الثلاثاء : 9 فبراير 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ الصفحة الأخيرة
المحـــامي ـ شريف رفعت

شريف رفعت : بتاريخ 1 - 9 - 2008
أثناء عطلاته التى يقضيها في مصر عائدآ من الخارج حيث يقيم و يعمل يحرص على أن يستمتع بالعطلة وألا يشغل نفسه بأي أعمال أو إجراءات تتطلب التعامل مع الحكومة، لكن أثناء زيارته هذه المرة نصحه معارفه بأن يسوي موقفه من التجنيد حتى لا يتعرض لأي مضايقات أثناء مغادرته البلد، و أيضا بألا يضيع وقته في إستخراج شهادات و مستندات تثبت صحة موقفه لأن الأسلم و الأسهل أن يدفع غرامة أمام محكمة عسكرية و يحصل على شهادة الإعفاء لكبر سنه و لمعيشته في الخارج، أخبروه أن كلمة محكمة عسكرية يجب ألا تثير الرعب في نفسه لأنها مجرد جهة حكومية لتحديد مقدار الغرامة و تحصيلها.
أخذ معه ظرفا به الأوراق التي قد يحتاج لها، إستقل سيارة أجرة أخذته إلى باب المعسكر على مشارف الصحراء، مقر المحكمة العسكرية كان خيمة كبيرة تقع مسيرة عدة دقائق خارج باب المعسكر، توجه إلى الخيمة و إنضم للصف الذي يقف أمامها و الذي بعد لحظات إزداد طولآ بإنضمام المزيد من الخلق له.
خيمة المحكمة تبعد حوالي مئتين متر عن الطريق الذي يخترق الصحراء، على حافة الجانب الآخر من الطريق هناك "نـَصـْبـَة" عبارة عن حصيرة فوقها "تـَـنـْـدَة" يجلس تحتها شخص يبيع الطعام للراغبين، الناس فى الصف يبدو على أغلبهم البؤس و القلق، ولما لا؟ وهم سيتعاملون مع الحكومة في أقصى صورها، مع الجيش.
@ @ @ @ @
شاهده يأتي من إتجاه الطريق الرئيسي، متوسط الطول نحيف يميل للسمار ملابسه متواضعة يرتدي في قدميه شبشب "زنوبة" و بيده حقيبة پلاستيك رخيصة لونها أزرق فاقع، نظر إلى الصف بتمعن ثم إتجه نحوه، إبتسم إبتسامة مؤدبة ثم قال:
ـ صباح الخير يا "دُكتـُر"، سعيد بسيوني محامي أمام المحاكم العسكرية.
نظر إليه بإستغراب، لم يكن في باله أن يتعامل مع محامي، يعلم أن الغرامة تتراوح بين ثلاثة و عشرة الاف جنيه حسب ظروف الحالة، ولأنه كان متأكد من سلامة موقفه فقد توقع أن تنتهي الأمور على ما يرام بدون الحاجة لمحامي، ثم أن شكل سعيد بملابسه و شبشبه لا يوحي بالثقة إطلاقآ، أجابه بإقتضاب:
ـ أنا ليس "دُكتـُر" ولا أحتاج لمحامي.
ـ الموضوع ليس بالهين و قد يصل الأمر للسجن لا سمح الله، أتعابى بسيطة خمسون جنيه فقط.
سأله:
ـ هل أنت فعلآ محامي هل مسموح لك بالترافع أمام المحكمة؟
إبتسم إبتسامة لزجة و أراه بطاقة عضوية نقابة المحاميين و التى بناءآ عليها يمكنه ممارسة مهنة المحاماة، سأله:
ـ بخمسين جنيه تضمن أن أحصل على شهادة الإعفاء دون أن أدفع غرامة؟
إتسعت إبتسامته و قال:
ـ إحتمال أن تكون هناك غرامة، قد تكون كبيرة و قد تكون صغيرة يعتمد هذا على مهارة المحامي.
لم يعجبه إسلوبه الملتوي فقرر ألا يتعامل معه، شعر سعيد أنه سيفقد زبون فإضطر للتساهل في أتعابه، إتفقا على عشرة جنيهات أتعاب إذا لم تتجاوز الغرامة ثلاثة الاف جنيه، أخرج سعيد قلم و دفتر من حقيبته و بدأ يسأل أسئلة روتينية.
أثناء حديثهما شاهد، إمرأة عجوز متشحة بالسواد تمر على الواقفين بالصف تشحذ منهم، سأل نفسه ألم تجد مكانآ أنسب من هنا للشحاذة، ماذا تتوقع من مجموعة أغلبهم من الغلابة واقفة في الصحراء لإنهاء إجراءات التجنيد؟ عندما وصلت لهما و شاهدت إنشغالهما تجاوزتهما و توجهت لمن يليهما في الصف. إنتهى سعيد من أخذ البيانات و لكي يتجنب صاحبنا الوقوف معه و الإستماع إلى حديثه الذي توقع أن ينصب على صعوبة الحياة ذهب يستكشف المكان، لم يكن هناك الكثير ليرى فتوجه إلى "نـَصـْبـَة" المطعم، هناك رجل عجوز يجلس أمام موقد عليه طاسة يقلي فيها باذنجان و أمامه موقد آخر عليه براد شاى قديم و هناك مجموعة صناديق مياه غازية فارغة يستخدمها كمقاعد للزبائن.
@ @ @ @ @
دخل مع سعيد خيمة المحكمة، كان هناك منضدة طويلة فى فى المقدمة يجلس عليها ثلاث ضباط أعلاهم برتبة عقيد يجلس في المنتصف، بجوار المدخل منضدة صغيرة يجلس عليها صول أمامه أوراق الحالات التي ستنظر في المحكمة، هناك دِكـَتان لأصحاب الحالات جلسا على طرف إحداهما، عندما جاء دوره نادى الصول على إسمه ثم أعطى ملفه للعقيد، تقدم سعيد و ذكر للمحكمة أنه يمثله، أومأ العقيد له بأن يبدأ الكلام، خطى سعيد خطوتين للأمام فأصبح واقفا فى منتصف المسافة بين موكله و بين القضاة ثم صاح بطريقة مسرحية:
ـ يا حضرات القضاة يا حضرات المستشارين إن موكلي هذا برئ برئ.
قاطعه العقيد موبخآ:
ـ سعــيد، هذه محكمة عسكرية لا يوجد بها مستشارون، أوجز ولا داعي للكلام الفارغ، تكلم من مكانك ولا تقترب من منصة القضاء.
تراجع سعيد إلى مكانه و بدأ من جديد:
ـ يا حضرات القضاة إن موكلي هذا برئ برئ، إن سبب عدم تقدمه للتجنيد أنه كان في خارج البلاد يدرس للحصول على درجة الدكتوراه فى هندسة الذَرَة و الحاسب الآلى من أجل خدمة الوطن، وقد حصل عليها بمرتبة الشرف.
أزعجه هذا الكلام، فلا علاقة له لابالذَرَة و لا بالحاسب الآلى و لا بالدكتوراة ولا بمرتبة الشرف، ماذا يحدث إذا طلب منه القاضي أن يثبت صحة كلام هذا المخبول، شعر بالخطأ الشديد الذى وقع فيه عندما وافق على توكيله. إستمر سعيد فى الكلام بنفس الحماسة:
ـ ثم أن موكلي أصابه مرض عِضال أثناء و جوده في الغـُربة مما أدى أيضآ إلى عدم إمكانه التقدم لإنهاء إجراءات الإعفاء من التجنيد في ميعادها.
قال في نفسه "الله يخرب عقلك يا سعيد، طول عمري صحتي حديد، ماذا يكون موقفي إذا طلب القاضي شهادة مرضية"، قرر أن يوقف هذا التهريج رفع يده و هم بمخاطبة القاضي ليعلن له أن سعيد لا يمثله، لكن القاضى كان فى واد آخر يتفحص بعض الأوراق و لا يستمع لما يقوله سعيد، الضابطان الآخران كانا أيضآ سارحين فى ملكوت خاص و الظاهر أنه هو الوحيد الذي كان يتابع كلام محاميه، قاطع القاضى سعيد و أمره بالسكوت، ثم وجه كلامه لصاحبنا بما معناه أن المحكمة متفهمة لظروفه و أنه قد حكم عليه بغرامة ثلاثة ألاف جنيه يحصل بعدها على شهادة الإعفاء، ثم أعطى القاضى ملفه للصول الذى أضاف بعض البيانات لأحد الأوراق ثم أعطاها له و أخبره أن يذهب لدفع الغرامة فى الخزانة داخل المعسكر.
@ @ @ @ @
صاح سعيد بحماس:
ـ ألف مبروك على البراءة يا "دُكتـُر"، ما رأيك في مرافعتي؟
لم يرد عليه، حمد الله أن إنتهى الموضوع بهذه الصورة، قام بدفع العشرة جنيهات لسعيد الذي تناولها ثم قال:
ـ أين الحلاوة ؟ حلاوة البراءة، إعطني عشرة أخرى حلاوة
أجابه فى حزم أن ما أخذه هو ما إتفقا عليه و لن يأخذ أكثر منه، عرض عليه سعيد أن يصاحبه لدفع الغرامة و أن يـُشـَهـِل له الحصول على الشهادة، رفض بحزم فودعه مبتسمآ وهو يبارك له مرة أخرى على البراءة.
نظر للمنظر حوله، إقترب الوقت من الظهيرة، الشمس الساطعة القوية تفرض وجودها على الجميع، الصف مازال طويلآ و قد بدى التعب على أفراده، يلفهم السكوت بتأثير الحر و الإرهاق، المرأة العجوز توقفت عن الشحاذة و جلست تحتمي من الشمس فى بقعة الظل الضئيلة التي كونتها يافطة مغروسة على جانب الطريق الذى خلا من العربات، الوحيد الذي كان يتحرك وسط هذه البانوراما كان سعيد، شاهده يسرع نحو نَصْبـِة المطعم ثم يقف فى ظل التندة يقضم ساندوتش البذنجان بسرعة و نهم و يحتسي الشاي.
وقف يتأمله من على بعد، شخصية عجيبة سعيد هذا، طريقته في فرض نفسه، تواضع ملابسه، إبتسامته اللزجة، كذبه على المحكمة ثم محاولته أخذ أكثر من الأتعاب التي إتفقا عليها، ترى هل يؤدي هذا الروتين يوميآ؟ لا شك أنه سيكون مادة مسلية للحديث عندما يعود من أجازته و يخبر أصدقائه أنه قد وَكــَـلْ محامي يرتدي شبشب زنوبة ليدافع عنه أمام محكمة عسكرية و أنه دفع له أتعاب عشرة جنيهات.
لا يدري كيف و لا لماذا و لكن بالتدريج و ببطأ بدأت مشاعره نحو سعيد تتغير، رأي فيه صفات لم يلاحظها من قبل وسط إهتمامه بمشكلتة الخاصة، فالرجل مؤدب لايمكن إنكار ذلك و دءوب فى سعيه لتمثيله أمام المحكمة، حتى كذبه أمام القاضى كان فيه شيئآ من الإبتكار و خفة الدم، شعر أنه كان قاسي في تعامله معه، لماذا لم يتساهل بخصوص الأتعاب أو يعطيه الحلاوة التي طالب بها؟ أهي الرغبة أن يثبت لنفسه أنه ماهر في المساومة؟ إنتابه شئ من تأنيب الضمير، قرر أن يحييه قبل أن يغادر المكان و لكن في اللحظة التي رفع له يده محييآ إستدار سعيد و إتجه ناحية نَصْبـِة المطعم مرة أخرى، تحرك صاحبنا متجهآ ناحية المعسكر كي يدفع الغرامة، على باب المعسكر نظر خلفه للمرة الأخيرة، ألقي نظرة على خيمة المحكمة، صف المطلوبين للتجنيد، الشحاذة العجوز ،الطريق الخالي يشق الصحراء و سعيد ممسكآ بيد ساندوتش الباذنجان و باليد الأخرى كوب شاى و متجهآ بهما إلى المرأة العجوز.
@ @ @ @ @
@ @ @ @ @
refaats@sympatico.ca
اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
تعليقات حول الموضوع
الغربة احيانا بتقسى القلب
رزق | 9/21/2008 5:07:04 PM
حرام عليك العشرة جنيه متجيش ثمن المواصلات من البلد حتى هذا المكان لكن هو محامى قنوع و خدمك فعلا ابقى ادعى له تعويضا له
الكلام ده امتى ؟؟؟
hussein | 9/2/2008 1:29:24 PM
ياسيدى لم تفصح عن زمان هذه القصة إن كانت حقيقية لأننا كمحامين لا نرى مثل تلك الصورة وبالذات بالمحكمة العسكرية .. نعم هناك من يعرف بمحامى الطرقة أى الذين يتواجدون ليلاً امام النيابة المسائية ولكنهم ايضاً ليسو بذات الوصف الذى وصفتموه لسخصية سعيد ... ايضاً هناك الكثير من الأشياء التى يجب مرعاتها امام المحكمة والتى نلتزم بها وبقدسيتها مثل الروب والوقار فى الملبس ولكننا لا نعرف الشبشب غير عند دخول الحمام مثل اى شخص اخر ولا نذهب به للعمل والمحاكم
هذه محكمة عسكرية لا يوجد بها مستشارون، أوجز ولا داعي للكلام الفارغ، تكلم من مكانك ولا تقترب من منصة القضاء.
أبو حبيبة1 | 9/2/2008 2:55:15 AM
يا أستاذ شريف أنت لا تعرف مدى لهفتى وإنتظارى لمقالاتك ولا يكفينى أن أقرأ لك مقالة واحدة فى الأسبوع فدلنى على طريقة أخرى تمكننى من إشباع نهمى الشديد إلى كتاباتك العبقرية أما بخصوص المقال فالبرغم من أنه صغير ومقتضب إلا أنه رائع وموحى جداَ مش عارف أعلق على أيه أم أيه – وكيف لمثلى أن يعلق على كتابات قمة عالية مثلك بارع فى إستخدام الرمز تجعل القارئ يحلق بعقله ويستمتع بفنك الجميل، أعلق على إختيارك لمكان الحدث ( المحكمة العسكرية ) والتى هى - فى بلادنا فقط حيث حاء فى مقالك ( و لمعيشته في الخارج، أخبروه أن كلمة محكمة عسكرية يجب ألا تثير الرعب في نفسه لأنها مجرد جهة حكومية ) – هى بلادنا رمزاَ للقهر والظلم الذى يحتمى به هذا النظام الظالم والتى يلجأ إليها - كلما خذلته المحاكم المدنية - لتنفذ له أحكاماَ يأمر هو بها فيكون هو الخصم والقاضى،
تحية للمهندس شريف
بسام | 9/2/2008 2:34:59 AM
شكرا للمهندس شريف هلى هذه القصة المؤثرة والتى تثبت بجدارة قدرته على الكتابة كأعظم الأدباء وكتاب القصة القصيرة ، اتمنى أن تجد الوقت لكتابة كتب أو قصص فى أى اتجاه ، سأكون أول من يقرأها ويشتريها مع وافر التحية
المهندس شريف.....ممكن تكملها؟؟؟؟؟رواية رائعة....وتصوير أروع...
مصطــــــفى الجنـــــدي ـ جدة laptop727@hotmail.com | 9/1/2008 4:36:59 PM
بصدق رواية رائعة...مثل ( الخواجة) وان كانت أوقع.. لمصريتها في المكان والزمان والشخصيات مفردات ..تصوير,,وكأنك في مكان الرواية ترى ..تسع..وتتأمل.. وتتفحص ( المحامي سعيد) من (فوق لتحت).. رواياتك كلها (تأخذ العقل).. المهم القفلة بتاعتها توحي أنك في انتظار المشهد الاني.. أو الحلقة الثانية علشان كده بنقولك ( ممكـــــن تكملهـــــا ) مع وافر التحيــــة........(مصطفى الجندي)