• الخميس 23 مارس 2017
  • بتوقيت مصر02:13 م
بحث متقدم

أفكار تجاوزها الزمن (التنظيم)

وجهة نظر

د. عمرو عبد الكريم سعداوي
د. عمرو عبد الكريم سعداوي

د. عمرو عبد الكريم سعداوي

نشأت الحركة الإسلامية المصرية في عشرينيات القرن الماضي ردا على جملة تحديات وجودية للهوية الإسلامية، لعل أعظمها كان سقوط آخر راية سياسية للإسلام ممثلة في دولة الخلافة التركية التي قام أتاتورك بعد انقلابه على السلطان العثماني بإلغاءها ومحاولة تحويل وجهة تركيا الحضارية من عالم الإسلام والمسلمين إلى أن تصبح جزءا لا يتجزأ من الحضارة الغربية بكل ما تحمل تلك الكلمات من معاني تعبر عن استلاب حضاري وذوبان هوية وضياع ذاتية أمة ظلت تحمل راية الإسلامية ما يقرب من سبعة عقود، توسعت خلالها الرقعة الجغرافية للإسلام في مساحات لم يعرفها من قبل حتى دقت أبواب فيينا.
كانت ضربة إلغاء الخلافة ضربة قوية لم يستطع أن يتحملها العقل الإسلامي فأنشد أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدته الشهيرة التي يرثي فيها الخلافة قائلا: 
عادت أَغاني العرسِ رَجْعَ نُواح
ونُعيتِ بين معالم الأَفراحِ
كُفِّنتِ في ليلِ الزفاف بثوبه
ودُفنتِ عند تبلُّج الإِصباح
شُيِّعتِ من هَلَعٍ بعَبْرةِ ضاحكٍ
في كلّ ناحيةٍ وسكرةِ صاح
ضجَّتْ عليكِ مآذنٌ ومنابر
وبكت عليك ممالكٌ ونواح
الهندُ والهةٌ ومصرُ حزينةٌ
تبكي عليك بمدمعٍ سَحّاحِ
والشامُ تسأَلُ والعراق وفارسٌ
أَمَحَا من الأَرض الخلافةَ ماح؟
كانت أحد هذه الاستجابات التي قام بها العقل الإسلامي الجمعي هو محاولة تكوين جماعة تحمل على عاتقها همّ العمل على عودة الخلافة، وإعادة راية الإسلام السياسية عالية خفاقة، وكانت من جملة تلك الاستجابات بلورة مجموعة من المفاهيم والأفكار تشكل المعامل الفكري لنجاح عملية العودة أو على الأقل تساهم في إنجاحها.
وكان من هذه الأفكار فكرة الجماعة الكبيرة المنظمة التي يقوم بنائها التكويني على "تنظيم" ويأخذ هذا التنظيم بمجامع الأفراد: فكرا وحياة وتدبيرا وتوجيها، حتى أصبحت عملية التطابق في تكوين الأفراد الذين يصيغهم التنظيم هو أحد الكوارث التي أودت بها فيما بعد.
ولم يفطن أحد إلى مكامن الخطر في البناء التنظيمي لتكوين الجماعات العاملة للإسلام أو حتى لعودة الخلافة في بداياتها على اعتبار أنه تكوين يماثل تكوين الراية (الدولة) التي سقطت من وجود رأس أو زعامة يدين لها الأفراد بالولاء والسمع والطاعة، والانتظام في أبنيتها وأطرها الحركية والفكرية وتعمل على تكوينهم تكوينا ثقافيا يعيد تشكيلهم فكرا ووجدانا بما يخلق تكوينا موازيا داخل الدولة، فتكون الجماعة دولة داخل الدولة.
ثم ترث هذه الجماعة الكبيرة المنظمة هياكل الدولة أو تعمل على شغل مفاصلها المؤثرة بأفرادها، بما يجعل الجماعة بمثابة روح تسري في الدولة أو العقل المتحكم فيها ويوجهها. (بدلا من أن تكون روح يسري في هذه الأمة فيحيها بالقرآن). 
في البداية لم يفطن أحد إلى الكوارث التربوية والنفسية على الشخصية الإنسانية عندما يعاد صبّها في قوالب وهياكل جامدة لا تراعي التباينات الفردية ولا الفروق النوعية ولا الاستعدادات والتكوينات النفسية والاجتماعية.
ومع مرور الزمن صارت الهياكل التنظيمية بقرات مقدسة وأهدافا مطلقة وهي التي في أصل يجب أن تكون وسائل لأهداف عليا.
وتكلس الهيكل التنظيمي وهو المفترض أن يكون للمرونة والحركية أقرب.
وفي مثل تلك البيئات المعتلة تصبح الجيوب الداخلية المغلقة والشللية هي ما يحكم حركة التنظيم في تصعيد الأفراد داخل الهياكل الإدارية، وكل ذلك أوجد جملة من الأمراض الإدارية والنفسية أودت بكل ما كان يمكن أن يترتب على التنظيم من فوائد، فكما سمعت من الأستاذ فريد عبد الخالق وسجلته معه أن أي "تنظيم" مغلق معرض للفساد، بل حتى الهواء إذا أحكمت عليه الغلق يفسد. 
وبتوالي الزمن كان "التنظيم" هو كعب أخيل في بناء تلك الجماعات الكبيرة، فبقدر ما وفرّ لها التنظيم من قدرات للسيطرة على المواقع والمناصب بقدر ما أوصل عديمي الكفاءة والمحسوبين على الشخصيات والأجنحة النافذة والتي بيدها مقاليد الأمور (والورق ورقنا واللوائح لوائحنا) وبقدر ما يسر لها التغلغل في مساحات اجتماعية شاسعة بقدر ما كان سلما للمتملقين والوصوليين (إلا ما رحم الله، وقليل وما هم).
باختصار كان التنظيم هو نقطة الضعف الأبرز والسبب الأقوى للصراعات الداخلية، فلقد تسرب الفيروس التنظيمي (السرطاني) أو منهج العمل التنظيمي العمل داخل الدولة والمجتمع بأسلوب قضم المؤسسات والسيطرة على المواقع من الدولة إلى الجماعة، فعملت مجموعة معينة داخل الجماعة بنفس الأسلوب داخل الدولة والمجتمع، بمعنى تكوين تنظيم داخل التنظيم يسيطر على المواقع المؤثرة داخل الجماعة ويوجه حركة الأفراد الوجهة التي يختارها هؤلاء الذين سيطروا أو بمعنى أدق سطوا على الجماعة.
وهكذا أكل التنظيم الجماعة الكبيرة بدلا من أن يمكن الجماعة الكبيرة من أن تأكل المجتمع والدولة.


استطلاع رأي

هل تتوقع انخفاض الدولار خلال الفترة المقبلة؟

  • عصر

    03:35 م
  • فجر

    04:37

  • شروق

    06:00

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:35

  • مغرب

    18:13

  • عشاء

    19:43

من الى