حلان

حلان
 
د. عمرو عبد الكريم
الأحد, 23 مارس 2014 17:39

ليس أمام القوى السياسية المناهضة لما حدث في ٣ يوليو إلا حلان لا ثالث لهما:
الحل الأول: هو عدم الاعتراف بما حدث والسير في طريق المعارضة إلى النهاية كما لو أنه لم يحدث شيء على الإطلاق، والاستمرار على هذا النهج فادح الخسائر باهظ التكاليف والذي لم يحقق شيئا حقيقيا على الأرض على مدار تسعة أشهر.
أما الحل الثاني: فهو طي صفحة الماضي منذ 30 يونيه، واعتبارها جولة من جولات مشوار الحرية الطويل، ووقف مسلسل الخسائر البشرية والمادية ووقف تراكم الصورة الذهنية السلبية عن الارتباط بالعنف والقتل والتفجير والاستهداف حتى لو لم يمكن الأمر صحيحا، فما لم تكن هناك إدانة مستمرة ومتواصلة تنفي التهمة وتزيل الشبهة خاصة مع القصف الإعلامي المستمر والمتواصل والذي نجح إلى حد كبير في التشويش على الصورة السلمية النقية وعلى التمسك بالنهج السلمي في الحراك الشعبي، سيكون التشويه أبلغ أثرا وأشد مفعولا.
الحل الأول لم تجن منه القوى المؤيدة لما يسمونه الشرعية إلا الدماء والاشلاء والسجناء والمعتقلين والمعتقلات، والقطيعة السياسية والمجتمعية مع فصائل وتيارات وأحزاب سياسية ودينية، وعزلة شعبية خارج دوائر المؤيدين لهم، وضياع صورة ذهنية إيجابية حصيلة جهد السنين.
الحل الأول كما لو أنه يريد إعادة عقارب الساعة الى الوراء، والوقوف (أو إن شئنا الدقة التجمّد) عند لحظة تاريخية واحدة هي انتخابات الرئاسة وما قبلها والعام الذي تولى فيه الدكتور محمد مرسي رئاسة الدولة، وإنكار كل الوقائع على الأرض منذ 3 يوليو، وما قبلها من إخفاق كبير على أغلب الملفات الحساسة والحاسمة، وعدم التواصل مع القوى السياسية والاجتماعية لتمثل جدار عزل بين المواجهة المباشرة مع المجلس العسكري ووزير دفاعه ورئيس أركانه، والأهم من ذلك معرفة اللحظة التي يتم فيها الانسحاب المنظم، أو حتى هدنة ريثما يكون المجتمع والشعب هو المدافع الأول عن حقوقه (تجربة تونس تظل مهمة لقراءة المشهد).     
الحل الأول باختصار:
يتجاهل كل الوقائع على الأرض بصرف النظر عن شرعيتها أو قانونيتها. 
ويتجاهل كل التداعيات الداخلية والخارجية، وما سبقها من تحالفات (سياسية داخلية وإقليمية خارجية) وبناء شبكات المصالح، واحتمالات الدعم المالي والنفطي الذي قد يغير الموازين وإن كان مؤقتا.
ويقفز على كل ما ترتيب على 3 يوليو من وحقائق ووقائع على الأرض ولا يعترف بها علنا (يعترف البعض سرا بما حدث من باب انه حقيقة واقعة على الأرض بصرف النصر عن الرضى بها، وهو اعتراف يظل منقوصا ما دامت نفس الشعارات مرفوعة، ويبقى الإنكار العلني لمحاولة رفع سقف التفاوض (هذا لو حدث) ويمكن مراجعة الجلبة التي أحدثتها تصريحات الدكتور جمال حشمت عن التراجع خطوة أو خطوتين إلى الوراء، ثم تراجعه هو عن معاني كلامه، وهذا يعطينا مؤشرا عن حجم الهجوم على كل من يحاول أن يقول كلاما مختلفا، أو يفكر خارج الصندوق أو يغرد خارج السرب).
الحل الأول جعل كل القوى السياسية التي تشكل نسبة معقولة من المعارضة السياسية في مصر في جهة، وتيار ما يسمونه الشرعية في جهة أخرى مع مجموعة ضيقة وقليلة التأثير ومحدودة الفاعلية معها من الأحزاب والقوى السياسية والدينية، على احترامها لا تغير شيئا على الأرض.
ورغم ذلك تعلم تلك القوى مجتمعة أن الأمر بيد قادة تنظيم الإخوان وأنهم أقرب للكيانات الديكورية، وإن كانوا حسني النية، ويصفّون في جهة قضية عادلة، إنما الوقائع على الأرض لا تغيرها النوايا الحسنة، ولا تعترف بحسن القصد، ولا حتى بالقضايا العادلة (إن أردنا مد خط التجريد على استقامته).
ولعل ذلك ما جعل المواجهة مباشرة ولا بلا أي حواجز أو موانع صد ما بين الاخوان (وتحديدا المجموعة التي أحكمت قبضتها على مفاصل التنظيم وألجأت كل الأصوات المغايرة إلى المفاصلة) وقبضة الدولة الأمنية الباطشة، سواء أكانت الداخلية أو القوات المسلحة في ظهرها.
هما حلان لا ثالث لهما فيما يبدو لي، وكلما تأخر الاختيار والحسم لصالح الحل الثاني معناه استمرار أصحاب الحل الأول في فرض هيمنتهم على مفاصل اتخاذ القرار وعلى الزج بكل مقدرات الجماعة في مواجهة خاسرة في إعادة دامية لمشاهد كربلائية تمنع من المحاسبة والمكاشفة، وتحول دون إمكانية تعديل المسار (لو كانت هناك محاولات جادة للتعديل أصلا أو أشخاص أو حتى رموز قد يتحمسون له).
فقطار ينطلق بلا كوابح، وبلا قضبان نهايته كارثة محققة.
الوضع المأساوي مرشح للاستمرار طاما:
استمر نهج الصوت العالي.
والعقليات الإقصائية.
وأصحاب الحل الواحد، والاتجاه الواحد.
وخطاب الثأر والدم 
وصور الأطفال القتلى وأعراض الحرائر.
وكل يوم يمر:
يتكرس نهج الاستئصال والصدام.
وتتزايد العقلية الثأرية انتشارا.
وتزيد مساحة الدم.
وتتعمق نفسية المضطهد.
وتبرز عقلية الجيتو.
ويتضخم خطاب المفاصلة، وجاهلية المجتمع.
المزايدة على مشاعر الناس ما أسهل منها، خاصة إذا كنت خارج البلد أصلا، وإعلان الجهاد من استديوهات القنوات الفضائية لمجموعة من الأفراد لا يتحركون إلا من الفندق للقناة متاجرة رخيصة بدم الناس.
ومداعبة أحلام المهزومين بمقولات عامة تدغدغ مشاعرهم عن قرب النصر وعودة الرئيس الشرعي وقرب اندحار الانقلاب والانقلاب يتهاوى والسيسي قتل والسيسي مات، وصراعات بين أعضاء المجلس الأعلى، وفرار رموز الانقلاب بعد أن أخذوا تأشيرات لأوروبا، خداع ومخاتلة.
إن ترويج مثل هذا الكلام وعدم حدوثه يؤدي إلى الإحباط، وكفر كثير من الشباب بالنهج السلمي للتغير، وتناثر بعض الدعوات عن الحل العنيف الذي لا يصلح غيره في مواجهة آلة أمنية وعسكرية باطشة.
الأمر يحتاج إلى تفكير من أولي العقول والحكمة، وشجاعة أدبية كبيرة من أصحاب القضايا الحقيقية: أم الولد الثكلى وليست النائحة.
وما أكثر النائحات والمتاجرات بالدم الحرام. 

 
اشترك على صفحة المصريون الجديدة على الفيس بوك لتتابع الأخبار لحظة بلحظة
comments powered by Disqus