تأملات فى الهجرة النبوية

تأملات فى الهجرة النبوية
 
محمد يوسف عدس
الثلاثاء, 30 ديسمبر 2014 16:46

مقال بعنوان  " تأمّلات في الهجرة النبوية" سطّره فيلسوف الإسلام المجاهد رئيس البوسنة الأسبق على عزت بيجوفيتش .. وكتب تحته بقلمه: "انتهيت من كتابة هذا المقال فى شهر مارس 1978م" ، لم يعْتد الرجل أن يفعل هذا مع مقالاته الكثيرة الأخرى، وهذا دليل على أنه يعلّق أهمية خاصة على موضوع هذا المقال ..  يقول:

 "الحقائق التاريخية  التى عادةً ما نسميها بالهجرة  معروفة لجميع المسلمين، وخلاصتها: أن جماعة من المسلمين  بقيادة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أُجبروا على ترك ديارهم في مكة وهاجروا  إلى يثرب .. تركوا  وراءهم  كل ما كانوا  يملكون،  ولم يحملوا معهم  سوى  إيمانهم بالله الواحد الأحد .. وقع ذلك في السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية، أي فى شهر سبتمبر 622 ميلادية ..

هذه الواقعة التي كانت وماتزال مصدر إلهام لخيال البشرية، تم تدوينها فى روايات مفصّلة تتضمًن كثيرا من الأحداث المثيرة ، فلا شك أن قصة الغار كانت أكثر هذه الأحداث إثارة لخيال المسلمين عبر التاريخ ؛ وقد حملت إلينا كتب التراث  قصصا تداولتها الأجيال عن الغار الذى أوى إليه النبي  صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر.. مثل قصة  العنكبوت الذي نسج بيته ، وقصة الحمامة التى وضعت عشها وبيضها على باب الغار .. وكيف وصل الكفار إلى الغار ولكنهم ضلّوا عن هدفهم .. 

إلا أن حقيقة ما حدث فى الغار  كانت أعجب وأرسخ فى ذاكرة التاريخ الإنساني ؛   ففي تلك اللحظات المصيرية الفارقة بين الموت وانتهاء الرسالة، وبين الحياة  واستمرارها قال النبى (صلى الله عليه وسلم)  عبارته الشهيرة لرفيقه وصاحبه أبي بكر ليهدّئ من روعه "لا تحزن إن الله معنا".. وهي العبارة الخالدة  التى سجلها القرآن العظيم  فى آية يتعبّد بها المسلمون  إلى يوم القيامة: { إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .

تتملكنا اليوم حيرة شديدة -ونحن نتفيَّأ ظلال الهجرة النبوية - أيّ معنًى من  معاني الهجرة الخالدة ، مما يجب أن نبرزه بصورة خاصة عندما نتأمل هذه الواقعة وآثارها الفذّة في تاريخ الدعوة الإسلامية ..!؟، أي معنًى  من معاني هذه الهجرة يجب أن نستدعي إلى ذاكرتنا، ونحن نتأمل الأحداث الفارقة [عبر أربعة عشر قرنًا من الزمان] .. فنتساءل: في أي حدثٍ من أحداثِ الهجرة تكمن الأهمية  الكبرى..؟  هنا تتفرع بنا احتمالات كثيرة، حيث يمكننا الحديث على سبيل المثال: عما كانت تعنيه الهجرة النبوية لتقدم الفكر الإسلامي باعتباره منهج حياة .. والاحتمالات كثيرة يصعب حصرها.. وفي كل منها سنتيقّن من جديد أن الهجرة كانت نقطة فاصلة في التاريخ الإسلامي كله،  يقول بيجوفيتش:

 هنا ينبغي أن نتذكر دائما أن أهم لحظة -على مدى ثلاثة وعشرين سنة من بدء نزول الوحي بالقرآن الكريم- كانت هي اللحظة التى أذن الله فيها بالهجرة النبوية ، فهي تعني لتاريخ الإسلام ما يعنيه شروق الشمس على الكون الفسيح كله ؛ فعلى الرغم من أن فجر الإسلام  كان قد أسفر فى مكّة مع نزول الوحي الأول، ولكن لم تشرق الشمس بكل ضيائها إلا فى المدينة، فمع الهجرة تحول الإسلام من حركة روحية محضة إلى جماعة إسلامية .. لتتحول منها إلى بدايات لتشكيل المجتمع والنظام والدولة .. لذلك  إذا أردتم الوقوف وجها لوجه مع أسرار الإيمان بالله ، وأن تغوصوا في البحر اللّجي للإيمان، فعليكم بقراءة بعض السور القرآنية المنزّلة فى مكة المكرمة، ولكن إذا أردتم معرفة الإسلام باعتباره مجموعة القوانين أو نظام الدولة فلا يمكنكم الوصول إلى ما تريدون إلا إذا بدأتم  تتأملون بإمعان فى  السور المدنية."

"أما واقعة الهجرة النبوية في حد ذاتها  فهي حلقة الوصل بين مرحلتي  مكة والمدينة، وهي مَعْلَمٌ في هذه الطريق .. وجبل مشرف ترون منه المرحلة التي قبله والمرحلة  التي بعده .. هاتان المرحلتان المتميّزتان تكوّنان معًا ما نسميه بالإسلام ، لذلك تظل  واقعة الهجرة  هي المرحلة الحقيقية الأولى لعصر جديد  .. عصر الإسلام الكامل المتكامل .."

هذه بعض أهم  التأملات الواقعية فى الهجرة النبوية .. ولكن  يمكن أن نلاحظ هنا شيئا آخر على نفس الدرجة من الحقيقة والواقعية،  لنتخذ منه العبرة فى حياتنا الراهنة .. نعم لقد هاجر المسلمون من مكة ولكنهم عادوا إليها ...!! عادوا إليها بعد ثمانيةِ  أعوام فقط،  ولكن أي عودة ..!؟ لقد عادوا فاتحين منتصرين .. عادوا ليحوّلوا قبلة الشرك والخرافة إلى القبلة العالمية لدين الله الحق .. فعندما  خرجوا  من مكّة أول مرة تحت إرهاب المشركين كانوا أقوياء روحيا ولكن ضعفاء ماديا .. فلما  عادوا إلى مكة كانوا أقوياء روحيا وماديا  معًا ..

هنا إذن وبهذا المعنى تبدو رسالة الهجرة واضحة  جليّة: لقد هاجر المسلمون لا  فرارًا من الموت كما تهرب الفرائس مذعورة من الصيادين ..  ولكنهم هاجروا ليستعدوا للعودة .. هذه هي الهجرة الحقيقية..! و كلّما أمعنّا النظر في الهجرة النبوية  استأثر بمجامع أفئدتنا جانبها الجُوّاني .. الجانب الإنساني للهجرة،  لا الجانب البرّانيّ، وذلك لأن المعالم التاريخية لهذا الجانب الإنساني بدأت تضعف فى ذاكرتنا  وتتلاشى مع مرور الزمن ..  وبدأنا نبذل جهودا  مضنية لنميز بين وجوه أولئك الصحابة الذين شاركوا فى هذه الرحلة الشهيرة .

يقول على عزت بيجوفيتش: " إن أسمى وأعظم حقيقة في هذه الهجرة هي هؤلاء الرجال و إخلاصهم لله وتضحياتهم من أجل الإسلام ...! ولا يسع الإنسان إلا أن يتحسّر على كونه لا يملك حِسًّا شاعرًيًّا مرهفًا؛ ليرطّب هذا الوصف الجاف بقصيدة  معبّرة حافلة بأعمق مشاعر القلب والوجدان؛ عن جيل من الشجعان الأفذاذ الذين عاشوا بالإسلام وللإسلام، ولكن حتى من غير هذه المَلَكة الشاعرية تتوارد الأسئلة من تلقاء نفسها : من كان هؤلاء الرجال الذين تركوا ديارهم لمجرد أن دعاهم النبي – صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك ..!؟ وراحوا يبحثون عن ديار جديدة للإسلام قبل أن يبحثوا عنها لأنفسهم ..!؟ ماذا كانت حقيقة أولئك الرجال..!؟ لماذا يختلفون عنا كل هذا الاختلاف...!؟ وخاصة هذا السؤال: من نكون نحن عند مقارنة  أنفسنا بهم...!؟"

قد نجيب عن أكثر هذه الأسئلة بمشقةٍ ، وعلى الأخص السؤال الأخير ، لأن الأجوبة ستكشف أمام وعينا عن هزيمة شخصية مطلقة لنا .. فإذا كانوا هم المسلمون الحقيقيون ، فهل نحن اليوم مسلمون حقًّا  ..!؟  وهل من حقّنا الادّعاء بأننا ننتمي إلي شجرة هذه الدوحة الإسلامية العظيمة الرائعة .. ؟

لقد كانوا مثلنا: نطقوا بشهادة الإسلام : "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله !!"  و لكن بينما نحن نردد الشهادة  مجرد ترديد باللسان كانوا هم يعتقدون فيها  ويوقنون بها يقينا لا شبهة فيه،  وقد أكدوا انتماءهم لهذه الشهادة في حياتهم بتضحياتهم الرائعة .. وبهِجْرتهم من أرضهم .. وبكل ما ترتّب على تلك الهجرة  من مشقّات وتضحيات .. أما نحن فعلي نقيض ذلك ، نؤكد كل يوم (بتخاذلنا وسلبيتنا وسعينا وراء النجاح المادّي، وراء  المنصب والمال والسمعة) نؤكد  بأننا لا نصدّق إلا بما نراه بأعيننا وتلمسه أيدينا .. 

 لقد  ضحوا هم بحياتهم من أجل الإسلام ونصرته ورفع شأنه ، وعاشوا حياتهم كلها للإسلام ، بينما نحن نموت من الخوف ومن السكتة القلبية، ومن حوادث المرور، ومن السمنة والترهل والأزمات العصبية ، ونعيش من اليوم للغد ..! وبعبارة موجزة ، كان الصحابة لا يخشون إلا الله ، وأما نحن فلا نخشى إلا الناس..!؟  وهكذا ترى الفرق بيننا وبينهم  شاسعا  مذهلا .. كالفرق بين السماء والأرض ، والنتائج  المترتبة على هذين الموقفين كذلك شاسعة ومذهلة ..!.

عندما نتأمل ابتلاء الجيل المسلم الأول ومحنه -وكانت الهجرة واحدة من تلك المحن- قد يتساءل كثير منا : ما السّر في ابتلاء  الله لهذه العصبة  من المؤمنين  مع  رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ... ؟ وقد تحملوا قبلها صنوفًا من الأذى والبلاء  .. خُتمت بثلاث سنوات كاملة من الحصار والمقاطعة والجوع ، ثم أُجبروا أخيرًا على ترك ديارهم ومدينتهم ..؟ إن الله عز وجل -وهو العزيز القادر- يستطيع بكلمة واحدة أن يهلك المشركين ويدمّر قوتهم، أو يرسل عليهم المرض أو يقذف في قلوبهم الرعب والوهن إن شاء، أو يزيل بطريقة أو بأخرى جميع العوائق عن طريق هذه العصبة المؤمنة التي كانت تسبّح باسمه -جل شأنه-  بكل هذا الحب العظيم ، ليكون طريق رسالتهم سهلًا مُيسّرًا ..!؟  ولكن الله لم يشأ  أن يقضي بذلك ، بل ابتلى هذه الجماعة الصغيرة بكل هذه المحن القاسية التي سمعنا عنها كثيرًا .. لماذا  ..!؟


يجيب علي عزت بيجوفيتش قائلا: يبدو أنّنا لا نملك إلا تفسيرًا واحدًا  وهو : أن الله -وهو رحيم قادر- أراد التمييز بين الصادقين وغيرهم، بين المخلصين والمنافقين ، بين الثابتين والمتذبذبين .. وذلك لأن الوضع العالمي العام كان يتطلب تطهير العالم وتغييره وتنظيمه على أسس جديدة .. لقد وصلت الإنسانية وحضارتها في ذلك الوقت  إلى أقصى نقطة من الانحراف والتّردّي؛ وكان لابد من مرور المحراث الحديدي ليطهّر كل هذا العفن و يزيل المستنقعات وينظّف التربة ..  لتنبت بذرة حضارة جديدة في أرض صالحة. فمن الذى كان فى مقدوره أن  يحمل هذه الرسالة..؟  لم يكن ذلك في مقدور أي جيل عادي ، بل كان لابد من جيل يستحق شرف هذه الرسالة .. وقد اختار الله لذلك الشرف جيل الهجرة دون سواهم .. إنهم أكدوا استحقاق ذلك الشرف التاريخي الفريد ؛ لإخلاصهم لدين الله واستعدادهم للتضحية فى سبيله .

لا يتسع المجال هنا لذكر كل التحولات العظيمة التي حدثت بعد ذلك على مسرح التاريخ في العالم وقتئذ:  فقد انهارت إلى الأبد أكبر دولتين  عُظميين في العالم ، ونشأت مدن جديدة، واجتاحت العالم نهضة أخلاقية هائلة، واكتشف الإنسان مجالات جديدة في عالم العلم والمعرفة  ؛ بإيجاز شديد نشأت حضارة جديدة .. وأشرقت على الدنيا شمس جديدة،  حضارة الإسلام وشمس الإسلام  ..

يقول علي عزت بيجوفيتش: " لعلنا  هنا  نستطيع أن نؤكد  بأن بذرة هذه الحضارة الجديدة كانت هى العصبة القليلة من المسلمين ، التي هاجرت سنة 622م إلي المدينة ، وأنه لم تكن في العالم كله آنذاك جماعة تتساوى معها أوترقى إلي مستواها .. لقد كانت تحمل في قلوبها الإيمان الخالص بالله ، وكانت كل قوتها  متمركزة في هذا الإيمان، و في هذا الإيمان وحده ... !!"

ويتابع بيجوفيتش متسائلا: " هل علينا أن نطرح من جديد ذلك السؤال التقليدي : ما العبر والدروس المستفادة من الهجرة النبوية ...؟ وتلك كانت إجابته .. وهي إجابة  تتردد  بين الحقيقة والتساؤل .. ذلك لأننا إذا أخذنا بلُبّ هذه الواقعة (واقعة الهجرة)  فلابد أن يتحول هذا السؤال إلى أمر واقعي .. اليوم مثلما كان بالأمس: هل سأجاهد من أجل الإسلام، أم سأكتفي بالتفكير في أموري الشخصية فقط ...!؟ لقد حسم المسلمون الأوائل موقفهم بكل حزم ووضوح، وتصرفوا على هذا الأساس .. أما بالنسبة لنا اليوم فإن السؤال يطرح نفسه من جديد ربما بلغة عصرنا:

 هل سأعمل للخير العام ولمستقبل الإسلام ، أم سأعمل فقط لمنفعتي الخاصة ..!؟ هل سأعمل لخير أبنائي أنا  فقط  أم سأعمل لمستقبل أطفال العالم  بأسره؛ في هذا المناخ المتعفّن الملوّث بثقافات منحطة .. المتعطّش في نفس الوقت لثقافة الإسلام وروحه العالية المتسامية ...؟ هذا هو السؤال ...! إننا فى هذا العصر نقف جميعًا كل يوم  أمام تساؤلات كثيرة عن معنى  الهجرة ودروس الهجرة .. ويبقى السؤال الأساسي هو هو في  الماضي وفي الحاضر على السواء ، ولكن الإجابات  تختلف  فيما بيننا كأفراد ومجتمعات ..  وعلى كل واحد منا أن يجيب على هذا السؤال ..  أن يجيب أمام نفسه وأمام الله: هل أنا مسلم حقاً..!؟ ".   

    عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus