بكَيتُ الشاوي مرتَين

بكَيتُ الشاوي مرتَين
 
د. إبراهيم البيومي غانم
الثلاثاء, 28 أبريل 2015 21:45

بمناسبة عيد العمال، ومركزية قيمة العملفي الإسلام، وكونه أحد أكبر قواعد تشييد صرح الحضارة الإسلامية، تذكرت أستاذنا العلامة توفيق الشاوي الذي رحل قبل ست سنوات يوم 8 أبريل 2009. وتذكرت ما كتبته غداة وفاته عن رحلته الطويلة والشاقة في الحياة، والتي تتلخص في ثلاث كلمات هي: العمل ـ الجهاد ـ الصبر. وكان مقصد عمله وثمرته النجاح، ومقصد جهاده الحرية، أما صبره الجميل فسيوفيه الله جزاءه عليه "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب".

وسامح الله أستاذنا الدكتور سليم العوا؛ الذي جعلني أبكي أستاذه وأستاذي العلامة الدكتور توفيق الشاوي مرةً ثانية في الذكرى السادسة لرحيله. كنت قد بكيته لساعات يوم وفاته وكتبت عنه مقالاً مطولاً نشرته مجلة "وجهات نظر في عددها رقم124 مايو 2009 )، وقد اختلطت كلماته ساعة كتابتها بدموع حزني على فراقه. ثم وجدتني أبكيه اليوم بالطريقة نفسها بسبب الدكتور العوا الذي فعل ذلك بي دون أن يدري. فقد سألني ما إذا كانت عندي نسخة من كتاب " قصة المدارس الإسلامية" للدكتور الشاوي؛ لأن أحدهم استعارها من عنده، ولم يردها له، وهو يريد أن يحصل على نسخة أخرى عوضاً عنها. فبحثت في مكتبتي فلم أجد سوى نسخة غير مطبوعة (مسودة)؛ كان الدكتور الشاوي قد أعطانيها لأقرأها وأدقق فيها قبل طباعتها كعادته في أغلب كتبه حيث كان يرسل مسوداتها لي ولعدد كبير من أصدقائه ومحبيه وحتى تلامذته أمثالي ليستأنس بآرائهم، وينقحها في ضوء اقتراحاتهم!. فلما أخبرت الدكتور العوا بأمر هذه المسودة، قال لي: عندي مثلها كان الدكتور قد أرسلها لي لمراجعة بعض موضوعاتها، أنا أريد نسخة مطبوعة".

بعد هذا الحوار مع الدكتور العوا، لا أعرف ما الذي جعلني أعيد قراءة "قصة المدارس الإسلامية"، وتوافقَ أنني كُنت قد فرغت لتوي من قراءة الترجمة العربية لكتاب باتريك هايني "إسلام السوق" الذي أصدرته "مدارات للأبحاث والنشر ـ بتقديم هبة رؤوف. فإذا بي أدخل في حيرةً شديدة بين بكاء يغالبني فيغلبني حنيناً إلى السنينالطوال التي صحبت فيها العلامة الشاويوتتلمذت فيها على يديه، وبين ضحك لم أجده،ولم يجدني، على ما قرأته في كتاب "إسلام السوق".

في كتاب "قصة المدارس الإسلامية" طرف من قصة نجاح الشاوي في عالم الأعمال وتأسيس المدارس. وبقية القصة في كتبه الأخرى ومنها "نصف قرن من العمل افسلامي". في مقدمة "قصة المدارس"قال العلامة الشاوي وهو يفخر بما يقول:" شرفني والدي الحاج محمد الشاوي بأنني كنت أقود الحمارة له وأنا في السادسة من عمرى، أقودها وهى تحمل الأحجار إلى مكان بناءِ أول مدرسة بقريتي الغنيمية (مسقط رأسه ـ مركز فراسكور ـ دمياط). ومن هذه النقطة الغائرة في عمق شخصية الشاوي ومسيرتة المفعمة بالعمل والجهاد والصبر، بدأت قصة نجاحه متعدد الأبعاد على المستوى الشخصي؛ حيث بدأ حافظاً للقرآن الكريم في قريته الصغيرة، وانتهى واحداً من أكبر علماء العصر ومجدديه. تشهد بذلك مؤلفاته وتلاميذته وأفكاره التي شرقت وغربت. وحيث بدأ فقيراً معدما وانتهى ثرياً من أصحاب الملايين المملينة، ومؤسسات التعليمية والمدارس التي أنشأها على امتداد العالم الإسلامي شاهدة على ذلك . وشعر في طفولته بأن "اللغة الإنجليزية" عدو له ولأسرته لأنها لغة الاستعمار، ولأنها حرمت عددا من أفراد أسرته من التعليم؛ فصمم على قهرها وتعلمها وتعلم الفرنسية أيضاً ، وانتهى بأن حصل على الدكتوراة من جامعة باريس سنة 1947. ولما عاد إلى مصر وجد العسكر قد سيطروا على السلطة بعد يوليو 1952 وأضحت أبواب العمل موصدة في وجهه، وأبواب السجن الحربي مغلقة عليه، فذهب إلى المغرب الأقصى ليعمل أستاذا للقانون ومستشاراً للبرلمان، ثم واصل جهاده من قادة التحرير في المغرب والجزائر وتونس .

لم يهدأ الشاوي عن العمل والجهاد ولم ينفد صبره يوماً من أيام حياته، حتى وصل إلى أعلى مستويات الاجتهاد والتجديد، وحصد أفضل ثمرات الكدح والعمل، وصارملء السمع والبصر لدى أغلب النخب السياسية والاقتصادية والعلمائي، ة (نسبة للعلماء)ولدى قادة وزعماء حركات التحرر والجهاد من أجل الاستقلال على امتداد العالم الإسلامي، وفي بلدان المغرب العربي بصفة خاصة. وأترك للقارئ أن يتعرف بنفسه على تفاصيل رحلته في النجاح متعدد الأبعاد من كتابه "قصة المدارس الإسلامية"، وكتاب سيرته الذاتية الصادر بعوان "نصف قرن من العمل الإسلامي" الصادر عن دار الشروق المصرية.

ما جدد البكاء حزنا على فراق أستاذي العلامة الشاوي هو ما أعدت قراءته بروية في كتاب قصة المدارس الإسلامية عن أيام طفولته الأولى في قرية "الغنيمية"، وخاصة اعتزازه بقيادة الحمار لينقل عليه والده الأحجار التي وضعت في أساس بناء أول مدرسة وهو في السادسة من عمره. في سرديته دروس وعبر، و"رؤية" للحياة أشعر أنني ورثتها مثلما ورثه هو، وورثها كثيرون من أبناء القرى والأرياف في شتى مجتمعاتنا العربية والإسلامية. هؤلاء الذين لم يفهمهم "باتريك هايني" صاحب كتاب إسلام السوق، ولا غير باتريك هايني ممن كتبوا عن الحركة الإسلامية المعاصرة، واتهموها بأنها تريفت في حين أنها حركة ميدينية(هكذا!). وكلما قرأت فصلا في كتاب قصة مدارس الشاوي، زادت قناعتي بأن خطأ باتريك هايني وأصحابه الفادح هو أنه أطر هذه الحركات الإسلامية ضمن مقولات ومرجعيات مستمدة من ثقافته الأوربية، وعلى الأكثر ما يعرفه عن التجربة الأمريكية ودور الدين فيها كعنصر ضمن المنظومة الرأسمالية المتوحشة؛ حتى إنه نظر إلى الأعمال الخيرية للإسلاميين على أنها تقليد لمثيلتها في التجربة الأمريكية والأوربية عموماً (هكذا..!!). وكلما قرأت تفاصيل "إسلام السوق"، وكلما طالعت سيرة الشاوي كنموذج، زادت قناعتي بأن لكل قوس باريها. فالشاوي نموذج فذ في النجاح متعدد الأبعاد، تعود بداياته إلى ثلاثينيات القرن الماضي، وما ينطبق عليه ينطبق على كثيرين غيره رافقوه أو عاصروه، أو جاءوا من بعده. بينما فكرة باتريك هايني الرئيسية تؤكد على أن الحركات الإسلامية انزاحت عن المطالب الكبرى في النهضة والخلافة إلخ إلى البحث عن النجاح بالمعنى الاقتصادي وإثبات الذات فقط في العقدين الأخيرين تقريباً،  وأنهم لم يجدوا الطريق إلى ذلك إلا عبر أدوات المنظومة الرأسمالية الغربية/الحداثية. وأن هذه المنظمة فرغت دعواهم "الإسلامية" من مضمونها في نهاية المطاف(هكذا!!).

أأضحك من هذا التحليل الذي جاء به هايني ورحب به بعضهم، أم أبكي حنيناً إلى نموذج الشاوي الذي حقق أقصى ما يتحدث عنه هايني قبل عقود من الزمان. ما يعني أن تحليل هايني إن صدق على بعض إسلاميي العقود الأخيرة؛ فإنه يفشل فشلا ذريعاً في تفسير النجاحات التي حققها بعضهم الآخر قبل توافر الشروط التي تحدث عنها صاحب العنوان المثير لمشاعر متضاربة "إسلام السوق"!!.  

نظرة أخرى على حضور "القيم الريفية" التي شكلت وعي الشاوي ونقشت أهم معالم نجاحه في العمل والجهاد والصبر مدة حياته التي شارفت مائة سنة كاملة، نجده يقول " إن القرية هي جنةُ الاطفال، وكل ما فيها صغير كأنها ساحة أعدت للعب الأطفال ولهوهم. هي صغيرة في حجمها. مساكنها صغيرة وشوارعها صغيرة . إنها صغيرة في عدد سكانها ومنازلها، كبيرة في حقولها ومزارعها وخيراتها. والتعاون بين أهل القرى هو الأصل؛فهي تقوم على الوحدة والتضمامن، ومن القرية استمدت حضارتنا ومجتمعنا أهم خصائصها وهى الوحدة والتضامن سواء الأسرة أو القرية أو الأمة". في القرية الحقول مملوءة بالمزروعات والنباتات والدواب والطيور كل ما فيها من صنع الله، وقليل منها من صنع الإنسان ومصانعه. الإنسان في القرية على حالته أقرب إلى الفطرة مما يوجد بالمدن. المملوءة بمبانٍ شاهقة ومصانع وسيارات وضجيج ودخان وزحام. (لا أقول هذا لأغيظ هبة رؤوف مثلاً التي قالت لي مرة: أنا بلا ذاكرة لأنني بنت ميدان التحرير حيث بلكونة الشقة وسيارات تمشي في الميدان وبس، أما أنت فلك ذاكرة ثقيلة وثرية. ولم تفوت الفرصة فقالت: على فكرة ليس لك فضل في ذلك، إنما فقط لأنك ولدت ونشأت في القرية، وليس لي ذنب في ذلك لأنني فقط ولدت ونشأت في ميدان التحرير) أو كما قالت.

ليست القرية وحياة الريف مجرد مرحلة زمنية شهدت طفولة الشاوي الباكرة، وإنما هي "مدرسة" شاملة في الحياة. لقد وجدت القرى قبل أن توجد المدن. والطفل في القرية يرى جمال الطبيعة كما صنعتها يد الله. وكلما نظر إليها يشعر بقدرة الله وعظمته أكثر مما يشعر بها أي طفل آخر . إن الإيمان بالله قريب إلى قلوب أطفال القرية ورجالها ونسائها. القرية تزع القمح والقطن والأرز..إلخ وتنتج أيضاً الرجال والقادة والمفكرين والمجاهدين. وهذا أيضاً من أهم أصول  حياتنا وحضارتنا ومن أهم خصائصها أن الايمان بالله هو أساس حياتنا لأننا في القرية نرى يد الله وقدرته في كل وقت وفى كل شيء. وهذا ما لا يعرفه باتريك هايني ولا غير باتريك هايني رغم أنهم يبذلون جدهاً فائقاً في البحث والدرس.

حكى الشاوي مواقف من حياته بالغة الطرافة والصرامة في آن واحد، منها ما ذكره مثلاً عندما رفضت المدرسة الصناعية قبوله تلميذا في قسم "النجارة نظراً لنحول جسمه وهزاله"، ولم يقبلوه إلا في قسم النقاشة، فرفض، لأنه كان يريد أن يصبح نجارا، فأشفق عليه أخوه الأكبر وقال له : لا مفر من أن تجلس في القرية هذا العام وتعتنى والدتك بتغذيتك حتى تقوى وتكون في السنة  القادمة أهلا لقسم النجارة".

 مساكين شباب هذه الأيام الذين لم يتعرفوا على شخصية مثل شخصية الشاوي. فمن يقرأ هذا الجزء من سيرته قد يظن من أسلوبه الساخر ؛ أنه كان مرحاً محباً للمزاح والفكاهة ، ولكن من عاش معه سنوات مثلي يعرف أن الابتسامة كانت أعز ما يطلب منه، وأقل شيء يجود به، وكان طوال الوقت في شغل بعظائم الأمور كأن كل مشكلات العالم الإسلامي من اختصاصه وحده دون غيره. كأن العالم الإسلامي لم يعد فيه أحد يحمل همه إلا الشاوي!. حتى عندما عزمني ذات مرة نادرة وكان معنا مساعداه الأستاذان: إبراهيم العجيري ونعمان الغريب في مطعم على كورنيش النيل؛ إذا به ينادي على الجرسون وقال له: عندك إيه يا ابني؟ فقال الجرسون كل شيء ياباشا. فقال له بلغة آمرة: هات لي طبق تورلي باللحمة، وطبق أرز، وهات لهذا(يقصدني) مثله، وهات لهذين(وأشار لنعمان وإبراهيم) أرز من غير لحمة(وكرر: من غير لحمة مرتين) . كدت أنفجر من الضحك، ولكني صرامة وجهه وجديته، وصمت إبراهيم ونعمان حاجزا وجدته حاجزاً منيعاً من أن أبدي أية حركة في أي اتجاه ناهيك عن مجرد الابتسام. ثم صرت كلما تذكرت ههذ الواقعة أضحك حتى ينتهي بي الضحك إلى البكاء ترحما على العلامة توفيق الشاوي.

اتصل طلف القرية وهو العاشرة من عمره بتفسير سورة العصر للإمام محمد عبده أثناء زيارته" دار كتب بلدية المنصورة " صحبة عباس أفندي ملعمه اللغة ومنذ ذلك اليوم اصبحت كتب الشيخ " محمد عبده " و " جمال الدين الأفغاني من أهم مصادر ثقافته العامة.

يحدثنا الشلوي عن الأسبوع الأول الذى قضاه في المنصورة وهو يحضر نفسه للالتحاق بالمدرسة الأهلية وهو في سن السابعة، يقول"  تجولت كثيراً في شوارع المنصورة، مع أخى " احمد " كنا نرتدى الجلاليب والطواقي كما يفعل الفلاحون في بلدنا ،وكان أحمد يلحظ كثيرا من الأفندية في الشوارع والقهاوى ينظرون إلينا بشيء من الاستغراب والاستنكار. قال لي مرة إن الملابس تغير أفكار الناس. وإن كثيراً من الأفندية بمجرد أن يتعود لبس البدلة يعتبر أنه قد أصبح خواجة،أو أنه أقرب للخواجات منه إلى الفلاحين. سترى كثيرا منهم يحتقرون الفلاحين حتى ولو كانوا أبائهم او إخوانهم أو أقاربهم. وإن منهم من يشعر أن الخواجات لا يحترمونه ولا يحبونه ولكن ذلك لا يمنعه من الاستمرار في التشبه بهم والتقرب إليهم، وكأن أمله أن يصبح معهم وفى صفهم هؤلاء هم الذين نسميهم العملاء،ومما يؤسف له أن امثال هؤلاء هم الذين يحصلون على المناصب ويسيرون الإدارات والشركات بل والمدارس فلا تتأثر بذلك". وفهم الشاوي الدرس، وعمل به إلى آخر يوم من حياته.

الشاوي وهو طفل في السادسة من عمره شارك أبوه في بناء المدرسة الأولية في قريته المتواضعة في مصر، ولم يأل جهدا في إنشاء المدارس الإسلامية ورعاية المدارس القرآنية في جميع أنحاء العالم مبتدئا من جامبيا المطلة على المحيط الأطلنطي إلى الفلبين المطلة على المحيط الهادي،  كما قام بواجبه تجاه أفغانستان أبان الاحتلال السوفيتي عن طريق إنشاء المركز التعليمي لأبناء المجاهدين الأفغان ببشاور ، كما قام برعاية المدارس الإسلامية في دول آسيا الوسطى الإسلامية حتى جمهورية قازاقستان على حدود جمهورية الصين وأوربا بدول البلقان عن طريق تنظيم دورات تدريبية للمعلمين الذين يعملون في حقل تعليم اللغة العربية والثقافة الإسلامية لأبناء المسلمين في تلك البلاد، وفي مصر أنشأ جمعية لإدارة الاتحاد العالمي للمدارس الإسلامية برئاسة الشيخ محمد متولي الشعرواي، وأنشأ سلسلة من المدارس في القاهرة وغيرها من المدن المصرية، وكان للغنيمية نصيب في مدرسة متميزة من مدارسه. بدأ حياته يقود حمار أبيه الحاج محمد الشاوي وهو يبني أول مدرسة في القرية، وأنهاها ببناء مدرسة متميزة في القرية نفسها. وبين بناء  المدرستين امتلأت حياته بالعمل والجهاد والصبر.

العلامة الشاوي إلى أن شارفت رحلته الطويلة في الحياة على نهايتها لم يكن يحب النجاح السهل أبدا، ولا يتذوقه نهائياً.وإنما كان يحب أولاًبذل الجهد والتعب؛ولكنه لم يكن يبحث عن التعب لذاته، وانما ليشعر بلذة الجهد والنجاح الذي يحققه.

ترى: سيرة أي شخصية يمكن للقائمين على التعليم والتدريس هذه الأيام أن ينصحوا بها التلاميذ وشباب هذا الجيل لقرءاتهاليقتدوا بها ويتخذونها قدوة حسنة؟ .

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus