الخميس : 2 سبتمبر 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ رأي
ما الذي ينبغي على العراقيين تعلمه من ماليزيا والفلبين؟ ـ د. عبدالفتاح ماضي

د. عبدالفتاح ماضي : بتاريخ 11 - 6 - 2008
تقدم لنا تجارب الأمم الأخرى الكثير من العبر والدروس على قادتنا ونخبنا السياسية أخذ العبرة منها. فاليوم وبعد خمس سنوات من احتلال العراق، وبدء التفاوض حول الوضع النهائي للوجود الأمريكي العسكري في العراق أعتقد أن فهم تجربتي ماليزيا والفلبين في التعامل مع قضيتين محوريتين في غاية الأهمية للعراق الذي يواجه ذات القضيتين: بناء الدولة بعد أن عَبَثَ المحتل في مقدراتها البشرية والاقتصادية، والتعامل مع الوجود العسكري المفروض عليها بفعل عوامل كثيرة.
أولاً: كيف تعامل قادة ماليزيا مع مجتمعهم المتعدد اللغات والعرقيات والديانات بعد رحيل الاستعمار؟
اتسم أسلوب الآباء المؤسسين لماليزيا، وعلى رأسهم تنكو عبدالرحمن، بالمسؤولية والحكمة وبعد النظر، والبعد عن التعصب لدين أو مذهب أو عرق ما، والأهم عدم التفرغ لتصفية حسابات الماضي أو التغني بأمجاد نقاء العرق أو الحفاظ على المذهب أو ماشابه. فإزاء الواقع الذي فرضه المستعمر الإنجليزي -والذي بموجبه تم تغيير التركيبة السكانية للبلاد عن طريق تهجير الصينيين ومحاباتهم على حساب أصحاب البلاد الأصليين- تمحورت اختيارات القادة والنخب الصالحة حول تحويل التنوع السكاني إلى عامل قوة ووحدة، وتحقيق التنمية الاقتصادية والمساواة لكافة الفئات من أجل رفاهية الكل بلا استثناء.. وقد ترجم هذا إلى سلوكيْن حاسميْن، أولهما الإتفاق على قواعد اللعبة الديمقراطية وتبني النظام البرلماني والديمقراطية التوافقية وتحييد الجيش، وإنشاء تحالف سياسي عابر للعرقيات والديانات هو "منظمة الملايو القومية المتحدة" (UMNO)، التي ضمت الأحزاب السياسية الممثلة لكل التيارات الرئيسة.. وبهذا فوّت القادة الفرصة على المستعمر البريطاني الذي كان يراهن، في سعيه للبقاء في ماليزيا، على رفض قادة الملايو التعدد العرقي للبلاد وقيامهم بإعتماد سياسة الإقصاء وتصفية الحسابات..
أما السلوك الثاني فهو إدراك القيادة أنه وإنْ كان من المستحيل تغيير الاختلافات العرقية واللغوية والدينية، فإنه من الممكن إزالة الفوارق الاقتصادية، ولهذا وضعت سياسة اقتصادية تم بموجبها إعادة هيكلة الاقتصاد بهدف تحقيق توزيع أكثر عدالة للثروات القومية بين الجماعات العرقية المختلفة وتيسير دمج الملايو في الاقتصاد، لكن دون إفقار الصينيين والأعراق الأخرى. إنها سياسة التمييز الإيجابي التي طبقتها ماليزيا قبل الولايات المتحدة بسنوات..
واستطاعت القيادة والنخب التوافقية أنْ تُجنب البلاد عدداً من الأزمات العرقية، بل وتنهض بها لتصبح، في عهد مهاتير محمد، من النمور الآسيوية.. وأشير هنا إلى أن النهضة الاقتصادية والتعليمية التي حققتها ماليزيا لم تتجاوز الإسلام، وإنما انطلقت منه على أساس فهم مهاتير محمد له، والذي أكد على أنه يجب على المسلمين التمسك بالإسلام والنهوض من خلاله. وهذا التمسك لايعني التمسك بنموذج محدد - لأنه لا يوجد نموذج أو تفسير واحد للإسلام صالح لكل زمان ومكان- وإنما يعني، عنده، السعي لتحقيق أهداف الإسلام (مقاصده) عن طريق آليات لا تتعارض معه.. واشتملت هذه الآليات الاستفادة من تكنولوجيا الغرب وقيم العمل والانجاز من شعوب الشرق..
ثانياً: كيف تعاملت الفلبين مع الوجود الأمريكي على أراضيها؟
ظلت الفلبين تحت الإحتلال الإسباني لأكثر من ثلاثة قرون من منتصف القرن 16 حتى نهاية القرن 19 عندما أنهت الحرب الأمريكية الإسبانية الوجود الإسباني لصالح الولايات المتحدة مقابل 20 مليون دولار دُفعت للإسبان عام 1898. ثم ضَمّ مجلس الشيوخ الفلبين نهاية 1899، وشرع الأمريكيون في بناء القواعد العسكرية وإرسال البعثات التبشيرية ووضع القوانين التي تقضي بالإعدام أو السجن المؤبد لكل من يطالب بالاستقلال.. وكان طبيعياً أن يبدأ نضال الفلبينيين ضد الاحتلال الذي خلّف مئات الآلآف من الضحايا.. ثم حصلت الفلبين على استقلالها عام 1947 لكن مع توقيع اتفاقية عسكرية تظل بموجبها الولايات المتحدة في عدد من القواعد العسكرية.. وفي ظل حكم الدكتاتور ماركوس، الذي كان يحكم بقوانين الطوارئ، اندلعت الكثير من المظاهرات ضد الوجود الأمريكي أبرزها المظاهرات الطلابية التي اتجهت ضد ماركوس والولايات المتحدة في آن واحد..
وقد أدى تكتل المعارضة وتشكليها بديلاً ديمقراطياً بقيادة توافقية (أكينو) إلى تراجع الأمريكيين عن دعم ماركوس ثم هزيمة ماركوس في أول انتخابات ديمقراطية عام 1986... ثم وُضع دستور جديد أنشأ نظاماً سياسياً معبراً عن الجماهير، وكان طبيعيا أن تبدأ الحكومة المنتخبة في مفاوضات حول الوجود الأمريكي في البلاد.. إلا أن مجلس الشيوخ الفلبييني رفض المفاوضات في النهاية وطالب بخروج الأمريكيين وتصفية كل القواعد العسكرية.. وقد اضطرت الولايات المتحدة إلى الإنسحاب وإغلاق آخر قواعدها عام 1992.
ثالثاً: ما الذي يمكن للعراقيين تعلمه من ماليزيا والفلبين؟ هناك على الأقل أربعة دروس:
- الحكومات المطلقة التي لا تستند إلى شرعية شعبية لا سند لها إلا الوجود الأجنبي، وماركوس اعتمد على الأمريكيين لأنه يعلم أن سلطته غير شرعية. أما الحكومة الديمقراطية المعبرة عن إرادة الشارع فكانت وحدها القادرة على إجبار الأمريكيين على الخروج وتصفية قواعدها.. ومدة خمس سنوات من الحكم الديمقراطي في الفلبين (وليس الفرز الطائفي والتنافس المذهبي وتصفية الحسابات) كانت كافية لتصفية الوجود الأمريكي بعد ما يقرب من قرن من الإحتلال والوجود العسكري.
- لا يحتاج العراق، في هذه المرحلة، تعددية حزبية تفرز أحزاباً متنافرة وإنما يحتاج جبهة وطنية موحدة – عابرة للقوميات والطوائف والعشائر- تضم، على نمط منظمة (UMNO)، كل القوى الوطنية من العرب والأكراد، السنة والشيعة، المسلمين وغير المسلمين، وتتولى حكم البلاد وذلك بالإستعانة بالتكنوقراط العراقيين المخلصين الذين لا ينظرون لأنفسهم بمنظار عرقي أو مذهبي، وما أكثرهم داخل العراق وخارجه. إنّ الوقت وقت بناء المؤسسات السياسية، والحفاظ على المقدرات البشرية والاقتصادية، وليس وقت التنافس الحزبي والانشقاقات والتحالفات والتحالفات المضادة.
- يحتاج العراق إلى دعم حكم القانون ودولة المؤسسات بعد عقود من الحكم الفردي، ويحتاج إلى ترفع نخبه الوطنية عن تحويل الصراعات السياسية إلى صراعات مذهبية وطائفية وعرقية، وإلى إدراك أنّ العراقيين جميعاً وبلا تمييز هم وحدهم الذين لديهم القدرة على تحويل بلادهم إلى دولة قوية، مع الحفاظ على تنوعهم المذهبي والعرقي والقبلي والعشائري وتحويله إلى عنصر قوة.
- الولايات المتحدة لا تخرج بإرادتها من أرض وطأتها أقدام جنودها، ولا تخرج بالدعاء ولا بالأمنيات. فعالم اليوم هو عالم القوة والمصالح ولا مكان فيه للنوايا الحسنة. لكن حيثما يوجد الإحتلال تولد المقاومة المسلحة التي تقوم بوظيفة أساسية هي رفع تكلفة الوجود الأجنبي.. ومن هنا لا بديل في العراق عن دعم المقاومة المسلحة التي تتجه للاحتلال فقط وبكل الطرق الممكنة..
قوة العراقيين جميعا تعني قوة العراق في المنطقة والعالم، وضعف فئة من العراقيين يعني ضعفهم جميعاً في الداخل، وضعف العراقيين في الداخل يفتح البلاد أمام كل طامع من الخارج وما أكثرهم.. "فاعتبروا يا أولي الأبصار" ..
-----
قسم العلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
abdelfattah.mady@gmail.com

اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
تعليقات حول الموضوع
دراسة صائبة
طارق منصور أنانج | 6/12/2008 7:27:14 PM
دراسة صائبة يا دكتور عبدالفتاح هكذا معظم دول أسيا وقد اتسم نظامها بعبقرية المكان والعرق فكونوا نموا أخافت الغرب بكاملة لكن هيهات أن يحدث ما تشير اليه في العراق الذي دافع عن قيمة في فترة خمس سنوات عجاف ثلة من المنتفعين والموالين لسيدهم بوش وكذلك الخبث الشيعي المقيت هناك فرق شديد يا دكتور في نوعية الشعوب أقل لك أن الاسيوين عامة قابلين للنظام الذي مؤداه التقدم والازدهار في كل مناحي الحياة وأن التجربة خير برهان عن الدراسة الاكاديمية عذا ان أطلت عليك لكن الحديث في شأن العراق ذو شجون روحم الله الشهيد صدام
إنجيل يهوذا يؤكد أن يهوذا لبس هيئة المسيح
إنجيل يهوذا يؤكد أن يهوذا لبس هيئة المسيح | 6/12/2008 5:20:15 AM
http://www.55a.net/firas/arabic/index.php?page=show_det&id=914&select_page=1
لماذا يدفعوننا الغرب لتقليل سكاننا اطلع على هذا الرابط
لماذا يدفعوننا الغرب لتقليل سكاننا اطلع على هذا الرابط | 6/12/2008 5:05:19 AM
http://www.55a.net/firas/arabic/index.php?page=show_det&id=1516&select_page=8
دروس مفيدة .... ولكن
د. نبيل العربي | 6/12/2008 4:48:04 AM
أحسنت ووفقت د. عبد الفتاح. هذه على الأقل بعض العبر لمن يعي أهمية دراسة السنن في الدول والمجتمعات للاستفادة منها إلا أن المشكلة الأساسية أن القيادات القائمة غير مؤهلة للاستفادة من ذلك. وأقول لو أن هذا الحديث إلى قيادات المقاومة العراقية الواعية لعله يكون أوفق.
تعليق 2
احمد يوسف | 6/12/2008 12:26:43 AM
دراسة تحليلية عميقة وجادة عن تجربة هذا البلد وعلى كل فالمقال يتعرض لها بعبارات غاية فى العمومية ممايفقدها اى قيمة معرفية ، وبالنسبة للفلبين على النحو الذى تعرض له المقال لايعرض كل الحقيقة ، قالمقال ينقل المعنى بمايفهممنه انه يوجد توافق وطنى بالمجتمع الفلبينى ، الا ان الوضع الحقيقى يختلف ، حيث توجد اقلية صينية كما الوضع فى دول اخرى بالمنطقة وهى تتمتع بوضع اجتماعى وسياسى واقتصادى متميز ، ويوجد تناحر بين شرائح وفئات المجتمع الذى يتسم بدرجة مرتفعة للغاية من الفساد من جهة والذى يصاحبه وينجعنه استقطاب اجتماعى واقتصادى حاد والامركة الفجة من جهة اخرى .