الخميس : 2 سبتمبر 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ رأي
السياسة وحيٌ وممارسة ـ د. عبدالفتاح ماضي

د. عبدالفتاح ماضي (المصريون) : بتاريخ 28 - 4 - 2009
لو تدبر مسلمو هذا الزمان قرآنهم وواظبوا على التفكر فيه وتدبر معانيه وإنزال أحكامه على واقعهم المتغير لما ظهرت الإشكاليات التي تتصل بعلاقة الإسلام بالسياسة. إنني أعتقد أن من أهم المشكلات التي واجهت المسلمين منذ فجر الإسلام ليس عدم وجود شكل محدد للحكم في الإسلام، فهذا أمر طبيعي بالنظر إلى طبيعة الإسلام ذاته الصالح لكل زمان ومكان بمبادئه وقيمه العليا وليس بالقوالب والهياكل التي لابد أن تكون متغيرة بتغير الزمان والمكان. المشكلة هي في عدم اهتمام المسلمين وفقهاؤهم بالفقه السياسي وتخلف هذا الفقه عن مواكبة التغيرات التي شهدتها المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة. وأعتقد جازماً أنه يمكن لمسلمي هذا الزمان أن يسهموا في حل الكثير من إشكاليات السلطة السياسية في عالمنا المعاصر إذا ما عرفوا جوهر السياسة في الإسلام وغايات ما يمكن أن يطلق عليه علم السياسة في الإسلام..

فالسياسة في الإسلام تختلف عن المعنى المعاصر للسياسة، الذي يدور حول الصراع من أجل القوة، أي من أجل السلطة والنفوذ وكل وسائل القوة الأخرى المادية والمعنوية. أما في الإسلام فللسياسة مضامين أكثر إيجابية تقوم على تحقيق مصالح العباد وإصلاح شؤونهم وتمكينهم من الحياة على هدي من مقاصد الشرع الحنيف باختلاف الزمان والمكان وتعدد الثقافات والعادات واللغات. وبينما علم السياسة المعاصر هو علم السلطة، أي كيفية الحصول على السلطة والحفاظ عليها، فيمكن النظر إلى علم السياسة في الإسلام على أنه العلم الذي يُعنى بتحقيق مصالح الناس على اختلاف ثقافتهم ومواقعهم..

وهذه المصلحة، التي تدور في الغرب حول القوة والقوى المهيمنة وإستطلاعات الرأي العام، هي، في الإسلام، مصلحة الجماعة (أو الوطن بالمفهوم المعاصر) وليست مصلحة فئة ما أو تنظيم معين. وهي تتميز عن المصلحة في الغرب في أن لها ضوابط أخلاقية وقيمية، والقيام على تحقيقها شرط قانوني وشعبي لشرعية الحكومة القائمة.. وما السلطة إلا وسيلة لغاية أبعد هي غاية الحكم في الإسلام، أي حماية الدين وتحقيق مصالح الناس.. ما أحوج الناس إلى هذا ..

ولتحقيق هذه الغاية تستند السلطة في الإسلام إلى تعاقد مجتمعي متجدد، هو قيام المسلم بالتدبر والعمل بشكل دائم، وذلك بدلاً من التعاقد الاجتماعي الثابت القائم في الغرب والذي أفضى إلى هيمنة نخب معينة على مقاليد الأمور بشكل شبه دائم وعدم إمكانية تصور تغير النسق السياسي القائم.. إن المسلم مطالب، في إدارته لشؤون الحكم وأمور السياسة، بأن ينطلق من شريعة الإسلام كمصدر للقيم الأساسية والمبادئ العامة، وليس كدستور أو برنامج عمل تفصيلي كما يرى البعض..

وفي مجال السياسة يقتضي هذا الأمر التدبر في الأحكام والقيم والثوابت العليا للحكم في الإسلام، والتعامل مع قضايا المجتمع ومقتضيات العصر انطلاقاً من رسالة الإسلام التي يحملها. فالله، عز وجل، أمرنا بالمداومة على قراءة القرآن وتدبره (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ..). وفي هذا دعوة صريحة للمسلمين في كل زمان ومكان إلى استخدام العقل بشكل دائم بهدف البحث عن المقاصد والضوابط التي يوفرها القرآن وليس بغرض تطبيق النصوص بمعانيها الحرفية كما فهم ويفهم البعض.. والأهم أن هذه الدعوة هي ضمانة إلهية مستمرة، أراد المولى عز وجل أن يطلب من المسلمين بصفة دائمة العودة إليها.. إنها العودة إلى الأصول متى ضل المسلمون الطريق، وهي تشبه عودة من ضل الطريق في الصحراء وخاف التهلكة إلى نقطة البداية ليبدأ السير من جديد. ما أحوجنا إلى مثل هذه العودة..

أما عنصر العمل فهو يشير إلى عدم الاكتفاء بإعلان الانتماء إلى الإسلام والتحدث به وعنه وعن أمجاد السابقين، وإنما إلى التفاعل الواعي من خلال السعي في الأرض والعلم والانفتاح على الآخر دون تجاوز القيم والضوابط العليا للإسلام.. ووفي مجالنا هذا يكون الهدف هو معرفة الواقع بمشكلاته وتحدياته، ومعرفة كيفية تعامل الآخرين مع التحديات والمشكلات المشابهة، وابتكار الحلول وبرامج العمل السياسي أو اقتباسها من تجارب الآخرين.. أي أن الهدف ليس إعادة إنتاج ما قاله السلف في شأن قضايا قد تبدو متشابهة مع أن مضامينها مختلفة باختلاف الزمان والمكان وبتغير مقتضيات العصر، وإنما إعمال العقل والابتكار والانفتاح والتفاعل والاقتباس من الآخرين والأهم الإضافة إلى الآخرين..

وهذا العنصر الأخير –أي الإضافة- كفيل بمفرده بالمساهمة في إزالة الكثير من نقاط التوتر التي تظهر في الممارسات الديمقراطية المعاصرة مثل إيجاد أشكال جديدة لتمثيل أفضل لفئات المجتمع المختلفة، وترتيبات تجعل من إرادة الأمة الملتزمة بالشريعة سلطة حقيقية في مواجهة الحكام ومحاسبتهم، وآليات لمتابعة أداء نواب الشعب والمسؤولين وأمانتهم، ومعايير لمراقبة عملية الانتخابات في مراحلها المختلفة، وطرق لتحييد المال السياسي وضمان نزاهة الصوت وأمانته، ووسائل للتعامل مع القبيلة والطائفة والأقليات على أسس عادلة، وضمانات لاحترام الدساتير والقوانين وغير ذلك..

ولهاذ فبدلاً من التحدث مثلاً عن أن الشورى أفضل من الديمقراطية (فالشورى مبدأ والديمقراطية نظام للحكم)، يجب أن يقترن الوحي بالممارسة، أي إعمال الفكر في كيفية ترجمة الشورى إلى مبدأ من مبادئ العمل السياسي، تماماً كما فعل الغربيون عندما حولوا قيم عصر التنوير التي وردت لهم من حضارات سابقة منها الحضارة الإسلامية – إلى مبادئ عمل قابلة للتطبيق، كالفصل بين السلطات وحكم القانون وإرادة الأمة واستقلال القضاء وغيرها..

إن ما يحتاجه مبدأ الشورى هو الآليات الكفيلة بنقل المبدأ من كونه مجرد النصيحة (كما كَتَبَ ابن تيمية صراحة وغيره من الفقهاء) إلى كونه مطلبا ملزما.
وأتصور أن هذا لن يتم بمجرد نقل الديمقراطية النيابية كما هي قائمة بالغرب دون تفكر وتدبر، فالشورى في الإسلام تحتاج إلى أكثر من آلية التمثيل النيابي، والعقل المسلم لابد أن يضيف إلى هذه الآلية الضوابط الكفيلة بمراعاة الضوابط الأخلاقية والإنسانية التي هي جزء أصيل من الإسلام بدلاً من التحييد شبه الكامل للأخلاقيات والقيم والأبعاد الإنسانية وسيطرة المصالح الفئوية أو القومية على السياسة والسياسيين في الديمقراطيات المعاصرة. .

ولنا في سيرة النبي الكريم خير مثال. ففي المدينة أضاف الرسول عليه الصلاة والسلام ممارسةً يجب أن تقدم لنا العبر والدروس ليس لاقتباس مضامينها فقط وإنما لتعلم منهجها في التعامل مع الواقع المتغير.. فدستور المدينة كان تعاقداً وميثاقاً سياسياً للدفاع المشترك وتبادل المنافع (الدم الدم والهدم الهدم)، والسياسة-في الوثيقة– هي أخلاقيات الحب والتآخي والصدق والأمانة (عكس ما تصور الكثير من الفقهاء والعلماء عندما فرقوا بين السياسة وبين الإسلام كعقيدة وشريعة، أو بين السياسة والسياسة الشرعية فرسخوا بذلك البعد السلبي للسياسة..). والدستور يتغير وقد يأتي تدريجياً وعلى مراحل (الوثيقة كتبت على مراحل حتى أن البعض يسميها وثائق..). والرابط الأساسي في الوثيقة رابط سياسي أخلاقي، هو وحدة الإيمان ووحدة الهدف، وليس للقبلية أو صلة القرابة أهمية في تأسيس التعاقد، لكن دون فرض طرف إرادته على آخر وعلى نحو فيدرالي بعباراتنا المعاصرة (فعبارة "على ربعتهم" تعنى أن ينظم كل طرف أمره على الطريقة التي يراها مادامت لا تعارض الإسلام..)، وغير ذلك من الأمور التي أرساها نبي الإسلام في المدينة كآلية الاختيار– أو الانتخاب بلغة العصر- (ألم يطلب من أهل يثرب أن يختاروا من بينهم نقباء ليكونوا همزة الوصل بينه عليه الصلاة والسلام وأهل المدينة (أي نواب)؟... وللحديث بقية بإذن الله

قسم العلوم السياسة – جامعة الإسكندرية
www.abdelfattahmady.net

اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
تعليقات حول الموضوع
د عبد الفتاح
د فاطمة | 4/29/2009 8:50:13 PM
أى وحى تقصد يا سيدى ؟ اللفظ خطير بايحائته فنرجوا التوضيح السريع
الى الأخ االسمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــالوطي
د فاطمة | 4/29/2009 7:31:25 PM
أولا جزاك الله كل الخير على نصائحك التى توزعهااليوم على قراء كل المقالات ولكن دون أن تبين لنا رايك الشخصى فى أى مقال ! ثانيا لكل مقام مقال وتشبيهك بقصة الكلب ليس فى محله مطلقا لا لغويا ولا معنويافكأنك " جيت تكحلها ... " لذلك حاول على قدر استطاعتك أن تكتفى بتقديم النصيحة فقط دون استدلال بغير المام حتى لا يؤخذ ذلك عليك الا اذا كنت تقصده فعلا ، وأرجو تقبل النصيحة من قلبك كما تدعو الآخرين أن يفعلوا وجزاك الله كل الخير
الأخ السمالوطى
قارىء متابع | 4/29/2009 7:08:06 PM
عجيب أمركم أيها الاخوان ! هل اذا قلناأن الدعوة لوجه الله أهم وأبقى نكون معاول هدم ؟؟!!اذا من يكونوا معاول البناء ؟! الذين ينادون بمنح الحرية للبهائيين فى الدعوة علنا لدينهم؟ أم الذين يقولون أن الوقت غير مناسب لتطبيق الشريعة؟!أم الذين يتنزل عليه الوحى بالسياسة؟! عموما يا سيدى جزاك الله خيرا وسأعمل بنصيحتك وفورا ولكن لن أقول ما أبيض أسنانكم كما ذكرت فى تشبيهك الفاسدالمسىء ، ولكن أقول ما أحرصكم فى السعى للسلطة عن طريق الدين !
الأخ قارئ متابع
االسمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــالوطي | 4/29/2009 2:19:17 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد ، فليكن هدمك للبناء لا لمجرد الهدم ، هذا أولا ، وثانيا إن كنت ترى سيئات الإخوان أفلا ترى لهم حسنات ، يا أخي الحبيب كن منصفا , وكن كالنحلة تقع على الرحيق ، ولعلك تذكر ما قال عيسى عليه السلام فى الكلب الميت المترمم المنتفخ تجاهل كل سوءاته وقال : ما أبيض أسنانه
كوب من الكلمات المنمقة
قارىء متابع | 4/29/2009 12:54:50 PM
محاولة جيدة لاذابة فكر الاخوان ورغبتهم المحمومة فى تبرير سعيهم الدائم للسلطة على حساب الدعوة فى كوب من الكلمات المنمقة يعجز القابعون فى المنيل عن صبه ، الدعوة أهم وأبقى يا دكتور والداعية الحقيقى المتجرد أقوى على الاطلاق من أى حاكم أو صاحب سلطة ، ولعلك سمعت عن العز بن عبد السلام ؟ لا تشتروا النسبى بالمطلق فقد فشبتم فى ذلك طوال ال 80 عاما الأخيرة فأصبحتم مترددين ، كما قال الآستاذ محمود سلطان فى مقاله ، وأضيف من عندى مذبذبين لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء ، اتركوا الألة السياسية الحاسبة فهو عند الله تعالى أجل وأتقى .
جزاك الله خيرا يا دكتور عبد الفتاح
السمــــــــــــــــــــــــــــــــــالوطي | 4/29/2009 9:19:28 AM
وجعل مقالك في صحائف حسناتك ونسأل الله أن يرزقنا العمل بما يحب ويرضى