إقصاء الإسلاميين .. وأثره على الأمن والاستقرار

إقصاء الإسلاميين  .. وأثره على الأمن والاستقرار
 
د. صفوت عبد الغني
السبت, 10 مايو 2014 16:46

تأسست جماعة  " الاخوان المسلمون "  في عشرينيات القرن الماضي ومنذ ذلك التاريخ  حاولت  قدر جهدها  وحسب اجتهادها اقامة  الدين  فى كل مجالات الحياة  لكنها أيضا ومنذ  بداياتها  الاولى تعرضت لحملات منظمة وممنهجة من التضييق والملاحقة والإقصاء المتعمد ما أدى  بطبيعة  الحال الى قناعة البعض من  قيادات الجماعة وكوادرها فى أواخر  العهد الملكي  وأوائل حكم عبد الناصر  بضرورة مواجهة النظام الاقصائي الغاشم بالقوة المسلحة .

 

وبعد تعرض جماعة الاخوان  المسلمين  للعديد من الاهوال  والمخاطر  وتعرض  قياداتها  لموجات من القتل  والاعدام  والسجن والتعذيب اضطر من  بقى من القيادات  داخل السجون  لإجراء مراجعات داخلية عميقة فكرية وسياسية حددت مسار الجماعة منذ سبعينات القرن الماضي  في اعتماد مبدآ السلمية كخيار استراتيجي  رغم استمرار سياسات الإقصاء .

 

مات  عبد الناصر وجاء السادات وظهرت الديمقراطية الديكورية ذات الأنياب والتعددية  السياسية المصطنعة والصورية فى ظل هيمنة  وسيطرة  الحزب الواحد وفى  ظلاله استمرت  وتواصلت  سياسة الإقصاء المتعمد للإسلاميين  وعدم السماح   لهم طبقا للقواعد الدستورية  وقانون الاحزاب السياسية  بتشكيل او تأسيس  أية  احزاب اسلامية وكانت هذه السياسات الاقصائية  وما ترتب عليها من آثار  وتداعيات  سياسية واقتصادية  واجتماعية  ودولية سببا رئيسا  في اغتيال  السادات  نفسه  دخلت  البلاد بعدها فى أزمات  متلاحقة  . 

            

اغتيل السادات وجاء حسني  مبارك واستمرت فى عهده سياسة اقصاء الاسلاميين بل استدعى سياسات الحقبة الناصرية من قمع  وإبادة  واعتقال عشوائي  وقتل خارج  إطار القانون  وفي  ظل اتباع جماعة الاخوان لسياسة  المداهنة  الصريحة  لنظام  مبارك  فان الجماعة  الاسلامية وقتها  لم تقنع  بتلك السياسة و دخلت  فى صراع  مسلح مع نظام مبارك  لم تشهده  البلاد من قبل استمر اكثر من ثماني  سنوات [ ٨٩ : ٩٧ ] تعرض مبارك خلالها لأكثر من عملية اغتيال  ثم كانت حركة المراجعات الفكرية الشهيرة وتبنت الجماعة الاسلامية السلمية  كمبدأ وخيار استراتيجي .    

 

ثم كانت ثورة  يناير المجيدة  والتى كان من اعظم مكتسباتها  ترسيخ  مبدأ السلمية   و الغاء سياسة  الإقصاء حيث  تمكن الإسلاميون لأول مرة في التاريخ    المصري  من  تأسيس  العديد  من  الاحزاب السياسية ذات المرجعية الاسلامية  وشاركوا فى الحياة السياسية بفعالية وفازوا  فى  العديد  من الاستحقاقات الانتخابية برلمانية ورئاسية  ... ثم حدث الانقلاب العسكري وقضى ببراعة فائقة على تلك المكتسبات  وعادت سياسة  الإقصاء والممارسات  القمعية  والمجازر الدموية في ابشع  صورها بشكل لم يشهده التاريخ  المصري  فى اشد عهوده السابقة   .

 

وكما اتهمت الجماعة الاسلامية جماعة الاخوان المسلمين  بموالاة ومداهنة نظام  السادات و مبارك اتهم العديد من الشباب الاسلامي  في هذه الايام  الجماعة الاسلامية بالمداهنة والركون والتخلي عن الكثير من افكارها ومبادئها وترسخ لدى مجموعات كثيرة من الشباب المتحمس بعد  ممارسات الانقلاب واقصاء العسكر  للتيار الاسلامي بعد وصوله للسلطة  أهمية وضرورة العمل المسلح  من اجل إسقاط النظام الانقلابي والثأر والقصاص لدماء الشهداء وذلك بعد فشل مبدأ وخيار السلمية   الذى  رسخته حركة المراجعات الفكرية ومكتسبات ثورة يناير المجيدة . 

 

وهكذا اصبحت البلاد فى موجات متتالية  من عدم الاستقرار وعلى  موعد دائم مع الصدام المسلح بين الأنظمة الحاكمة والإسلاميين منذ اربعينيات القرن المنصرم  وحتى يومنا هذا .. نعم  قد تحدث  مراجعات فكرية بين الحين والأخر  من بعض الجماعات تدشن لعدم جدوى العمليات المسلحة  رغم توافر أسبابها من  ممارسات  قمعية واقصاء متعمد  ولكن تبقى الحقيقة الماثلة  ان ثمة مجموعات مسلحة تتشكل و لا تنتمي  لهذه الجماعات لا تقنع بتلك المراجعات  الفكرية  وترى  في  سياسات الاقصاء وبشاعة الممارسات القمعية  سببا كافيا ومشروعا للعمل المسلح . 

 

نعم ..  قد لا تحقق هذه العمليات المسلحة  يقينا  أهدافها ولا يترتب عليها مصالح بل تؤدي لمفاسد عديدة  ولكن مع حالة الياس والإحباط  وإغلاق جميع الأبواب امام التغيير والإصلاح  يغيب صوت  العقل  والمنطق ويعلو صوت  السلاح .. نعم قد تكون هذه  العمليات المسلحة  بلا ظهير شعبي  ولا تجد لها مؤيدين او متعاطفين ولكن تبقى الحقيقة أيضاً ان الانقلاب على الشرعية والمجازر الدموية والانقضاض  على الإرادة الشعبية  بعد وصول الاسلاميين الى السلطة ساعدت فى توسيع  دوائر المتعاطفين والمؤيدين  من بعض القطاعات الشعبية  وبعد  ان   كانت العمليات المسلحة في السابق  محصورة  في مجموعة  او جماعة اصبحنا نجد لها  اليوم  ظهيرا شعبيا حاضنا ومؤيدا لا ينتمي لأية فئة أو مجموعة  او جماعة .

 

و في الختام يبقى التاكيد على  ان سياسات الإقصاء  والممارسات القمعية  تضر  بالمصالح العليا للبلاد وتنال من امنها القومي وسلمها المجتمعي  حيث ان تلك السياسات الاستبدادية  كما تنجح فى حرمان  الإسلاميين من ممارسة حقوقهم وحرياتهم وفي الحيلولة دون وصولهم للسلطة كهدف مشروع  فانه أيضاً تنجح بامتياز في تدمير الأوطان وتخريب البلدان  وحرمان  المواطنين البسطاء من نعمة الأمن والأمان  ويبقى أيضا ان تحقيق الأمن  والاستقرار وتنمية البلاد وتقدمها وريادتها مرهون بعدم  اتباع سياسة القمع والإقصاء .

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus