الإعلام المسموم والطب الشرعي والإخوانوفوبيا

الإعلام المسموم والطب الشرعي والإخوانوفوبيا
 
المستشار أحمد سليمان
السبت, 09 مايو 2015 16:15

تنتشر في الغرب منذ سنوات ظاهرة تسمى الإسلاموفوبيا وتعنى الفزع من الإسلام وتربطه بالعنف والإرهاب وتدفع الغربيين إلى الاعتداء على المسلمين دون سبب، اللهم إلا أنهم مسلمون، وكان آخر هذه الوقائع منذ شهور قليلة في أمريكا؛ حيث اقتحم أحد الأشخاص منزل أسرة مسلمة مكونة من ثلاثة أشخاص وقام بقتلهم جميعًا لمجرد أنهم مسلمون.

وعلى غرار هذه الظاهرة انتشرت في مصر في العامين الأخيرين ظاهرة يمكن تسميتها بالإخوانوفوبيا كانت وليدة الإعلام المسموم وتخطيط الأجهزة الأمنية التي عملت على الوصول إلى هذه النتيجة، حتى أصبح الناس يفزعون الآن من ذكر كلمة الإخوان ويصدقون كل ما يقال في حقهم دون دليل، ويسارعون في كيل الاتهامات لهم بغير برهان، بل أصبح المسئولون يشعرون بالتزامهم بضرورة المسارعة باستخدام كل ما منحهم القانون من صلاحيات وإصدار القرارات التي تدخل في اختصاصهم ضد كل من يتهم بصلته بالإخوان إثباتًا للولاء وحتى لا يتهمون هم أنفسهم بأنهم منتمون للإخوان المسلمين أو المتعاطفين معهم.

في مجلس وزراء الدكتور حازم الببلاوى تم طرح اقتراح بإصدار قرار باعتبار الإخوان جماعة إرهابية، فرأى رئيس الوزراء أن هذا القرار يجب أن يكون قضائيًا بحكم يصدر من القضاء وليس سياسيًا حتى يصدر من مجلس الوزراء، ولكنه إزاء الضغط على مجلس الوزراء أصدر القرار المطلوب، ولما تأخر نشر القرار في الجريدة الرسمية اتهم الدكتور حازم الببلاوى نفسه بأنه متضامن مع الإخوان المسلمين.

عقب تفجير مبنى مديرية أمن الدقهلية في 24 ديسمبر 2013 عقد مجلس الوزراء اجتماعًا في اليوم التالى مباشرة أعلن في أعقابه اعتبار الإخوان جماعة إرهابية بسبب وقوفها وراء تفجيرات مديرية أمن الدقهلية، بينما تم تقديم أعضاء تنظيم أنصار بيت المقدس للمحاكمة عن هذه الواقعة وعن عدة وقائع أخرى نسبت وقت وقوعها للإخوان ( من مقال الأستاذ فهمى هويدى بالشروق 7 مايو الحالى)

كلنا يذكر تسريبات مكتب اللواء عباس كامل، وأنه بمجرد إذاعة التسريب الأول منها حتى بادرت النيابة العامة إلى إصدار بيان تضمن أن هذه التسريبات مفبركة وأن الذي فبركها هم الإخوان المسلمون، وأن الواقعة ستحال إلى التحقيق.

لك أن تتخيل مدى الظلم والشعور بالمرارة الذي يعانيه الإنسان عندما يتهم دون دليل وقبل أن يبدأ التحقيق، وأن يصدر هذا الاتهام من جهة التحقيق التي يتعين أن تتسم بالحياد والموضوعية.

عندما وقعت بعض حالات التسمم من المياه في الشرقية بادر وزير منع الدعاء على الظالمين الشيخ مختار جمعة بالإعلان عن أن ارتكاب الإخوان المسلمين لجريمة تسميم المياه هو جريمة في حق الإنسانية، رغم أن الشيخ ليس وزيرًا للصحة أو المحليات أو الرى، والشأن فيه عدم المسارعة في الاتهام حتى لا يصيب قوما بجهالة فيصبح من النادمين، ولكنها الرغبة الجامحة في إثبات الولاء، والانتقام من الإخوان.

     رغم أن حركة الإخوان المسلمين قد نشأت منذ نحو ثمانين عاما أي في عام 1935 ميلادية تقريبًا، وأن الأندلس قد سقطت في عام 1492 ميلادية أي قبل نشأة الإخوان المسلمين بما يزيد على أربعمائة سنة، إلا أن هذا لم يشفع للإخوان لدى المذيع محمد الغيطى فلم يمنعه من اتهامهم بأنهم سبب سقوط الأندلس، وليس ذلك لجهل أو غباء، ولكنها الرغبة في الانتقام والتشهير.

وحتى القضاة، فما أن أعلن قضاة تيار الاستقلال بيانهم الذي طالبوا فيه باحترام إرادة الأمة، واحترام نتائج الانتخابات التي أشرفوا عليها، واحترام القانون والدستور حتى بادر الزند ورفاقه بتقديم شكواهم متهمين هؤلاء القضاة بالانحياز لجماعة الإخوان المسلمين رغم يقينهم بكذب هذا الادعاء، إلا أنهم على يقين بأن هذا الادعاء هو السهم الناجع الذي يحقق لهم مبتغاهم بالخلاص من هؤلاء القضاة الذين يؤرقونهم ويذًكرونهم بنقائصهم، وهو نفس الاتهام الذي اتهموه لقضاة من أجل مصر ولأجل نفس الغرض، وبالفعل ما أن قدمت الشكاوى حتى سارع كل مسئول بإصدار ما بوسعه من قرارات تضمنت وقف ترقية مَن وجبت ترقيته، وإنهاء ندب هؤلاء القضاة بالوزارة والتفتيش القضائي ومركز الدراسات ورئاسة المحاكم الابتدائية ونيابة النقض، وإنهاء الإعارة بالإمارات والمنع من السفر ثم إحالتهم لمجلس الصلاحية بإجراءات تحقيق وإحالة باطلين ثم قيام مجلس الصلاحية بإهدار حقهم في الدفاع وإحالة 41 قاضيًا منهم للمعاش في مذبحة قضائية جديدة. 

بل وصل الأمر إلى حد إبعاد أحد الوزراء من تشكيل الحكومة السابقة رغم استدعائه من السعودية لأداء اليمين، ولكن كان مجرد الادعاء بأنه من المتعاطفين مع الإخوان المسلمين كان كافيًا للعدول عن اختياره، رغم عدم صحة الادعاء حتى وإن تم اختياره بعد ذلك في الوزارة الحالية ربما للتكفير عن خطئها السابق.

في هذا الجو المسموم المتنمر بالإخوان المسلمين، نشرت جريدة الوطن في عددها الصادر 4 /4/ 2015 أن نسبة 20 % من الأطباء الشرعيين من الإخوان المسلمين، والذين تبين أن غالبيتهم التحقوا بالعمل أثناء ولاية الرئيس محمد مرسي، وأن هذه القائمة تضم الدكتور أسامة أحمد سليمان الطبيب الشرعي في أسوان نجل وزير العدل الإخوانى السابق أحمد سليمان، والذي حصل على ليسانس الحقوق خلال فترة حكم الإخوان وتقدم للعمل بالنيابة العامة لكن حلمه انتهى بسقوط مرسي في 30 يونيو، وتم استبعاده من النيابة العامة، وأضافت الصحيفة أن الإخوان في مصلحة الطب الشرعي يؤثرون على سير القضايا وسرعة إنجازها لإسقاط الطب الشرعى، وأن قضايا القتل لا يتم حسمها إلا بعد الانتهاء من تحليل العينات التي تؤخذ من جثمان المتوفى وترسل إلى المعمل الطبي والمعمل الكيماوي لمعرفة سبب الوفاة، وفي حال كتابة نتيجة خاطئة سيصدر التقرير مغلوطًا لأن نتيجة العينات  تمثل 80 % من التقرير النهائي الخاص بسبب الوفاة، وأن سيطرة الإخوان على المعامل الطبية والكيماوية يجعل من تقرير الطب الشرعي النهائي غير دقيق، الأمر الذي سيهز ثقة المواطنين في الطب الشرعي.

وفي عددها الصادر الخميس 9 / 4 / 2015 نشرت أن مساعد وزير العدل قد أصدر حركة تنقلات أطاحت برؤساء الأقسام المنتمين لعناصر الإخوان في المحافظات من بينهم نجل وزير العدل السابق المعروف بانتمائه لتنظيم الإخوان.

وأضافت أن مصدرًا قضائيًا رفيع المستوى داخل وزارة العدل صرح لها بأن الحركة شملت رؤساء الأقسام الذين ثبت انتماؤهم لجماعة الإخوان حتى لا يتمكنوا من التلاعب في أحراز القضايا التي في حوزتهم، وأضاف أن الوزارة عبارة عن خلية نحل حاليًا بسبب هذه القضية، وأرسلت ملفات جميع العاملين إلى عدة جهات رقابية من أجل الانتهاء منها إضافة لعدم ظلم أحد لأن مَن يثبت انتماؤه لعناصر الإخوان سوف تقف ترقياته داخل مصلحة الطب الشرعي واستبعاده من الوظائف الحساسة التي تتطلب الحيادية وعدم الانتماء لتيارات سياسية، وأوضح المصدر أن شعار الوزارة والمصلحة هو مصلحة البلد أولاً، والدليل على ذلك استبعاد الدكتور أسامة نجل، وزير العدل السابق من رئاسة قسم الطب الشرعي في أسوان إلى منطقة أسيوط وسط العديد من الأطباء الشرعيين، والمعنى الذي سكتت عنه الجريدة ولم تقله هي والمصدر القضائي إن هذا النقل إنما تم ليكون الدكتور أسامة تحت المراقبة اللصيقة، وهو معنى قبيح ومرفوض شكلاً وموضوعًا.

ثم أدلت اليوم السابع بدلوها في الموضوع ونشرت بتاريخ  5 /4 / 2015 ما قالت إنها قائمة بأسماء الأطباء الإخوان داخل مصلحة الطب الشرعي ومن بينهم الدكتور أسامة أحمد سليمان، ورددت ما قالته الوطن عن أن هؤلاء الأطباء يؤثرون على سير القضايا وسرعة إنجازها لإسقاط الطب الشرعي وأنه تم التلاعب في العديد من قضايا القتل الحاسمة من خلال المعمل الطبي والمعمل الكيماوي.

ثم قامت الوطن في 21/ 4 / 2015 باستكمال النشر حول الموضوع فقالت إن طبيبًا شرعيًا وزوجته يتلاعبان في التقارير لتبرئة متهمين، وذكرت أن الدكتور عاطف طه وزوجته الدكتورة سعاد عبد الغفار قد تلاعبا في التقرير 812 لسنة 2007، كما تلاعبت الأخيرة في التقرير 1010 لسنة 2010، وبتاريخ 28 /4 /2015 نشرت أيضًا أن طبيبة شرعية تتلاعب في تقرير طبي لتبرئة طبيب عيون تسبب في فقد مريض بصره، وأشارت إلى التقرير رقم 848 لسنة 2009 الصادر من الدكتورة سعاد عبد الغفار، ولنا على ما نشرته الصحيفتان الملاحظات الآتية:

   1ـ إن ما نشرته الوطن عن التقارير التي تم التلاعب فيها عن وقائع قد مضى عليها مدة تتراوح بين خمس إلى ثماني سنوات، والنشر على هذا النحو إنما كان للإيحاء بأن هذه التقارير تدعم حملتها بأن الأطباء المنتمين للإخوان حسب تعبيرها يتلاعبون في التقارير الطبية، وهو غير صحيح ونوع من التدليس على القارئ العادي.

   2ـ إن الطبيبين اللذين أسندا إليهما التلاعب في التقارير لم يرد اسميهما في كشف الأسماء الذي نشرته اليوم السابع.

   3ـ إن الصحيفتين قد اتفقتا على أن التلاعب في التقارير يتم في المعمل الطبى والمعمل الكيماوي، فلو سلًمنا جدلاً بصحة ما أوردته الصحيفتان فلماذا الزج بأسماء أطباء التشريح ومعمل التزييف والتزوير والعاملين بالإدارة المركزية بالوزارة وفني الأشعة والمحقق والمعار إلى جدة ومن أحيل إلى التقاعد على النحو المذكور تفصيلاً باليوم السابع.

   4ـ لقد فات الصحيفتان أن التفتيش في عقول الناس وصدورهم عن آرائهم ومعتقداتهم هو ردة إلى عصور محاكم التفتيش التي تجاوزها العصر، وأن مهمتهما يجب أن تكون الدفاع عن حرية الرأى والفكر والالتزام بالقانون والدستور، وأن الدستور قد نص في مادته رقم 65 على أن حرية الفكر والرأي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير، ولقد سمح المجتمع بحرية التعبير لمن يدعو إلى العرى، وإلى الزنا، وتقنين الدعارة، وتقنين الحشيش حتى وصل الأمر إلى الدعوة إلى الإلحاد وتأسيس حزب للملحدين، فلماذا يضيق بالدعوة إلى الله ورسوله.

 5ـ لقد فات الصحيفتين أن الدخول على المواقع الإلكترونية محظور بغير إذن قضائى مسبب ولمدة محددة وفي الأحوال التي يجيزها القانون طبقًا لصريح نص المادة 57 من الدستور، ومن ثم يكون دخول الصحيفة على ما قالت إنه مواقع خاصة بالأطباء هو انتهاك للخصوصية وهو محظور بنص الدستور، ناهيك عن أنه من المعروف لدى المتعاملين مع هذه المواقع يعلمون أنه بإمكان أي شخص إنشاء مواقع بأسماء غير صحيحة سواء كانت أسماء وهمية أو حقيقية دون علم أصحابها.

     6ـ إن صحيفة الوطن قد كشفت السبب الحقيقي للهجوم على الطب الشرعي فقد نشرت بذات العدد الصادر في 4/ 4/ 2015 أن قيادة أمنية من إحدى الجهات السيادية قد التقت وزير العدل وطلبت سرعة استبعاد المتحدث الرسمى للطب الشرعي لإصداره العديد من التقارير التي تدين ضباط الشرطة بقتل مواطنين داخل الأقسام، معللا بأن ذلك له تأثير سلبى على الضباط الذين يخشون على أنفسهم من المحاكمات أو السجن.

وإذا لاحظنا في الفترة الأخيرة أن هناك عدة تقارير طبية شرعية قد أدانت ضباطًا في مقتل كريم حمدى وشيماء الصباغ وسيارة الترحيلات وفي ستة وقائع أخرى في أربعة أقسام في القاهرة وحدها، وكان تضرر الضباط هو من زيادة هذه التقارير وتخوف الضباط من المحاكمة، وكان اتهام الأطباء بالانتماء للإخوان إنما يتم بتقارير أمنية، ومن ثم فإن ذلك إنما يكون رسالة للأطباء بالابتعاد عن إدانة الضباط وإلا تم اتهامهم بالانتماء للإخوان، وهو اتهام يعرف مغبته القاصي والداني، وأنه يفتح أمامهم طريق جهنم، ولذلك يتعين على مصلحة الطب الشرعي الوقوف إلى جانب أطبائها والدفاع عمن لم يخطئ منهم حتى يتمكنوا من أداء رسالتهم بحياد وموضوعية دون ضغط أو تهديد من أحد، مع ملاحظة أن زيادة التقارير إنما مرده إلى زيادة وقائع القتل والتعذيب التي يرتكبها الضباط أو تسند إليهم.

        7ـ إن اتهامي وأبنائي بالانتماء لأي جماعة أو جمعية دينية أو سياسية ليس إلا فزاعة تطلق في وجه كل صاحب رأى لا يرضي عنه النظام، وهو أمر لا نهتم له، والوطن تعرف ذلك جيدًا فقد أجريت معها حديثًا وأنا وزير العدل اعترضت فيه على مناقشة مجلس الشورى لقانون السلطة القضائية وهو معارض لتوجه الحكومة في هذا الوقت، وقلت في حواري مع المصور أيضًا وفي نفس الفترة أنه إذا صدر قانون السلطة القضائية غير محقق لآمال القضاة فسأتقدم باستقالتي، وهو ما يخالف توجه الدولة في هذا الوقت، وللإنصاف فأن أحدًا من المسئولين لم يبد أية اعتراضات على هذه التصريحات.

    8ـ لقد حظي ابنى بتركيز الصحيفتين وكأنه المقصود الرئيسي بالنشر، ومن ثم راحت الوطن تتحدث عن الليسانس الذي حصل عليه في عهد الإخوان واستبعاده من النيابة العامة بعد سقوط مرسي، والصحيفة لم تتحر الحقيقة فيما نشرته لأن ابنى حصل على ليسانس الحقوق بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف عام 2010 في عهد مبارك، وأن الأمن الوطني قد وافق على تعيينه وصدر قرار مجلس القضاء الأعلى بتعيينه وتم استبعاده في مرحلة لاحقة بسبب لا يمت للقانون بصلة وهو محل طعن أمام دائرة طلبات رجال القضاء.

    9 ـ إن ابنى قد تم تعيينه في الطب الشرعي في أواخر عام 2009 وتسلم العمل في يناير 2010، كما لم يعين أحد في الطب الشرعي حسب معلوماتي خلال حكم الدكتور محمد مرسي وأن آخر دفعتين تم تعيينهما كانت في 5/ 3 /2012 ثم في أوائل عام 2014، فعلى الصحيفتين التحقق مما تنشر حفاظًا على مصداقيتهما أمام القراء.

   10 ـ إن الصحيفتين لم تقدما حتى الآن دليلاً واحدًا ضد أي من الأطباء الذين أوردت اليوم السابع أسماءهم واتهمتهم بالتلاعب في التقارير، فإن قدمت فلا يسأل عنها إلا مرتكبها.

    اللهم لا تجعلنا ممن يقول الزور أو يشهد الزور أو ممن يلبسون الحق بالباطل أو يكتمون الحق وهم يعلمون.

    ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

                       

* وزير العدل الأسبق

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus