كيف اخترقت السلطة الحركة الشيوعية وروضتها

كيف اخترقت السلطة الحركة الشيوعية وروضتها
 
طارق المهدوي
الإثنين, 31 أغسطس 2015 20:36

(1)

 أعلن فلول تنظيم "حدتو" الشيوعي من توابع مجموعة "روما" للشيوعيين المصريين اليهود المقيمين بالخارج عن تأسيسهم لتنظيم شيوعي مصري جديد اسمه "الانتصار" عقب اجتماعهم عام 1975 في العاصمة اللبنانية "بيروت"، تحت رئاسة مؤسس المجموعة "هنري كورييل" الذي كان لم يزل ممنوعاً من دخول الأراضي المصرية على خلفية اتهامه بالتعاون مع "إسرائيل" أثناء حرب عام 1948، وفي نفس التوقيت قام رئيس الجمهورية آنذاك "أنور السادات" بتوليد حزب "التجمع التقدمي" اليساري قيصرياً من رحم الامتداد الطبيعي لتنظيم "الضباط الأحرار" المسيطر على الدولة والمجتمع والمعروف باسم "الاتحاد الاشتراكي" ليضم الأعضاء المزدوجين بين اليسار والضباط الأحرار وتوابعهم، وقد تعمد تنظيم "الانتصار" وحزب "التجمع" الجديدان معاً أن يقتصر البيان التأسيسي لكلّ منهما على مطالب عامة وعبارات مبهمة وشعارات غامضة كمناورة تهدف إلى إخفاء هويتهما الحقيقية باعتبارهما امتدادين لمجموعة "روما" وتنظيمي "حدتو" و"الضباط الأحرار"، كما حصل التنظيم والحزب الجديدان معاً على دعم أجهزة الأمن السياسي التي منحتهما كل التسهيلات اللازمة عساهما يلبيان احتياجها الضروري لاستيعاب المد الثوري الشبابي المتصاعد في صفوف الحركة الشيوعية المستقلة عن مجموعة "روما" بسرعة صاروخية منذ هزيمة يونيو 1967، والمتجمع في خلايا وحلقات عديدة منظمة داخل وحول تنظيمي "8يناير" و"العمال" الشيوعيين والذي بلغ ذروته عند اندلاع انتفاضة 18يناير1977 الجماهيرية الاحتجاجية ذات الأبعاد الاجتماعية بما شكلته من تهديد جاد لاستمرار جمهورية الخوف الأولى التي كان الضباط الأحرار قد أقاموها منذ عام 1952، حيث اقتضت احتياجات تلك الأجهزة في حينه اختراق المد الثوري الشبابي الشيوعي أولاً من خلال التنظيم والحزب الجديدين، تمهيداً للسيطرة على هؤلاء الشباب المستقلين محدودي الخبرات عبر احتوائهم أو تشتيتهم أو استدراجهم نحو أفخاخ المواجهات البينية العدائية أو إزالتهم بالتصفية الجسدية أو غيرها من شرور السيطرة المعروفة والمبتكرة، وبينما اختار "أنور السادات" زميله السابق في تنظيم "الضباط الأحرار" "خالد أمين محيي الدين" لرئاسة حزب "التجمع التقدمي" بمعاونة بعض الضباط الآخرين مثل "كمال الدين رفعت" و"لطفي واكد" و"أحمد حمروش", فقد اختار "هنري كورييل" لرئاسة تنظيم "الانتصار" المحامي النوبي الرفيق "صلاح" (زكي مراد إبراهيم) بمعاونة سكرتارية مركزية تضم أغلبية من توابع مجموعة "روما" في مقدمتهم الرفيق "حسن" (رفعت السعيد البيومي) مع أقلية من المستقلين غير المعادين للمجموعة في مقدمتهم الرفيق "أحمد" (نبيل نجيب الهلالي) القادم من حلقة "الشروق"، وكان اختياراً ماكراً ليس فقط لاستمرار علاقات "زكي مراد" التنظيمية التاريخية مع اليهود الذين يصفون أنفسهم بأنهم "غير صهاينة" إلى جانب الصهاينة "غير اليهود" في أوساط الحركة الشيوعية المصرية منذ أربعينيات القرن العشرين دون انقطاع، حتى أنه أصبح عام 1953 عضو السكرتارية المركزية في الوقت ذاته لكلّ من تنظيم "حدتو" التابع لمجموعة "روما" ولجنة أنصار السلام المصرية التابعة لمجلس السلام العالمي الخاضع للمجموعة، ولكن أيضاً بالنظر إلى كون "مراد" أحد القلائل المقبولين لدى قدامى الشيوعين المستقلين وشبابهم الثوري من بين فلول "حدتو" الملتفين حول مجموعة "روما" لعدم تورطه شخصياً في انحرافاتها العميقة بشكل مكشوف!!.

                                                     (2)                  

 مع حلول عام 1979 قرر تنظيم "الانتصار" عقد مؤتمره الأول في غضون العام التالي لتثبيت رئاسة "زكي مراد" ونظراً لأن رئيس الجمهورية "أنور السادات" كان يرغب في اختيار جميع معارضيه بنفسه فقد أرسل عبر زميله "خالد محيي الدين" يستدعي "مراد" لمقابلته، بهدف الاطمئنان إلى مدى طاعته ومن ثم استحقاقه للتثبيت على رأس التنظيم في مؤتمره الوشيك ولكن رد "زكي مراد" كان رفضاً قاطعاً للمقابلة أثار ضده غضب "أنور السادات" وأجهزته, وعقب ذلك بأسابيع قليلة تجاوب "مراد" مع المستقلين من قدامى الشيوعيين وشبابهم الثوري لإفشال زيارة الرئيس الإسرائيلي "إسحق نافون" إلى "القاهرة"، مما أثار ضده غضب اليهود الصهاينة وغير الصهاينة وتوابعهم الصهاينة غير اليهود بمن فيهم بعض أعضاء السكرتارية المركزية لتنظيم "الانتصار"، فتم اعتقال "زكي مراد" ثم جرى إطلاق سراحه تمهيداً لتنفيذ سيناريو تفكيك سيارته الخاصة الذي أدى إلى مصرعه في الأيام الأخيرة من عام 1979 وهو ذات السيناريو الذي تمت إعادته بحذافيره للتخلص من الرفيق "خالد" (فؤاد مرسي) بعد عشرة أعوام، وكان يمكن استمرار تكراره لاصطياد قادة وكوادر الحركة الشيوعية واحدهم تلو الآخر لولا أن ضابط مكافحة الشيوعية المشرف على تنفيذه (م.ش.خ) قد لقيَ مصرعه بنفس الطريقة مما أربك زملائه لدرجة توقفهم عن تنفيذ ذلك السيناريو الدموي ولو إلى حين، أما المؤتمر الأول لتنظيم "الانتصار" فقد انعقد عام 1980 بدون رئيس وأنهاه توابع مجموعة "روما" بدون اختيار رئيس جديد، كمناورة للالتفاف على اتساع نطاق غضب شباب التنظيم المستقلين عن المجموعة إزاء إعادة إنتاج نفس الانحرافات السابقة من قبل أعضاء السكرتارية المركزية التابعين لمجموعة "روما"، الأمر الذي كان قد أسفر لتوه عن سلسلة انشقاقات مؤثرة متتالية أبرزها انشقاق حلقة "المطرقة" بقيادة الرفيق "إبراهيم نوار" عام 1977 ثم انشقاق حلقة "المؤتمر" بقيادة الرفيق "علي الديب" عام 1978، وخلال انعقاد المؤتمر الأول لتنظيم "الانتصار" كانت أنظار أعضاءه الشباب المستقلين الغاضبين قد اتجهت نحو الرفيق "نبيل الهلالي"، إلا أن مجموعة "روما" لم توافق على رئاسته لعدم اطمئنانها إلى موالاته لها بالقدر الكافي رغم ملاصقة أحد قياداتها وهو اليهودي "يوسف درويش" للرفيق "الهلالي" كظله على مدار الساعة، فاضطر الشباب إلى فرض "نبيل الهلالي" كرئيس فعلي للتنظيم بجانب موقعه الرسمي كعضو السكرتارية المركزية المسئول عن العمل الجماهيري، وبدافع من استمرار رغبته في اختيار معارضيه بنفسه عاود الرئيس "أنور السادات" محاولة تكرار نفس اختبارات الطاعة مع رئيس "الأمر الواقع" الجديد لتنظيم "الانتصار" ولكن عبر خطة استدراج ماكر وغير مباشر رسمتها له أجهزة الأمن السياسي، حيث اجتمع "أنور السادات" في بداية عام 1981 بأعضاء مجلس إدارة رابطة المصريين خريجي المدارس الأمريكية والذين كان أبرزهم "الهلالي" ليطلب منه "السادات" خلال مصافحة الوداع البروتوكولية بعد انتهاء الاجتماع البقاء حتى يقابله منفرداً، وعلى الفور قام الحرس الجمهوري بتطويقه لمنع مغادرته واحتجزوه وحده داخل قاعة الاجتماع الخالية عدة ساعات ولكن رد "نبيل الهلالي" كان رفضاً قاطعاً للمقابلة أثار ضده غضب "السادات" وأجهزته، فتم اعتقال "الهلالي" في منتصف عام 1981 تمهيداً لتنفيذ أحد سيناريوهات التصفية حياله إلا أن اغتيال "أنور السادات" نفسه يوم 6أكتوبر1981 أنقذ حياة "نبيل الهلالي" ولو إلى حين حيث لقيَ مصرعه بعد حوالي عشرين عاماً إثر اصطدام رأسه بجسم صلب داخل أحد مستشفيات القاهرة، وعلى الجانب المقابل كانت المناورات الماكرة للرفيق "رفعت السعيد البيومي" قد نجحت في إظهار مرونته وطاعته وتجاوبه مع كافة الاحتياجات الضرورية والعادية والتافهة لجميع كبار وصغار المسئولين على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، مما صعد به إلى رأس تنظيم "الانتصار" ثم حزب "التجمع" تباعاً تمهيداً لاعتلائه أكتاف الحركة الشيوعية المصرية برمتها كضابط اتصال بينها وبين الدولة وهو الموقع المسئول رسمياً عن استدراج كل الشيوعيين لإجبارهم على النوم في أحضان كل أعدائهم!!.

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus