذا الخضروات وبعض من الخبز فهو طعام لا يفضي إلى شبع يقطع الحرمان والجوع لاسيما وأنا في أيام صيام وحبس انفرادي في زنزانة ضيقة سيئة التهوية حرارتها تصل إلى 60 درجة في أيام الحر، وأنا محروم من التريض خارجها منذ حبسي.

ثم بدا منزعجًا جدًا وهو يقول أما الأدوية فجرعات علاج السكر لا تكفي، وأدوية التنفس لا تصرف ولا يسمح بدخول ما يجلبه الأهل والمحامون منه، وقد هالتني الصورة التي رسمها والتي تؤكدها صورته الماثلة أمامي فغالبت دموعا تجمع في عيني حزنًا وأسفًا وعجزًا أن أغيث أخي الذي استودعه أبي أمانة لدي قبل وفاته، فصار ابني الذي أسأل عنه يوم الحساب، وغالبت شعوري بالحزن والأسى والكمد حتى لا يشعر بما في نفسي، (واستعادت ذاكرتي صورة مقابلة للسجن في سنوات ما بعد عام إطلاق مبادرة وقف العنف من جانب الجماعة الإسلامية من طرف واحد وبلا قيد أو شرط 1997، ثم ما أعقبها من إصدار لكتب المراجعات الأربعة الشهيرة التي أسست لمفهوم شرعي وفقهي لعدول شجاع عن جهاد تم في غير موضعه وتسليط للأضواء على ما وقع فيه من أخطاء وتحريم للغلو في الدين وتكفير المسلمين وتصحيح لمفاهيم المحتسبين).

فقلت له مذكرًا.. هل تذكر عندما كنتم في السجن في تلك الفترة وكان لديكم طاهٍ محترف ـ من المحكوم عليهم جنائيًا ـ كان يعمل بفندق كتراكت بأسوان قبل سجنه يقوم على إعداد الطعام التي يجلبها الأهل في الزيارات ويتفنن في إظهار براعته وكم تذوقنا في زيارتنا أشهى ما صنعت يداه، فنظر إليّ مسلمًا وقال ساخرًا هذا ما كان، وهذا هو الحال الآن!؟

فقلت إني أتعجب.. فقد كنت في السجن الأول محكومًا عليك في قضية أحداث 1981 ولازلت وزملاؤك تراوحون في سلامة أو عدم سلامة الأساس الشرعي لتلك الأحداث والتي قادت إلى اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات (معلوم وفق الثابت بالتحقيقات أن الشيخ عصام دربالة كان هو الوحيد من مجلس شورى الجماعة الذي رفض اقتراح الاغتيال) ورغم ذلك لم يسمح لكم بالتزود بأمهات الكتب في الفقه والحديث والتفسير والأبحاث والدراسات التراثية والعصرية، وتهيئ لكم ظروف سجن ميسرة، ترفع العناء والعنت عن المحسوبين وذويهم فضلا عن المرضى منهم في المأكل والملبس والدواء فتكون النتيجة الباهرة كتب المراجعات الأربعة وما تبعها من أبحاث والتي صاغت نظرية فقهية شرعية أسست لنبذ العنف والانخراط في مجتمع وحياة الناس الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والحياتية وفق مرجعية إسلامية وسطية مقبولة وهي التي سمعت من اللواء حسن عبد الرحمن الرئيس العتيد لمباحث أمن الدولة السابق في لقاء جمعني به في مكتبه في صيف 2005 قوله إن المبادرة التي صدرت عن الجماعة الإسلامية طوعًا ودون أي ضغط هي أعظم إنجاز في تاريخ مباحث أمن الدولة المصرية.. بما قامت به من توفير الأجواء المناسبة لصدورها ولأنها حفظت دماء المواطنين وأموالهم ليس في مصر وحدها بل في العالم الإسلامي كله وأغلقت بابًا للعنف كان في غاية الخطورة, وأضاف أنهم يبعثون لدول عربية إسلامية من يشرحون لهم تجربتهم من الجماعة ليتأسوا بها. (يجدر أن يشار في هذا المقام إلى أن جميع قادة الجماعة الإسلامية قد شاركوا في تلقي العزاء وتشييع اللواء احمد رأفت "الحاج" ضابط مباحث أمن الدولة والذي كان هو مهندس الدعوة لقبول المبادرة وإقناع الجهات الأمنية بها والقائم على رعايتها حتى صدورها).

ثم أضفت: بينما أنت في سجنك الثاني مازالت رهن التحقيق في اتهامات لم تثبت بعد وخلفك نضال كواحد من أهم دعاة السلمية ورفض العنف والحرص على إبقاء الشباب بعيدًا عن نهج الثأر والتكفير, ورغم ذلك يعانون ما تعانون ويضيق عليكم مثل هذا التضييق ويموت منكم من يموت (أصدر الشيخ أبحاثًا يحرم فيها التفجير والتكفير بعنوان "لا للتفجير لا للتكفير" وتحريم تدمير البنية التحتية للوطن واعتباره إفسادًا ممنوعًا وتحريم قتل السياح والمتظاهرين السلميين فأصدر مؤلفات في تخطئة فكر تنظيم القاعدة لتحريم التفجيرات العشوائية وقد طبعتهما دار العبيكان بالسعودية على نفقة حكومتنا ثم أصدر بحثًا ناقدًا ومخطئًا لأفكار تنظيم  الدولة الإسلامية "داعش" وجاب مصر كلها بعلم جميع جهات الأمن القومي، في ندوات ليحذر الشباب من ذلك التنظيم ويبين الأخطاء الشرعية التي وقع فيها، وقد وصفه البعض ومنهم الكاتب والإعلامي سيد علي في برنامجه بأنه رمز الاعتدال والسلمية، كما وصفه آخرون من النخبة بأنه قابض على جمر السلمية، واتفق الجميع أن تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" والتنظيمات التكفيرية الأخرى هي المستفيد الأول من تغيبه.

وأكملت: ماذا يمكن أن تكون النتائج والمآلات بالأمس كان تقدير وضع أساس شرعي لنبذ العنف يحمي الأمة بأسرها هو الحافر على تقديم مثل هذه الرعاية.. فما الحال اليوم؟ وإلى ماذا ربما يسوقنا التضييق في المعاملة وضيق الأفق في المعالجة، وقال الشيح وهو ينظر إلي في أسى بالغ وشت به عيناه المعبرة.. الحقيقة إن كنت قد عرفت سبب سجني الأول على طول مدته، فإنني لا أعرف سببًا واحدًا لسجني الآن، وأتحير في الرسالة المراد توصيلها لي وللجماعة وللمصريين عموما من وراء حبسي بلا سبب، ولكن أيا كان التضييق فإن السلمية ونبذ العنف هما خيارنا الذي لا عودة عنه، فهو منهج جماعة لا رؤية فرد، وهو خلاص أمة لا مسكن أزمة، وأن كنت أخشى فلا أخشى على نفسي، بل على وطن يدفع ثمنًا غاليًا لضيق أفق المعالجة لمجتمع منقسم يحتاج من يجمعه لا من يزيد في فرقته وتغريبه عن بعضه البعض.. وأدعو الله أن يحصل هذا قبل أن تتفرق السبل فلا نجد سبيلا لاجتماع.

ثم أردف: بمناسبة الكتب فأرجو أن ترسل إلي المراجع التي أحتفظ بها بمكتبي ومنزلي والخاصة برسالة الدكتوراه وكذلك الأجزاء التي كتبتها منها، فالسجن فرصة لإنجازها إن سمحت الإدارة بذلك، ثم تمتم قائلا: وأظنها لن تسمح.. فمن لا يسمح بالدواء لن يسمح بالكتاب "الشيخ عصام دربالة حاصل على ليسانس الحقوق جامعة القاهرة وماجستير في القانون وسجل رسالة لنيل الدكتوراه بكلية الحقوق جامعة القاهرة بعنوان "حق المعارضة السياسية بين النظام السياسي الإسلامي في مصر والمملكة المتحدة وإيران" هذا فضلا عن حصوله على ليسانس الآداب قسم اللغة العربية وليسانس الآداب قسم التاريخ وإجازة معهد القراءات الأزهري والحقيقة أن تقديره كان في محله، فقد رفضت إدارة الأمن وسلطات السجن إدخال الكتب، كما أن الجزء الذي أعده في الرسالة تمت مصادرته عند تفتيش بيته ولم نستطع استعادته.

واسترسلنا في حديث أسري دافئ حتى أسى المقارنة بين السجنين ومفارقاتهما ونتائجها ما بين الأمل والخيبة، حتى أطل علينا رئيس النيابة متسائلا: هل تحتاجون لوقت إضافي، فأجبته شاكرًا ما سمح به وشرحت له أن ما نحتاجه بالفعل هو إدخال الدواء للشيخ  فأجابني بأنه سبق له أن صرح بإدخاله بجلسة التحقيق السابقة، فلما أجابه الشيخ أنهم احتجزوه ولم يسلموه له، أبدى امتعاضه من تصرف إدارة السجن مرددًا "هما مش هيبطلوا اللي بيعملوه"، ثم قال في سماحة أنه سيصدر قرارًا مكتوبًا بذلك وسيتابعه حتى تنفيذه.

وقد كان:

وكانت تلك الأدوية هي آخر ما سمح بإدخاله إليه حتى وفاته إلى رحمة مولاه يوم السبت 8 / 8/ 2015 بعد أن ضاقت به صدور حابسيه فنقلته وقد بلغ منه الإعياء والمرض منتهاه لتجديد حسبه أمام المحكمة، حيث أصدرت المحكمة قرارًا بتجديد حبسه لمدة 15 يومًا إضافية، إلا أن روحه الطاهرة فاضت بعد أقل من ساعة من صدور ذلك القرار مغيبة بيد الإهمال والاستهانة بالأرواح والاستخفاف بهبة الحياة التي وهبها الله للناس روحا طاهرة كان الوطن في أمس الحاجة إليها.

 

رحم الله الشيخ الشهيد.. ورحم الله مصر وأعزها بعزه 

 

*       نائب رئيس محكمة النقض

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus