الخميس : 2 سبتمبر 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ رأي
حتمية الربط بين التجديد الديني والإصلاح السياسي ـ د. عبدالفتاح ماضي

د. عبدالفتاح ماضي : بتاريخ 29 - 7 - 2007
لعل من أبرز مستلزمات عملية التجديد الديني هو ضرورة أن تتواكب معها عملية شاملة للإصلاح السياسي ولضمان الحريات والحقوق المدنية. وهذا يخالف ما تنادي به بعض النخب الحاكمة والعلمانية وبعض القوى الخارجية ولاسيما في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. فنظراً لأن هذه القوى وتلك النخب ترى أن جمود القوى الدينية والتعصب الديني والتقليد الأعمى للموروثات الدينية هي الأسباب الرئيسية وراء تراجع المجتمعات العربية والإسلامية، فإنها تنادي بإصلاح ديني يقوم في الأساس على استبعاد الدين كمرتكز أساسي من مرتكزات التجديد والنهضة.
وهؤلاء في واقع الأمر يحاولون محاكاة النموذج الغربي الذي ارتكز، في رأيهم، إلى الإصلاح الديني ثم إلى فصل الدين عن الدولة وتحييد دور الدين فيما يتصل بالتنظيم السياسي والاجتماعي.
والمشكلة الرئيسية لهؤلاء هي في عدم قدرتهم على فهم الاختلافات الواضحة بين ما جرى في الغرب وما يجري في العالمين العربي والإسلامي. فالإصلاح الديني الذي حدث في أوروربا وأثمر ماصار يعرف بالمذهب البروتستانتي كان حلقة واحدة من سلسلة من الصراعات التي شهدتها القارة الأوروبية بين العديد من القوى والتي أثمرت في النهاية الليبرالية والرأسمالية والديمقراطية التي تعيشها دول أوروبا حالياً.
ومن أبرز تلك الصراعات صراع الكنيسة الكاثوليكية ضد الحكم المطلق، ثم صراع اللوردات والطبقات الأرستقراطية مع الملوك، وصراع الكنيسة الكاثوليكية مع الدولة، ثم صراع الكاثوليكية مع البروتستانتية (وهذا الصراع الكاثوليكي-البروتستانتي على وجه التحديد هو ما يؤرخ لما يعرف بالإصلاح الديني المسيحي في أوروبا) وصراع البرجوازيين من التجار والصناع مع الملوك وظهور الرأسمالية على حساب الإقطاعيات الأوروبية...
هذا ناهيك عن أن مارتن لوثر الألماني كان يؤمن بأن الكنيسة الكاثوليكية تتساهل في الأمور المتصلة بأمور الدين والعقائد، أي أن أفكاره يمكن مقارنتها بأفكار أولئك الذين ينادون بالتفسير الحرفي للنصوص الدينية في عالمنا المعاصر... وذلك عكس ما آلت إليه البروتستانتية في الوقت الحالي...
وبشكل عام كانت الحركات الدينية التي ظهرت نتيجة للإصلاح الديني في أوروبا أكثر تشدداً وتزمتاً من الكنيسة الكاثوليكية ومن أفكار لوثر نفسه. فالذي كان يجمع هؤلاء جميعاً هو رفضهم لاستبداد الكنيسة وفسادها. ولذا فالنهضة الأوروبية ومبادئ الليبرالية والديموقراطية، بل والحرية الدينية السائدة في أوروبا، لم تكن وليدة الإصلاح الديني بالمعنى الذى يفهمه العلمانيون المنادون بإستبعاد الدين نهائياً في العالمين العربي والإسلامي.
وفضلاً عن ما تقدم فإن حركة الإصلاح والإحياء التي شهدتها المنطقة العربية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ظهرت في وقت تمتعت فيه مصر بشيء من الانفتاح الثقافي والفكري من ناحية، ولم تقف عند المطالبة بالإصلاح الديني فحسب من ناحية أخرى.
وحسبنا الإشارة إلى مناداة الشيخ رفاعة الطهطاوي بالحريات المدنية، كما أن الشيخ محمد عبده، وإن بدأ منادياً بالتجديد العقلي والإصلاح الديني والتربوي كمقدمة للإصلاح السياسي، إلا أنه انتهى مطالباً بإصلاح سياسي شامل، بل ويمكن الإشارة أيضا إلى أن اهتمام كل من إبن رشد وإبن خلدون من قبل إنما اتجه في الأساس إلى لُب المشكلة وهي طبيعة السلطة وأنماط إنتقالها من فئة إلى أخرى.
ومن جهة أخرى، تستلزم عماية التجديد الديني ما يمكن تسميته "سياسة عدم الإقصاء"، أي أن سياسة الإقصاء التي مارستها النخب العلمانية الحاكمة طوال العقود الماضية تجاه التيارات الإسلامية لا يجب أن تتكرر عند التصدي لمسألة من يقوم بالتجديد. وهذا يعني ايضاً أنه لا يجب إقصاء التيار العلماني ذاته، فالكثير مما يثيره هذا التيار يجب أن يجد له مكاناً في أجندة التجديد المنشود، كما أن بناء الثقة بين التيارين العلماني والإسلامي من شأنه أن يزيد من فرص نجاح عمليات التجديد تلك.
وسياسة عدم الإقصاء يجب أن تمتد إلى فقهاء المذاهب المختلفة، والمؤسسات الدينية الرسمية ومجامع الفقه وهيئات الإفتاء، وكل الحركات الإسلامية التي تقبل بالحوار وتبادل الآراء، والمسلمين المغتربين في الخارج، أي الأقليات المسلمة في دول الغرب وغيرها، وكذا يجب أن تمتد إلى الأقليات غير المسلمة التي تعيش في مجتمعات ذات أغلبية سكانية مسلمة حال الأقباط في مصر.
وبجانب هذا فإن على الفقهاء والعلماء العالِمين بأسس الشريعة وأصولها والقادرين على إنزال الأحكام والقيم الأساسية على الواقع المتغير زماناً ومكاناً، الإلمام بمتغيرات العصر ومعالمه، واحتياجات الناس والتحديات التي يواجهونها في عالمنا المعاصر. كما يجب عليهم الإستعانة بأساتذة الجامعات والخبراء ولاسيما في التخصصات الاجتماعية والإنسانية المختلفة كالسياسة والاقتصاد والتاريخ واللغويات وعلم النفس، وغيرها.
ولاشك أن نجاح أي عمل تجديدي إنما يتطلب جهداً جماعياً ومؤسسياً فليس من المتصور أن تثمر جهود فردية متفرقة الأهداف المرجوة من التجديد الشامل المنشود في العالمين العربي والإسلامي. وهذا الجهد الجماعي المؤسسي ينبغي أولاً أن يقوم على فكرتي التدريجية والتراكمية لكن مع وجود استراتيجية واضحة المعالم، وثانياً أن يحترم مبدأ التخصص وتقسيم العمل والإستفادة من الخبراء والمتخصصين، وثالثاً أن يستند إلى فهم علمي سليم يقوم على البرهان والإقناع وإعمال العقل والنظر في كافة المسائل المتعلقة بالمعاملات دون تجاوز للنصوص الإلهية الثابتة ودون الوقوف عند آراء فقهية معينة، ورابعاً أن يتم في إطار تنظيمي مؤسسي يحدد المهام والمسئوليات والأطر الزمانية والميزانيات المالية اللازمة للوصول إلى الأهداف المرجوة. والله أعلم.

-------------
قسم العلوم السياسية – جامعة الإسكندرية
www.abdelfattahmady.net

اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
تعليقات حول الموضوع
كما كان سابقا
ساره | 7/30/2007 1:12:43 PM
كيف تلك النخب تنادي بإصلاح ديني يقوم في الأساس على إستبعاد الدين كمرتكز أساسي من مرتكزات التجديد و النهضه وديننا هو دين النهضه فبه تقوم العلاقات الإجتماعيه على اساس صحيح و الحياه الساسيه أيضا كما كان سابقا (الخلفاء الراشدين)
نعم و لكن!
ع.ر. | 7/30/2007 1:37:45 AM
جزاكم الله خيراً د.ماضي .. و لكن ألا ترى أن مثل هذة الخطوة تتطلب وعي عالى من جانب التيارات المختلفة و تتطلب وجود ثقافة تقبل الأخر؟ و مما لا يخفى عليك أن بلدنا الحبيب يفتقد كل هذا.
الطريق الوحيد
م. محمد حسن | 7/30/2007 12:15:04 AM
شكرا يا دكتور فعلا لو تم تطبيق هذا المقال سيكون خطوه كبيرة للاصلاح
النخب الحاكمه و الدين
دكتور محمود أحمد محجوب | 7/29/2007 6:12:12 PM
النخب العلمانيه تحاول اقصاء القوي الدينيه لسبب بسيط هو أنها لا تستطيع أن تجاري شعبيتها في الشارع، كما أن وجود القوي الدينيه يغل من يد النخب الحاكمة في الفساد و النهب المنظم، النخب الحاكمه لا تكره أن تتدين الشعوب و لكنها تكره و بشده من ينازعها الكرسي، و أوافقك تماما ان أي نهضه شامله لا بد و أن يكون لها أساس ديني