الخميس : 2 سبتمبر 2010 الرئيسية | اجعلنا الرئيسية | الأرشيف | الاعلانات | اتصل بنا
اضغط هنا لطباعة الصفحة للطباعة ملف نت للحفظ رأي
حكاية سياسية : كوريا الجنوبية ـ د. عبدالفتاح ماضي

د. عبدالفتاح ماضي : بتاريخ 6 - 4 - 2007
في عام 1979 وبعد نحو 19 عاماً على الانقلاب العسكري الذي أوصله للحكم في كوريا الجنوبية عام 1961 قُتل رئيس البلاد الجنرال العسكري "بارك شينج-هو" على يد جنرال عسكري آخر في انقلاب عسكري جديد هو "شين-هي" الذي عين نفسه رئيساً للبلاد وأعلن الأحكام العرفية للقضاء على ما أسماه أعداء الوطن المناهضين للحكومة الجديدة. فهؤلاء لا يحكمون إلا استناداً إلى قوانين استثنائية وهم يفعلون ذلك بديباجات مختلفة...

اشتعلت المظاهرات ضد اغتصاب السلطة واستيلاء عسكري جديد على مقاليد الأمور وضد قوانين الطوارئ واعتقال المعارضين، فما كان رد فعل السلطة إلا قمع المتظاهرين بالقوة والعنف... فقتل أكثر من 200 إنسان... ولأن المعايير المزدوجة الأمريكية كانت موجودة آنذاك أيضا فقد آثرت الحليفة الأمريكية الدائمة للحكام المستبدين في كوريا الجنوبية منذ عقود آثرت الصمت. إذ أن انتقادات الإدارات الأمريكية ظلت تتجه دوماً إلى من يقف ضد مصالحها في العالم ولتذهب مبادئ ويلسون ومبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية للجحيم...

وبرغم قمعية ووحشية نظام الدكتاتور "شين" إلا أنه أكمل مسيرة سلفه الدكتاتور "شينج" في تحقيق المعجزة الاقتصادية التي انتشلت كوريا الجنوبية من مصاف دول العالم الفقيرة إلى مجموعة الدول المتقدمة صناعيا. ففي عام 1961 كان متوسط دخل الفرد هناك أقل من 72 دولار أمريكي، ثم تضاعف المتوسط 20 مرة بحلول عقد الثمانينيات (أي وصل إلى 1440) ثم إلى نحو 9000 دولار عام 2000 وإلى أكثر من 21000 عام 2006. المستبدون جاءوا إلى الحكم عنوة أو على ظهور الدبابات لكنهم – في بعض الحالات – تركوا بلدانهم وقد تقدمت اقتصاديا وصناعيا ـ ولم يفسدوا الحرث والنسل كما حدث في حالات أخرى.

وبرغم ما حققه "شين" من نهضة صناعية واقتصادية فقد كان لزاما عليه أن يبحث عن مصدر جديد للشرعية وسط الجماهير. وقد دفعت ضغوط الجماهير المتصاعدة التي قادها طلاب الجامعات وأساتذتها ورجال الدين من جهة وتكتل الأحزاب المعارضة وتكثيف جهودها ضد السلطة من جهة أخرى إلى تخفيف قبضة السلطة على المعارضين في 1983 وسحب قوات الأمن من الجامعات وإطلاق سراح الكثير من المعتقلين. إن الأنظمة الدكتاتورية لا تقدم تنازلات مجانية للجماهير، فلكل شيء ثمنه، وتنازل المستبدين نتيجةً طبيعيةً لضغوط المحتجين.

عندما تحررت المعارضة من القيود الحكومية لم تستكن للسلطة ولم تُسبح بحمد الحاكم أو تتسابق نحو يد السلطة المانحة للمكافآت والحوافز والمناصب وإنما على العكس راحت تكثف من تظاهراتها وتحركاتها لتحقيق هدفين محددين لم يتحققا بعد، هما تعديل الدستور والسماح بانتخابات ديمقراطية تنافسية حقيقية لاختيار رئيس جديد للبلاد.

أدوات التغيير الرئيسية كانت قوة الجماهير التي تمثلت في الأساس في تظاهرات الطلاب والأساتذة ورجال الدين والعمال من جهة، وتكتل المعارضين في حزبين رئيسيين قادا عمليات التعبئة والتظاهرات التي سار فيها ملايين من الكوريين الذين لم يتجاوز عددهم آنذاك نحو 39 مليون نسمة وذلك من جهة أخرى. ولأن استخدام القمع والعنف ضد ملايين من المتظاهرين غير ممكن، فلم يستطع الدكتاتور استخدام قوات الأمن وكان لزاما عليه تقديم التنازلات لشعبه...

في ذالك الوقت ومع تصاعد الاحتجاجات وضغوط المعارضين تبدلت مواقف الحليف الأمريكي، فليس له أن يستمر في دعم دكتاتور يعارضه الملايين في الشوارع ويتكتل ضده الطلاب والأساتذة ورجال الدين والعمال... ولأن الشعب الكوري الجنوبي كان محظوظا في ذلك الوقت فقد مثلت الألعاب الأولمبية لعام 1988 في كوريا فرصة أخرى لتكثيف الضغوط الدولية على السلطة قبل حلول موعد الألعاب.

شارك في التغيير جهات متعددة: فالنظام الحاكم لم يتشبث بالسلطة ويكابر ولم يلجأ إلى إدخال تعديلات شكلية لتحسين صورة الدكتاتور وأركان حكمه أو لتخفيف حدة الضغوط الخارجية، وإنما استجاب لمطالب المعارضين والجماهير وشارك في عملية التحول الديمقراطي مدركا أن الزمن ليس زمن الدكتاتورية العسكرية أو التجمل بواجهات ديمقراطية مزيفه...

أما الأحزاب المعارضة فقد اتسمت مواقفها بالاعتدال، فهي لم تُطالب باستقالة الرئيس أو تغيير النظام بأكمله، وإنما تركزت جهودها على المطالبة بتعديل الدستور وإجراء انتخابات ديمقراطية تنافسية حقيقية. وقد اتسمت تحركاتها بالعمل المنظم والتعبئة الجماهيرية الفعالة وبالبعد عن التفكير المحدود ونبذ خلافاتها الضيقة...

أما الجناح الراديكالي للمعارضة فضم الطلاب الذين ظلوا يتظاهرون بانتظام وبلا توقف، وبلا عنف أيضا، من أجل إسقاط الحكم العسكري وكتابة دستور جديد للبلاد. كما ضم العمال الذين استطاعوا مقاومة سيطرة النظام الدكتاتوري عليهم وأن ينتظموا ضده في سلسلة من الاحتجاجات والإضرابات، بل وأن يقيموا جسورا للتعاون مع المعارضين والطلاب. وقد صبّت المواقف الراديكالية للطلاب والعمال في صالح جهود المعتدلين التي بدت مطالبهم أكثر قبولا لدى السلطة. كما أن السلطة قدّرت أن الاستجابة لمطالب المعارضة المعتدلة سيجنبها الرضوخ للمطالب المتشددة للراديكاليين...

في عام 1987 تعهد النظام بتغيير الدستور بشكل حقيقي والسماح بانتخابات مباشرة، ديمقراطية تنافسية، لاختيار رئيس جديد للبلاد. وتقدم النظام بمرشح هو رئيس الحكومة "رو" الذي تنافس في انتخابات حقيقية مع اثنين من زعماء المعارضة التي فشلت في توحيد صفوفها وراء مرشح واحد. وعلى الرغم من فوز مرشح الحكومة في الانتخابات فإن العام 1987 صار يؤرخ لانتقال البلاد إلى الديمقراطية. فالعبرة هنا للتطبيق الحقيقي للنصوص وللضمانات الحقيقية للتنافس على المناصب السياسية وليس بهوية من يتقلد السلطة.

حققت كوريا الجنوبية قفزات أخرى منذ ذلك التاريخ، فقد صارت في الترتيب ال 11 في الناتج القومي الإجمالي حسب تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهي تحتل المركز 23 من حيث سهولة إقامة الإعمال التجارية حسب المنتدى الاقتصادي الدولي، والمركز ال 31 في مقياس حرية الصحافة، والمركز 42 في مقياس الفساد. وهذه كلها مراكز متقدمة لدولة ظلت تحت حكم العسكر لعقود من الزمن وتحولت إلى الديمقراطية بقوة الجماهير وتكتل المعارضين. إن في ذلك لعبرة!
------------
* قسم العلوم السياسية - جامعة الإسكندرية.
www.abdelfattahmady.net



اضف تعليقك
الاسم :
عنوان التعليق:
التعليق:
تعليقات حول الموضوع
المعارضه من اجل المعارضه
ساره فريد السيد | 6/10/2007 9:43:24 AM
أرى أن السبب الهام في التغيير الذي حدث في كوريا هو قوة المعارضه وإصرارها على هدفها وهو الإصلاح و التنظيم والخطيط الصحيح لها على عكس حال المعارضه في مصر فهي تعارض فقط من أجل المعارضه وتفتقد إلى عنصر التنظيم
الفـــرق الأساسى بين مصر وكوريا
يسرا العادل | 4/7/2007 10:47:07 AM
هو أن الدكتاتور الكوري كان يهمه النهوض الإقتصادي بالبلد. أي كان يفكر في مصلحــــــة بلـده, بينما النظام في مصر ..... وهنا تذكرت يسرا رقم 179 فسكتت عن الكلام المباح
نحن مختلفون ممن حولنا
ayyam | 4/7/2007 3:28:52 AM
الأخ الدكتور عبد الفتاح! تحليلك صحيح بلاشك فحال الكوريين أنذاك كان غير حالنا اليوم نحن المصريين...أولاً الحاكم مستبد بالإيضافه لايعرف كيف يحكم أو يرفع من شأن البلاد...ثانيا شعبنا كباقى الشعوب العربيه لايريد أن يضحى من أجل الكرامه والنهوض بالبلاد...ولهذا فى رأيى لن يتغير حالنا حتى بعد ألألآف من السنين! لكنى لاذلت أحلم أن نتغير يوماً ما.
نصبر على الجوع ولا نصبر على الذل
إبراهيم المصرى | 4/6/2007 9:24:14 PM
سيدى : المشكلة الرئيسية تتمثل فى حركة الشعوب لكى تنال حريتها ، فلو لم يتحرك الشعب والمعارضة فى كوريا الجنوبيةما تم أى إصلاح ديموقراطى ، فبالرغم من القفزة الإقتصادية الهائلة إلا أن الشعب رفض أن يعيش بلا كرامة. ويا ليت قومى يعلمون ،فالأحزاب المعارضة عندنا فى أسوأ حالات الإنشقاق والتفسخ حتى إرتمت فى أحضان الحزب الحاكم ـ وهو الذى أحدث فيها الإنقسامات ــ يستخدمهاأسوأ إستخدام وفى حوارات غير وطنية حتى تبتعد عن التيارات القوية فى المجتمع . أماالشعب المصرى فإنه يعيش أسوأ فترات تاريخه من إنهيار الوضع الإقتصادى ، وإستباحة حريته ، وأخطرها ضياع القيم الأخلاقية التى كانت تميزه . وأصبح المواطن يعيش فى ضنك وكأنه لا شئ ولم لا وقد أمتهنت كرامته من قبل ولادته . سيدى : ولأننى من أنصار الحل السلمى التدريجى فإننى أرى أن الدور الذى يجب أن تلعبه النخبة المثقفه فى توعية الشعب دور كبير، فلابد أن تخرج هذه النخبة من الغرف المغلقة وأن تلتحم بالشعب لأنها لن تستطيع أن تحقق شيئاًبدون الشعب ، والشعب يحتاج إلى توعية حتى تتكون لديه الإرادة القوية حتى يتحرك للتغيير ، والأحداث الجارية تعطينا أملا كبيرا فالشعب الآن فى بداية مرحلةالوعى وهناك أشكال من الحراك فى المجتمع لا بأس بها ولابد من إسغلالها ، من إزدياد المشاركة فى الإنتخابات ، ومقاطعة الإستفتاءات وتنظيم الإضرابات والتى حقق بعضها نتائج ملموسة. لذلك يجب على النخبةأن تتحرك تحركاً منظما وأن تضع يدها فى يد القوى الفاعلة ـ وليس الأحزاب الفارغة ـ فى مصر حتى ينتهى هذا الإستبداد . فإننا نصبر على الجوع ولا نصبر على الذل