العُقْم السياسى

العُقْم السياسى
 
د. سعيد إسماعيل على
الجمعة, 29 أغسطس 2014 17:34

مثلما هو الأمر فى الحياة بصفة عامة، وخاصة بالنسبة للكائنات الحية، هناك سُنة الله فى خلقه، من حيث ما يتوجب من خصوبة، تنتج أعقابا وذرية، تتوالد تباعا، على مدى الحياة، كذلك الأمر فى الحياة السياسية التى تقوم على أكتاف أفراد وجماعات وهيئات تفكر وتقترح وتنتقد وتُنَظّر وتُغَير، تظلهم مظلة التنوع والاختلاف، وتدعمهم ديمقراطية لا تقصى ولا ترتعد أمام قعقعة سلاح، وأبواب زنازين، وسياط جلادين.

   ولا تزدهر الحياة السياسية إلا بمقومين: أولهما هذا المناخ الذى أشرنا إليه، مما يوفر تربة صالحة للإنبات والإزهار والتوالد الصحى، ثانيهما: أحزاب سياسية يجمع كل منها مَن يؤمن بنهج بعينه ، ويتبنى فلسفة بذاتها، ويسعى إلى تحقيق أهداف يرى أنها خير سبيل لإسعاد العباد، وإنهاض البلاد.

   والذى يسترجع بسرعة الشهور التى تلت ثورة الشعب المصرى العظيمة فى 25 يناير 2011، يمكن أن يلمس أن المشكلة الكبرى التى واجهتها وأفشلت الكثير من الأمانى التى عُقدت عليها أن الأرض السياسية المصرية افتقدت قوى سياسية على درجة كافية من النضج، على الرغم من ظهور العديد من الأحزاب فجأة، يصعب حصر عددها، لكنها جميعا مثل " زبد البحر"، لا امتداد لها فى شرايين المجتمع، ولا استطاع واحد منها، منذ أكثر من ثلاث سنوات أن يعين فى ترك بصمة فى حياة الناس.

   ولو تتبعنا الأسباب بقراءة سريعة إلى البدايات، لعرفنا السبب، مما يبطل العَجب.

   فبعد فترة قصيرة للغاية من حكم ضباط يوليو 1952، تم إلغاء الأحزاب، وحل محلها تنظيم سياسى رسمى " أحد لا شريك له "، ترعاه السلطة، مما استتبع قطع الطريق على أية معارضة ومغايرة.

   وكان الاعتماد الأساسى فى اختيار الوزراء هو إما أن يكون من العسكر، أو من المدنيين التكنوقراط، بحيث يجد – مثلا- أستاذ هندسة فى فن متخصص نفسه فجأة وقد أصبح وزيرا، على أساس أن الجوانب السياسية هى فقط من شأن القيادة العسكرية.

   وبالمران والتجربة، يكتسب هذا الأستاذ الفنى المتخصص خبرة سياسية، لكنه – فجأة أيضا- يجد نفسه وقد أُزيح من منصبه، وهذا من طبائع الأمور ولا غبار من ثم عليه، لكن لا يُعلن أبدا لماذا جاء؟ ولماذا ذهب؟ كذلك، فما دام قد أُزيح من من موقعه، لا فرصة أمامه أن يعود إلى الحكم مرة أخرى، إلا فى أحوال نادرة، وكأن المراد أن يظهر غالبا من هو جديد على السياسة، أما من اكتسب خبرة، فلابد أن تتم إزاحته..ونقول : إلا ما ندر!

   ونقفز إلى الفترة التى تقرر فيها إعادة الحياة الحزبية ، خاصة فى عهد مبارك، التى قامت على خطيئتين جسيمتين: أولهما ترؤس رئيس الدولة لحزب كبير، وكلنا يعلم، بحكم السنوات السابقة، وبحكم الثقافة فى مصر،أن ذلك كان معناه ابتلاع المساحة شبه الكلية للحياة السياسية، فضلا عن شبهة غالبة حول دوافع المنضمين، من حيث ازدهار سوق النفاق والمسايرة، مما ساعد على استمرار خرس الألسن، وضمور العقول، وتبدد احتمالات النقد والمعارضة.

    بل إن من تشوبه شبهة المغايرة والمخالفة، كانت تحوطه الشبهات، وصور الإقصاء والاستبعاد، مما أدى إلى أن  المغذى الوحيد على وجه التقريب للحياة السياسية هو السلطة الحاكمة نفسها التى تعتبر واحدة منذ 1952، حتى يناير 2011، حتى أننى أذكر أن أستاذا كبيرا فى التربية، عندما أراد تجديد وجوده أستاذا غير متفرغ فى إحدى الكليات، برز واحد يثير الفزع منه بأنه عضو فى حزب العمل، وكأنه حزب العمل الإسرائيلى !! ولو شئنا أن نشير إلى ما ترتب على هذا من خطايا جسيمة ، بل وجرائم، أنتجت عقما فى الحياة السياسية، لاحتجنا إلى صفحات طويلة.

   وزاد الطين بلة: الآلية التى وضعت للسماح بإنشاء حزب جديد، فمن الناحية القانونية، كان هناك سماح بذلك، لكن من خلال " صنبور" يمسك به حزب السلطة نفسه، فيفتح للنوع الذى يريد، وبالقدر الذى يريد، فى الوقت الذى يختار.

   وعندما كانوا يجدون حزبا " شم نفسه" ، وأراد أن يكون له تميزه وحركته، برزت الآلة الأمنية لترتب قتله بالسم البطئ ، فمن ذلك: فبركة كارنيهات لأعضاء يجتمعون ليقرروا عزل رئيس الحزب، أو دفع واحد أو اثنين للتنازع على رئاسة الحزب، مما يدفع لجنة الأحزاب إلى تجميد الحزب حتى يُنهى ما نشب داخله من نزاع!! وأبرز الأمثلة على ذلك حزب العمل الذى كانت شوكته قد قويت ، وكانت جريدته ( الشعب ) قد زادت حدة نقدها، إلى درجة أنها اضطرت رئيس الدولة أن يقيل وزير الداخلية( زكى بدر)، بعد أن سجلت الجريدة له جملة شتائم علنية وصريحة، يعاقب عليها القانون، للكثرة الغالبة من الزعماء والمفكرين المغايرين للسلطة.

   فضلا عن أساليب أخرى متنوعة، مثلما حدث للدكتور نعمان جمعة عندما تجرأ ورشح نفسه لرئاسة الجمهورية، من تفجير يُصور كأنه من داخل الحزب، ليتم اغتيال الرجل سياسيا.

   كذلك أيمن نور، الذى فعل الفعلة نفسها فى الترشح لرئاسة الجمهورية، بل وحصل على أصوات كثيرة بمقاييس ذلك الزمان، فكان ما كان من " صناعة" تهم وجرائم، لكى يتم الاغتيال السياسى للرجل.

    ولعل هذا يمكن أن يفسر –إلى حد ما- لماذا هرعت الكثرة من الأحزاب- وإن شئت الدقة قلت أشباه الأحزاب- إلى التعلق بأذيال العسكر، نتيجة عجز هذه الأحزاب نفسها أن تصل بالانتخابات إلى المشاركة فى السلطة.

    ألا إنه لا فرصة لقيام ديمقراطية حقيقية إلا بالتخلص من حالة " العقم السياسى " ، وذلك يحتم وجود أحزاب مختلفة، تعكس ألوان الطيف السياسى، يتوافر لها مناخ يتيح لها أن يكون لها امتداد فى أحشاء المجتمع المصرى، وإنجازات سياسية واجتماعية ، وأمان يستشعره من يغاير وينتقد ويعارض، ما دام لا يمسك بحجر، ولا بمسدس ولا قنبلة، إلا إذا وجد نفسه- من حيث لا يدرى- متهما بشئ من هذا( وجاءوا على قميصه بدم كذب)!!

   

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus