البنية التحتية

البنية التحتية
 
محمد مصطفى المقرئ
الثلاثاء, 16 سبتمبر 2014 17:36

أعني ـ هنا ـ البنية التحتية الأخلاقية، وهي منظومة القيم والأخلاق التي تحكم مجتمع الناس، أو التي تسود بينهم وتضبط سلوكهم وتقويماتهم على نحو ما.. هي الموروث الأخلاقي المتبلور في عادات وتقاليد يستمسك بها بوعي ديني أو بدونه.

وهذه المنظومة تقوم بالأساس على مجموعة القيم الإنسانية التي يتشارك فيها عموم الخليقة بأصل الفطرة الإنسانية، وهي قيم تتوارث في المجتمع وتنتقل من جيل إلى جيل محاطة بقدر من التقديس والإجلال، ويلتزم بها التزام القانون النافذ، وتحترم احترامه وأكثر، ذلك دون حاجة إلى رقابة أو عقوبات !!

إن أكبر جريمة ارتكبت في حق شعوبنا ـ عبر بضعة عقود خلت ـ هي تخريب هذه البنية التحتية الأخلاقية.. ومن ثم تخريب الإنسان نفسه، وإفراغه من القيم الإنسانية التي تسمو به، ولا ينفك بها مكرماً، فكان الهوان كله، والضياع كله (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ) [الحج: 18].

بعد عشرين سنة غبتها عن وطني الحبيب مصر؛ عدت فصدمني هول التدهور ـ أو الدمار ـ الأخلاقي الذي أصاب المجتمع.. عشرون سنة متواصلة منحتني فرصة ملاحظة مؤشر الهبوط الأخلاقي أكثر من غيري، ممن يعيشون في مصر أو يترددون عليها بين الحين والآخر، فيختلسهم التغيير الحاصل اختلاساً، ولا يكادون يلحظون حجمه إلا كملاحظة المراقب لعقرب الساعات، مع أن وحدة سرعة حركته البطيئة المتثاقلة تعدل شوطاً طويلاً من الزمن.. لم أجد ـ في قطاع كبير من الناس ـ ما نشئنا في ظلاله وبين أكنافه من الأخلاقيات والقيم التي كنا نصطلح على تسميتها بـ"الأصول"، أو "الواجب" "أو القيم المحافظة"؛ فنقول (هذه هي الأصول) (أولاد أصول) (ابن أصول وبنت أصول) (عائلة محافظة).. والتي منها: المروءة، الشهامة، الغيرة، الكرم، التكافل، التراحم، احترام الكبير، عفة اللسان، أدب الحديث، التحيز إلى الحق، استنكار العيب، رفض القبح والفحش، الستر، الحياء، الأمانة، طهارة اليد، نبذ المال الحرام والخشية من مغبته، ترك الغش والخداع والكذب ومخالفة الوعد ونكث العهد... إلى آخر تلك المنظومة التي كانت تظلل مجتمعاتنا، ويلتزم بها الناس، بوعي ديني أحياناً، وبغير وعي ديني غالباً، ولكنهم يقدسونها تقديس الدين، إذ نشئوا عليها، ودرجوا على تعاطيها، شباباً وشيبة، بل وأطفالاً صغاراً.. حتى استقر ذلك في قناعاتهم، واستحال عادة سلوكية في أفعالهم، تصدر عنهم بتلقائية وانسجام ..

   لقد كانت البنية التحتية الأخلاقية لمجتمعاتنا ـ حتى وإن مورست بغير وعي ديني ـ بمثابة أرض خصبة قابلة للحرث بأقل جهد وأيسر تكلفة.. وكان من اليسير على الدعاة أن يردوا ـ من خلالها ـ الشاردين عن الحق إلى دينهم رداً جميلاً سلسلاً سهلاً قريباً.

   لكني ـ ومن أسف ـ ألفيت حجم الدمار الأخلاقي مهولاً صادماً.. فلم أفاجأ ـ بعد ـ بثورة مضادة تحيل الربيع العربي إلى خريف قاسي بائس كئيب.

إن ثمة علاقة عضوية مزدوجة بين الثورة وبين منظومة القيم ـ أو اللا قيم ـ السائدة في مجتمع الثورة، وطالما بقيت نفس الأخلاقيات ـ أو اللا أخلاقيات ـ التي كرست الأوضاع المأساوية قبل الثورة، والتي استدعت انتفاضة الناس وثورتهم؛ فإن ثورة مضادة تنشأ من ثم ولا بد !!

   قطاع غير قليل من الأمة خربت إنسانيته، ودمرت أخلاقه.. ومن داخل هذا القطاع يعاد استنساخ نفس النموذج الاستبدادي الفاسد، بل لا يزال هذا القطاع متغلغلاً في مؤسسات الدولة متفشياً في شرائح المجتمع، قابلاً لتجديد نفسه وتجديد عهده، ما يعني عدم الحاجة إلى استنساخ مجدداً، أو مما يسهل عملية الاستنساخ.

   نحتاج وبالضرورة إلى ثورة أخلاقية.. إلى إقامة بنية تحتية غير هذه البنية الأخلاقية المهترئة المتهالكة.. نحتاج ـ وبالضرورة ـ إلى إعادة تشييد منظومة القيم الإنسانية، التي جذرها الإسلام في مجتمعاتنا، ومزجها بنفوس الناس ومزاجهم العام مزج الأمشاج، فصارت كأنها خلقت معه، وهي كذلك بالفعل، فهي الفطرة، وما الإسلام إلا فطرة الله (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) [الروم: 30].. غير أن بعض الفطر ـ أو كثير منها ـ تمسخ، وتبدل لعوامل كثيرة تتعلق بالثقافات السائدة، ومصادر التعلم ومناهجه، والمؤثرات الاجتماعية المحيطة.. .. فإذا ما أضيف إلى ذلك تهميش الدين، وتشويه مفاهيمه، وإشاعة الفساد والانحلال، وتقنين مظاهره وممارساته، وإذا ما بوئت نماذج الانحراف مبوأ الأسوة والمثل الأعلى، وروج ـ من خلال ذلك ـ لأنماط التفسخ الأخلاقي والشذوذ السلوكي، وسوقت أنماط حياتية تنتمي إلى ديانات وعقائد ضالة، وإذا ما أعليت قيمة المادة على حساب الروح؛ فسادت الأنانية والأثرة، وشاع الجشع والطمع.. وإذا ما تفشى النفاق، وصار هو عملة الزمان الرائجة، ووسيلة التسلق المؤكدة النتائج.. .. إذا ما صار ذلك كذلك؛ اتسع الرتق على الراقع، والراقعون ـ من أسف ـ ذاهلون عن أصل العيب، والمطببون غافلون ـ ويحهم ـ عن مكمن الداء !!

  ولست بقائل بتوقف الثورات إلى أن نعيد البنية الأخلاقية من جديد، فالثورات تصنعها عوامل عديدة، وهي لا تخضع لقرارات فوقية تنشئها أو توقفها، وليست بالحدث الذي يُستدعى حين نريده، ولكني أنبه إلى مهمة لا تقل عن الحراك الثوري الحي ذاته، فهي الإسناد الضروري لمهمته، والتهيئة الحتمية التي تحمي منجزاته، والحراك الثوري بحده له دور في إعادة تشييد البنية الأخلاقية، وفي أجوائه نخطو خطوات كبرى على الطريق الصحيح..

تعافي الأخلاق هو الأمل.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.        

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus