غرائب المفكرين..؟!

غرائب المفكرين..؟!
 
د. سعيد إسماعيل على
الخميس, 04 سبتمبر 2014 16:13

الدكتور عبد الرحمن بدوى!

أثناء دراستنا طوال السنوات الأربع بفلسفة القاهرة، فى الخمسينيات من القرن الماضى، ما من موضوع ندرسه، فى الفلسفة القديمة، أو الوسطى، أو الحديثة، غربية أو إسلامية، وما من تيار قديم أو جديد، إلا ونجد مرجعا من تأليف الدكتور بدوى، بعمق وجِدّة، حيث كان يتقن عدة لغات أجنبية، نتغذى منه وننمو فكريا، وفلسفيا، على الرغم من أننا فى فلسفة القاهرة، وبدوى كان فى فلسفة عين شمس، حيث لم يكن أساتذنا يعتقلون عقولنا فى جلبابهم، على رأى إحسان عبد القدوس!

   من هنا ترسب فى أعماق كل منا ، بل والكثرة الغالبة من خريجى آداب القاهرة، أن عبد الرحمن بدوى هذا معجزة فكرية بالفعل، وكم كتب أنيس منصور يعبر عن ابنهاره به ، حيث تتلمذ على يديه .

   وفى أوائل الستينيات، كنت أزور زميلنا الرحل " محمود رجب" ، الذى كان معيدا( ثم أصبح أستاذا باهرا بعد ذلك) فى فلسفة عين شمس، ورأيت أن أنتهز الفرصة لأتعرف على معجزة الفكر الفلسفى فى العالم العربى، الدكتور عبد الرحمن بدوى، حيث كان رئيسا للقسم.

   ثم إذا بمحمود رجب ينصحنى ألا أحاول التعرف على الدكتور بدوى، وظننه يمزح، فصممت، وهو يلح فى صرفى عن التعرف.

   ثم أدخلنى إلى مكتب الدكتور بدوى، وعرّفه بى، فإذا به يمد أطراف أصابع يده نحوى للسلام، وهو ينظر إلى جهة أخرى، لا يعيرنى أى انتباه!

   خرجت وأنا ألعن اللحظة التى دخلت إليه فيها ، فإذا بمحمود رجب بالخارج غارق فى الضحك، " شامتا فىّ "، قائلا: " مش قلت لك؟" إقرأ للدكتور بدوى، وانبهر كما تريد، فهو يستحق ذلك، لكن حذار من الاقتراب الفعلى منه والتعامل معه!!

   وعندما ذهبت أستاذا زائرا بتربية الكويت عام 1983، كان هو معارا لكلية الآداب هناك، وكانت زوجة الراحل الدكتور" حسن الفقى" من عائلة " بدوى"، وكانت عائلة كبيرة  فى مصر، إقطاعية، وسمعت منها ومن غيرها ما لا يسر عن التعامل الشخصى مع الدكتور بدوى..رحمه الله ، ونفع به آلاف مريدى الثقافة العربية عامة والثقافة الفلسفية خاصة.

 

الدكتور جمال حمدان

كذلك كنت قد بدأت أتابع كاتبا جديدا على الساحة الثقافية، من خلال ما كان يكتب فى الأهرام، والهلال، ومجلة الكاتب، التى كان يرأس تحريرها أحمد عباس صالح، وهو الدكتور جمال حمدان.

    وكنت ألاحظ أن الرجل يكتب وفق زاويتين تميز بهما عمن سبقه، فهو رغم تخصصه فى الجغرافية التى قد لا تبدو جاذبة للقراءة العامة، لكن زوايا الرؤية التى كان ينطلق منها حمدان، كانت جديدة، فضلا عن عمق ينتزع الإعجاب، والزاوية الأخرى، هذا الثوب اللفظى غير المعتاد، من تقابل فى الألفاظ والمصطلحات، ورشاقة الكلمات.

وحدث أن كنت فى زيارة لمكتبة عالم الكتب، عام 1971 لأتسلم أول كتاب عام لى ، الذى كان مشتركا مع الراحل الدكتور سعد مرسى، وكان اسمه الأول( تاريخ التربية فى مصر)، ثم إذا بى ألمح الدكتور جمال فى نفس المكتبة حيث كانت تتولى مهمة نشر ما يكتب.

    انتهزت الفرصة وسارعت إليه هاشا باشا، وعرّفنا الناشر، الراحل يوسف عبد الرحمن بكلينا، ومددت يدى أريد أن أهديه نسخة من الكتاب، فإذا به يُعرض عن هذا، وهو رد الفعل الذى فاجأنى وصدمنى ساعتئذ، وزاد الطين بلة، تفسيره لاعتذاره عن عدم قبول الهدية، بأنه لو قبلها فسوف يضطر إلى إهدائى كتابا من كتبه، فمن يشترى كتبنا؟ ورأى أن انه سوف يشترى نسخة من كتابى!

   طبعا عرفت من الناشر بعد ذلك بعضا من الظروف الشخصية التى عاشها الرجل، ودفعته إلى اعتزال العالم وحرصه على تجنب الظروف التى من شأنها أن تتيح علاقة، وهو لا يرحب بقيام علاقات بينه وبين الكثرة الغالبة من الناس!!

    لكن ، على وجه العموم، فقد أثار هذا الموقف، وما سبقه، وغيرهما كثير،  تفكيرى تجاه غرائب بعض المفكرين، وصدمة الناس بذلك، فنحن عادة نرسم صورة غاية فى التألق والإشراق والعظمة لكبار المفكرين إلى درجة التنزيه عن الأخطاء وشوائب عموم الناس، وكأنهم أنصاف ملائكة، بينما هم بشر يحملون من الشوائب والأخطاء  كمّا غير قليل، لكننا دائما نقارن بين صورتهم المثلى التى رسمها لهم خيالنا وحبنا وإعجابنا، وبين سلوكيات معيبة، فنشعر بالصدمة.

    ومن الأمثلة على ذلك، أننى قلت للعالِم العظيم الدكتور سيد عثمان يوما أننى أشعر بالندم أن لم أحضر ندوات عباس العقاد فى منزله بمصر الجديدة، فإذا به يقول : احمد الله أنك لم تحضرها! وروى لى أنه حضرها مرة، فإذا به يسمع العقاد يتلفظ بألفاظ خادشة للحياء ، ويكررها وما يماثلها، وهو يتحدث عن البعض، بصوت عال، فصُدم فى الرجل، وأقسم ألا يراه مرة أخرى، ويكتفى بالقراءة له!!

    طبعا سيقول البعض أن سلوك المفكر يجب أن يتسق مع فكره، وهذا صحيح فى المطلق، لكن: لكل جواد كبوة، ولكل عالم هفوة...

    ألا تستحق هذه الظاهرة العامة دراسة متخصصة؟ أم أن هناك من قام بذلك فعلا، ويغيب عن علمى؟

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus