زيارة القدس من وجهة نظر القانون الدولي (2/2)

زيارة القدس من وجهة نظر القانون الدولي (2/2)
 
أ.د. جعفر عبد السلام
الجمعة, 25 أبريل 2014 18:04

نستكمل ما بدأناه في المقال السابق ونؤكد أن القانون الدولي يهتم بالأماكن المقدسة وعلى رأسها بالطبع القدس الشريف، وقد أثرت القوامة التي أولاها الفقه الإسلامي للأماكن المقدسة بشكل عام ولمدينة القدس بشكل خاص على المركز القانوني للمدينة وأوجد لها قانونا خاصا تم وضعه في صك الانتداب على فلسطين مما يعني أن لعصبة الأمم والأمم المتحدة حق أقرته ونستطيع أن نلخص هذا القانون في النقاط التالية:

أولا: حرية ممارسة الشعائر لاتباع الأديان الثلاثة
وهذا المبدأ لا خلاف عليه ويتفق مع مبادئ حقوق الإنسان ومع قواعد قانون الاحتلال الحربي. ولا يوجد أي شك في ضرورة تحققه سواء من ناحية السلطة المحتلة و المجتمع الدولي بهيئاته ومنظماته المختلفة ومن ثم نجد تعبيرا واضحا عن هذه الحرية في وثائق عديدة تتصل بهذه المدينة.
ففي فترة الحكم الإسلامي لم يكن هناك أي شك في وجود هذه الحرية بالنسبة للمسحيين فقد أمَّنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه على كنائسهم وصلبانهم، وبالنسبة لليهود: فقد سمح الإسلام في مختلف عهوده لليهود بحرية العقيدة وبحق ممارسة شعائرهم.
وقد أمّنت الدولة العثمانية هذه الحرية بفرمان خاص صدر عام 1852م أكد على (الوضع الدائم) في جميع الأماكن المقدسة بحيث تسيطر كل طائفة دينية على أماكن العبادة التي كانت محل تقديس لديها، هذا الفرمان الذي أقرته العديد من المعاهدات الدولية مثل معاهدة باريس 1855م، ومعاهدة برلين 1878م حيث أقرت مبدأ الحفاظ على الوضع الراهن وعدم جواز تغييره إلا بموافقة جميع الأطراف، وتبنت هذا النظام القوى التي سيطرت على القدس بعد ذلك بما في ذلك سلطة الانتداب البريطاني.
وقد أورد صك الانتداب البريطاني على فلسطين أحكاما لها أهميتها في هذا الصدد يمن أن نجملها في الآتي:
(أ) أن سلطة الانتداب تضطلع بالمسؤوليات الأساسية المتعلقة بالأماكن المقدسة والمباني أو المواقع الدينية في فلسطين مع عدم جواز تفسير هذا النص بوجود سلطة للدولة المنتدبة في التعرض أو التدخل في نظام أو إدارة (المقامات الإسلامية المقدسة المضمونة حصانتها).
(ب) أن يدخل في هذه المسؤوليات المحافظة على الحقوق القائمة ويمكن تفسير ذلك على أساس واجب سلطات الاحتلال في حماية الوضع القائم وفقا للفرمان العثماني الذي سبقت الإشارة إليه.
 (ج) يجب على سلطة الاحتلال أن تضمن الآتي:
- حرية العبادة وضمان ممارسة كل طائفة دينية لشعائر دينها مع المحافظة على النظام العام والآداب، وقد نصت على ذلك بوضوح المادة (15) من صك الانتداب. إذ ذكرت أنه: تضمن الدولة المنتدبة الحرية الدينية التامة. وحرية القيام بجميع شعائر العبادة مكفولتين للجميع بشرط المحافظة على النظام العام والآداب العامة فقط، ويجب ألا يكون ثمة تمييز مهما كان نوعه بين سكان فلسطين على أساس الجنس أو الدين أو اللغة وألا يحرم شخص من دخول فلسطين بسبب معتقده الديني فقط.
- كما يجب ألا تحرم أي طائفة كانت، من حق صيانة مدارسها الخاصة لتعليم أبنائها بلغتها الخاصة وألا ينتقص من هذا الحق ما دام ذلك مطابقا لشروط التعليم العمومية التي قد تفرضها الإدارة.
ثانيا: حرية الوصول إلى أماكن إقامة الشعائر
وهذه الحرية مرتبطة بحرية العقيدة ومترتبة عليها.
ولذلك نجد تأكيدا لهذا النص في صك الانتداب (المادة 13) حيث ألزم سلطة الانتداب بمسؤولية ضمان حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة والمباني والمواقع الدينية.
وقد أقرت الحكومة الإسرائيلية بهذا لمبدأ، حيث جاء في القانون رقم (5727)  لسنة 1967م التزاما بضرورة كفالة وصول أبناء الأديان إلى الأماكن التي يقدسونها مع النص على عقوبة لكل من يحول دون ذلك. وإن كانت إسرائيل تخالفه في العمل وتكاد تصادر هذا الحق خاصة بالنسبة للفلسطينيين ولاتباع معظم الدول العربية.
ثالثا: الحفاظ على الأماكن المقدسة:
والواقع أن هذا المبدأ يكمل المبدأين السابقين ،فلايمكن ممارسة حرية العقيدة أو تقرير حرية الوصول الى أماكن العبادة دون الحفاظ على هذه الأماكن من كل إعتداء أو تغيير من شأنه أن يهدد سلامة و استمرار هذه الأماكن ، لذا فقد وجدنا هذا الإلتزام واضحا على سلطة الإنتداب البريطاني في صك الانتداب حيث أورد التزامها بحماية الأماكن المقدسة والمباني أو المواقع الدينية.
والغريب أن الحكومة الإسرائيلية قد أقرت بهذا الإلتزام وأصدرت قانونا لتأكيده هو القانون (5727 لسنة 1967) والذي جاء فيه أنه " تحفظ الأماكن المقدسة من أي إنتهاك لحرمتها ومن أي شيء قد يمس بحرية وصول أبناء الأديان .. أو بمشاعرهم تجاه هذه الأماكن" ونص على عقوبة الحبس خمس سنوات لكل من يعتدي على هذه الأماكن وأن كانت عمليا تخالف هذا المبدأ .
وفي النهاية نستطيع أن نستخلص من هذه المبادئ موقف القانون الدولي من زيارة القدس والتي تتمثل في بعض النقاط المهمة، وهي:
أن زيارة القدس مندوبة لدى كافة الأديان بما فيها الدين الإسلامي، حيث صرح الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم): أن المسجد الأقصى من المساجد الثلاثة التي لا تُشد الرحال إلا إليها. ومن ثم فإن زيارة القدس من المندوبات في الدين الإسلامي أي يثاب من يقوم بها ولا يعاقب من يتجاهلها.
أن القانوةن الدولي يكفل حماية القدس وكل الأماكن المقدسة ويكفل حق أصحاب الديانات الثلاث في زيارتها، ومن ثم لا يجوز لقوة أيا كانت أن تمنع أصحاب أي دين من زيارة القدس وحرية الوصول إليها، وإلى المقدسات الإسلامية، ولها من القواعد القانونية التي نصت عليها وثائق دولية عديدة، ومنها صك الانتداب على فلسطين.
أنه توجد ولاية خاصة لأصحاب الديانات كل حسب ديانته مع الأماكن المقدسة لهذه الديانة وعلى ذلك فإن من حق المسلمين جميعا أن يقوموا بزيارة القدس وأن يمارسوا شعائر دينهم كالصلاة في حرمها والتبرك بها.
أن القانون الدولي يرفض الممارسات الاسرائيلية إذ إنها جميعا تمس بالقواعد الأساسية التي تحكم القدس وتؤثر على حرية العبادة وعلى الحق في ممارستها في أي وقت..
وبالله تعالى التوفيق

 

* أستاذ القانون الدولي بجامعة الأزهر

الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية
 

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة