من حضّر العِفريت؟

من حضّر العِفريت؟
 
د. سعيد إسماعيل على
الجمعة, 12 سبتمبر 2014 14:43

نمر هذه الأيام بفترة محملة بكم كبير من الأسى والوجع، لم أشاهد مثلها، على طول عمرى منذ أوائل وعيى السياسى أواسط الأربعينيات من القرن الماضى، حتى الآن: دماء هنا وهناك. تدمير وتخريب وتفجير. قطع رؤوس..إلى غير هذا وذاك، المصيبة فيه أنه مقترن دائما باسم الإسلام، وكل إنسان غير مسلم فى العالم عندما يسمع ويشاهد المجازر الحادثة مقرونة باسم الإسلام غالبا ما سوف ينسبها للإسلام، ومن ثم يجئ الإضرار ، بأشد صوره وأقساها من داخل الملمين، أكثر مما يجئ من مغايريهم، وخاصة المعادين.

    ومن هنا تداعت جهود من هنا وهناك، ساعية للقضاء على هذه الظاهرة، فهل الطريق المقترح سوف يؤدى بالفعل إلى تحقيق هذا ؟ لا أظن...

فمن الخطوات الأساسية المتفق عليها فى المنهج العلمى، خطوتان تتعلقان بالإجابة عن سؤالين:

1-    ماذا حدث؟

2-    لماذا حدث ما حدث؟

    الخطوة الأولى هى بمثابة التشخيص والوصف للأعراض...

   والخطوة الثانية تسعى إلى تفسير ما حدث، تمهيدا لخطوة ثالثة، هى المقصد، وسدرة المنتهى، أى الإجابة عن سؤال : ما العلاج؟

   وبالتالى فإن الخطوات التى بدأت تشرع دول كبرى وإقليمية فى اتخاذها، تعنى أنها وقفت عند الخطوة الأولى، أى أنها بناء على " ما حدث " ، وما دامت لم تتوقف عند طرح السؤال الثانى ، فقد تختفى الظاهرة بعض الوقت، لكنها سوف تعاود الظهور ربما بصورة أكثر حدة، وهو الأمر الذى حدث فعلا عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث قامت الولايات المتحدة بقيادة جهود ضخمة لمحاربة ما أسمته بالإرهاب، ثم ها نحن الآن نواجه ما هو أشد وأعتى مما حدث عام 2001، لأن أحدا لم يتجه إلى العلل والأسباب.

   إن مشاعر المرارة والحزن والأسى لا تكاد تفارق كل مسلم وكل عربى، إلا قليلين، زرعتها سنوات طويلة، منذ أوائل القرن التاسع عشر، حيث حرب معلنة وخفية من الغرب على الوطن العربى، وقصص هذه الحرب تمتلئ بها مجلدات طويلة.

   وكان كل عربى يشهد احتلالا، لا يفقد الأمل من أنه سوف تأتى فترة لابد فيها أن يتخلص من الذين استعمروا بلده، إلى أن تمت سرقة وطن يقع فى القلب من كل عربى مسلم، ألا وهى فلسطين، ولا يمر عام إلا ويتراجع الأمل فى استرداده.

   وعندما يسترجع كل عربى شريط أحداث هذه الكارثة، سوف يلمس بكل وضوح أن أمريكا، كانت ، ولا تزال، هى السند، حتى كتابة هذه السطور.

    وإذا كانت الولايات المتحدة قد بذلت المستحيل لدحر ما كان من الاتحاد السوفيتى فى أفغانستان، أواخر سبعينيات القرن الماضى، فلم يكن ذلك بطبيعة الحال رفقا ببلد إسلامى، فكان من الطبيعى ، بعد أن يخرج السوفييت أن يشعر من استنبتتهم وصنعتهم أمريكا من مقاتلين إسلاميين ، أن يستمروا فى التفكير تجاه القوى التى تقف حجر عثرة فى سبيل تقدم البلدان العربية والإسلامية، حيث يجدون أن ليس الاتحاد السوفيتى وحده، فينتهى التفكير إلى أمريكا كذلك، فيتجه العداء إليها.

   وعلينا أن نتذكر بعض التصريحات الغربية التى صدرت بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، من أن الخطر الأخضر- الإسلامى، يحل محل الخطر الأحمر- الشيوعى- الذى زال، وما سار على هذا النهج .

    ولو راجعت الولايات المتحدة ما فعلته بالعراق عندما غزته وفق حجج تبين أنها مكذوبة، سوف يجد أن كل ما يحدث فيه الآن، هو من صنع يديها، من حيث تدمير القدرات الذاتية، والتفريق بين عناصر الشعب العراقى، وزرع الطائفية.

    تلك أمثلة ، هناك غيرها بالعشرات، صفحاتها تمتلئ بالسواد وسوء الاستغلال والنهب والتركيع والتلويث، بحاجة إلى كتب ، لا كتاب واحد، نتيجتها بطبيعة الحال : زرع مرارات ، ومشاعر كراهية، ورغبات فى الثأر، تسعى إلى التصريف، بكل الصور والمنافذ الممكنة!

    ورافق كل هذا نظم حكم محلية، قامت على القهر والاستعباد والفساد، ساندتها القوى الكبرى، رافعة لواء الديمقراطية، بحيث تحول عدد كبير من أبناء الأمة العربية إلى عبيد، فى جوهر وجودهم، حتى لو كان الزى الخارجى بهى الصورة، تحيط به مظاهر يسر ورفاهية، وأكثر وآخر ما تم إنتاجه من تقنيات!

    إذن فأبرز الأسباب تكمن فى افتقاد العدل والديمقراطية فى الداخل، مع التمكين لثقافة دينية لا تفتح الأبواب لمثل وقيم هذين المبدئين، وإشاعة ثقافة التسطيح، حتى لا ينمو عقل قادر على النقد والكشف والمواجهة ، أما من الداخل، فالتخفى وراء أشكال جديدة للهيمنة، بديلا عن الشكل التقليدى القديم للاستعمار.

    إننا هنا " نفسر " و" نشرح" ، ولا " نبرر" و " نسوغ"...

    إن ما يتم من قتل وتدمير وذبح وتشريد وتدمير من جماعات العنف المسلح، يستحيل أن يرضى به من يحمل فى قلبه ذرة حب لوطنه أولا، وللإنسانية جمعاء...

   لكننا فى الوقت نفسه، نؤكد على ضرورة سلوك الطريق العلمى فى التفكير، بالاتجاه إلى بحث العلل والأسباب..

   إن التجييش المحلى والإقليمى والعالمى ضد الإرهاب، لا ينبغى أن يكون ستارا تتخفى وراءه أنظمة قهر واستبداد وقوى استغلال واستعمار، لكى تهرب بأوطان مغلوب أهلها على أمرهم، وإلا فقد تنجح الحملة الحالية، لكن إلى حين، كى تعاود الظهور مرة أخرى بشكل أفدح، واسئلوا فى ذلك أى طبيب، يكتفى بتشخيص المرض، دون أن يسعى إلى معرفة أسبابه، وبالتالى لا يصف العلاج الحقيقى، إلا ببعض المسكنات، فيعاود المرض الظهور بما هو أفدح...

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus