الخميس : 2 سبتمبر 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ رأي
دور الدين في السياسة - د.عبدالفتاح ماضي

د.عبدالفتاح ماضي : بتاريخ 19 - 9 - 2007
ظل الدين عبر العصور أداة من أدوات الحكام إما لضمان هيمنتهم على الشعوب وإخضاعهم، وإما كعامل من عوامل النهضة وبناء المجتمعات والدول. وفي كتب تاريخ النظم السياسية الكثير من الحالات التي تم فيها استخدام الدين في السياسة بدءا من مصر وسومر، مرورا ببلاد فارس واليونان والرومان، وانتهاء بالعرب والعثمانيين والأوربيين والأمريكيين...

ويعرف كل دارس للسياسة أن عوامل قوة الدولة المعاصرة تضم عوامل مادية (أو ما يسميه البعض – hard power) مثل الموقع الجغرافي والعامل البشري ومساحة الدولة والقوتين العسكرية والاقتصادية، وأخرى غير مادية (أو soft power) مثل الثقافة ودرجة ولاء الأفراد للدولة ومهارات قادة الدولة ودبلوماسيها ودرجة استعدادها العسكري والإرادة السياسية لحكامها وغير ذلك. والدين يشكل أحد عوامل قوة الدولة غير المادية فهو جزء من ثقافة أي شعب من الشعوب، وتستخدمه كل دول العالم بأساليب مختلفة. ففي غرب أوربا معقل العلمانية وفصل الدين عن الدولة، لا تزال السلطة السياسية تمتلك السلطة الدينية كما في بريطانيا والدانمرك وهولندا وأيسلندا واليونان والنرويج وغيرها. كما لعب الدين دوراً في التاريخ الأمريكي القصير، وفي السياسة الأمريكية الحالية الكثير من القضايا التي للدين وللكنائس ولرجال للدين أدوار مؤثرة، منها على سبيل المثال: مبادرة بوش لتمويل المؤسسات الدينية، الجدل الدائر حول تدريس نظريات داروين والنشأة في المدارس الحكومية، وقضايا الإجهاض والشواذ جنسياً، وحكم المحكمة الفيدرالية العليا بالسماح بوضع الوصايا العشر أمام المباني الحكومية، وغير ذلك.

ولم يؤد مبدأ فصل الدين عن الدولة في الغرب إلى محاربة الدين، فالعلمانية – التي نشأت في الأساس كعلاج لمشكلة استبداد رجال الكنيسة في العصور الوسطى في أوروبا – أدت إلى القضاء على تجاوزات رجال الدين، ولم تتناقض مع المبادئ الرئيسية التي استندت إليها الديمقراطيات المعاصرة كالتعددية والتسامح، بل اقترنت بحقوق الإنسان والديمقراطية... إن مؤسسات الدولة العلمانية هناك لم تسيطر لا على الكنيسة ولا على مؤسساتها الدينية والإعلامية والتعليمية، بل أوقفت تسلط الكنيسة، ثم راحت تعاملها كمؤسسة من مؤسسات المجتمع مثلها في ذلك مثل الهيئات والمؤسسات الأخرى. ولذا تتمتع المنظمات الدينية والكنائس في الغرب باستقلالية واسعة، وتساهم بشكل فعّال في الكثير من الأنشطة السياسية والاجتماعية، هذا إلى جانب نشاطها في مساعدة الفقراء والمحتاجين...

ونظراً لأهمية الوازع الديني والقيم والمبادئ الدينية فهناك في العالم المعاصر ما يسمى "الدين المدني" أي استغلال الدولة الدين واستعمال قيمه ورموزه وأعياده – بعد إفراغها من مضامينها الدينية الأصلية - ليس عن إيمان حقيقي وإنما لأجل تحقيق أهداف أخرى قد تكون توحيد أفراد المجتمع من خلال إيجاد مجموعة من القيم والمعتقدات المشتركة بينهم، أو إضفاء الشرعية على مؤسسات الدولة القائمة وعلى الأهداف التي تسعى إلى إنجازها، أو تعبئة جهود وطاقات الأفراد وراء الدولة ومصالحها، أو كل هذه الأهداف معاً. وهذا ما يحدث بشكل ما في الولايات المتحدة، ويحدث بشكل تام في الدولة الصهيونية. ففي الحالة الأخيرة، استفاد قادة الحركة الصهيونية من القوة الكامنة في الدين التقليدي دون التقيد بقيمه وتعاليمه. واستمر قادة الدولة في نفس السياسة حتى يومنا هذا، مستخدمين كل الوسائل الممكنة من وسائط الإعلام ومؤسسات التعليم وهيئات الدولة المختلفة وذلك لإرضاء الجماعات اليهودية المختلفة سلاليا ولغويا وتاريخيا، وصهرها في المجتمع، وتعبئة أفراد تلك الجماعات خلف أهداف الدولة ومصالحها، وإضفاء شرعية ما على قيم ومؤسسات دولة قامت على أساس العنف واغتصاب أراضي الغير.

كل ما سبق يعني أن للدين دورا لا يستهان به في عالم السياسة المعاصر، وأن الحافز الديني قد يشكل عاملا من عوامل قوة الدولة ونهضتها حتى في الدول التي فصلت بين الدين والدولة. فأين نحن من كل هذا؟

النخب الحاكمة في العالم العربي منذ أكثر من نصف قرن فشلت في تنظيم العلاقة بين الدين والدولة، وفرطت في أحد أهم عوامل قوتها وأسس نهضتها، أي في الدين الذي به قامت إمبراطورية قوية حكمت بالعدل أجزاءً واسعة من العالم القديم... فبدلا من إدراك الفارق بين مكان الدين في مجتمعاتهم وموقعه في المجتمعات الغربية، راحت تلك النخب تستورد مبدأ الفصل بين الدين والدولة من الغرب بشكله المتطرف، لكن دون مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية والتسامح، فخلقت استقطابا حادا في مجتمعاتها... وبدلا من الإستناد إلى مبادئ الدين العليا وقيمه الرئيسية كأحد المقومات الرئيسية لدولها الناشئة واستخدام الوازع الروحي للدين لزرع قيم الانتماء والالتزام الاجتماعي والأخلاقي في المجتمع، راحت - بدرجات تختلف من بلد إلى آخر - تسيطر علي المؤسسات الدينية وتدبر شؤونها، وتضع القيود أمام مؤسسات التعليم الديني، وتحارب التيارات السياسية التي تتخذ من الإسلام مرجعية لها، المتشددة منها والمعتدلة على حد سواء...

وفي مصر، ظلت علاقة الدين بالسياسة من الأمور التي تستخدمها الحكومة – مع غيرها من الآليات- للبحث عن الشرعية بين الجماهير، فهي تستغل الدين ليس لصالح بقائها واستمرارها فقط، بل ولضرب كل القوى السياسية التي تعارضها أو تلك التي ترى أن مرجعيتها إسلامية. ومن اليسير إيراد الكثير من البراهين على ذلك، فالدولة بسياسييها ومؤسساتها تستغل الدين جهاراً نهاراً وفي مناسبات كثيرة، ويكفي هنا الإطلاع على خطب رئيس الجمهورية في المناسبات الدينية، والتي تركز دوما على أهمية التأسي بالرسول الكريم وأهمية عدم تجاوز تعاليم الدين الحنيف .. في ذات الوقت الذي تتغاضي فيه السلطة عن أبسط مبادئ الدين في تعاملاتها مع الجماهير ومع كل من يتبنى مبادئ الشريعة الإسلامية كمرجعية عليا له. وامتد الأمر إلى بيروقراطية الدولة وأجهزتها التي دأبت على تعليق الآيات القرآنية التي تحض على مكارم الأخلاق والتمسك بقيم الدين في الوقت الذي يتجاوز فيه الكثير من الموظفين الأسس الأولية للدين عند تعاملهم اليومي مع بعضهم البعض.. والسلطة تحالفت مع التيارات الإسلامية ضد القوميين والشيوعيين في السابق ثم هي اليوم تستهدف تلك التيارات بقانون الطوارئ والمحاكم العسكرية والاعتقالات العشوائية...

لكن كيف ستنظم الحكومة أمرا بهذه الأهمية وهي فشلت في مواجهة أبسط المشكلات التي تواجهها المجتمعات المعاصرة من صرف صحي وتنظيم للمرور وتنظيف للشوارع؟ كيف لها أن تواجه مسألة تتعلق بالدين والقيم والسياسة وسياساتها الاقتصادية أدت بعد عقود من الحديث عن التنمية والنهضة إلى أن أصبح متوسط مرتب موظف في جهازها البيروقراطي يساوي ثمن حذاء كما جاء في اللافتات التي رفعها بعض المتظاهرين من العاملين في هيئة الجمارك!
-----------
قسم العلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
www.abdelfattahmady.net
اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
تعليقات حول الموضوع
وكما تكونوا يولي عليكم
د/جميل خليفة | 9/21/2007 11:20:02 AM
ان لله سنن لا تتبدل ولا تتغير ومن سنن الله سنة التغيير فيقول الله عز وجل( ان الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم ) فاننا نستحق كل ما يحدث لنا من ذل و ظلم لاننا لم نفعل شيئا حتي يغير الله ما نحن فيه ولا نملك الا الكلام وبس افيقوا ايها الناس مما انتم فيه والله احنا نستاهل ما نحن فية طالما ظل حالنا كما هو ولا حول ولا قوة الا بالله
حكومات وشعوب زى بعض
عبد السميع البسيونى | 9/20/2007 7:15:14 AM
يا مشرف، أرجوك لا تحذف هذا التعليق من فضلك. ويوم يكون للشعب قيمة عند حكامه بحيث يكون هو الذى يولى ويعزل ويثور ويتظاهر ويقف صفا واحدا ولا يخاف من خياله عنئذ سوف تحترم الحكومات العربية والإسلامية دين مواطنيها حتى لو لم يكن أعضاء الحكومة فى داخلهم مؤمنين أو متحمسين لهذا الدين. أما والشعب غائب أو "بيستعبط" كما هو حاله الآن فماذا ننتظر؟ ننتظر مولدا صاحبه غائب، ولا عزاء للشعوب المستكينة التى تترك نفسها لحكامهايلعبون الكرة بها، ولكن لأنهم فاشلون فإن هؤلاء الحكام لا يحرزون أبدا هدفا ولا ينتصرون فى المباراة. يعنى: حكومات وشعوب تافهة، بعضها من بعض، كلما ذكر أحد الطرفين الطرف الآخر لعنه لعنا كبيرا، لكن الحكومة مع ذلك تكسب الشعب وتسرقه وتسحقه وتودعه السجن، وهذا هو الشىء الوحيد الذى تنجح فيه، مثل نوادينا التعبانة التى تحرز النصر فى المباريات المحلية أم 3 مليم، لكن على مستوى العالم قل: يا رحمن يا رحيم
الحكام يريدون احتكار دين خاص لأنفسهم دون الجماعات الأخري!!!
دكتور محمود أحمد محجوب | 9/19/2007 6:56:59 PM
أبرز استغلال للدين لتحقيق مصلحة هو استغلال الصهيونية لشعار أرض الميعاد لتهجير اليهود الي فلسطين و اقامة اسرائيل، أما المشكلة الأخطر في علاقة الحكام بالدين و المتدينيين أنهم يريدون احتكار الدين لأنفسهم، و ليس الدين كله بل الدين الذي يريدونه لكي يكسبهم شعبية و شرعية بين الناس بينما في الوقت ذاته يناهضون كل صاحب مشروع تطور بمرجعية اسلامية باعتبار أن هذا النموذج يلقي شعبية كبيرة في الشارع، بل هو عين ما ينتظره الشارع، يقاوم الحكام هذا بكل ما تيسر من اعتقالات و اغتيالات و تزوير و محاكمات عسكرية الخ